ما حقيقة النبؤة ذاتية التحقق ؟

بجماليون
Pygmalion priant Vénus d'animer sa statue

النبؤة ذاتية التحقق (self-fulfilling prophecy) هي أحد مفاهيم العلوم الزائفة والتي تصف النبؤة التي تحقق ذاتها بسبب التفاعل بين إعتقاد المرء وسلوكه. والفكرة شائعة في الحضارات القديمة، كما أن المصطلح موجود لدى بعض علماء النفس وعلماء الإجتماع في إشارتهم للقضايا النفسية وتأثيراتها على العلاقات. هل سنصاب بالسرطان لأننا نفكر بالسرطان؟ أم أننا سنموت لأننا نفكر بالموت؟ هل سنفلس لأننا نخاف من الإفلاس؟ أم سيموت أحد من نحبهم لأننا نفكر بذلك؟ أم أننا سنسقط من فوق السياج فقط إذا فكرنا بالسقوط؟ بنفس الطريقة هل سننجو من الموت إذا تنبئنا بذلك؟ هل سنصبح أغنياء إذا توقعنا ذلك؟ هل سننقذ حياة أحدهم؟

تاريخ الفكرة في الحضارة الإسلامية يعود لنصوص كثيرة مثل (تفائلوا بالخير تجدوه) وهو موجود في إعتقادات الناس وأمثالهم الشعبية وقصصهم والقصص حول أشخاص كانوا يتكلمون عن أشياء بكثرة ويتوقعون حدوثها ثم أدى ذلك لحدوثها معهم، والأمر موجود لدى الحضارات الأخرى أيضاً. لكنه ظهر بشكل مضخم جداً وبصيغة ذات طابع علمي في العلم الزائف المعروف بقانون الجذب العام[1]! الذي يزعم بأننا نجذب الأشياء السلبية أو الإيجابية عندما نفكر بها. وقد تناولنا قانون الجذب العام سابقاً في العلوم الحقيقية وفي هذا المقال نقدم تفنيداً لجزئية النبؤة ذاتية التحقق.

ترتبط النبؤة ذاتية التحقق بشكل رئيسي بما يعرف بجدلية بجماليون وهو شخصية أسطورية يونانية يمثل ملكاً أحب تمثالاً حباً شديداً حتى أصبح التمثال امرأة حية، وهذه الجدلية مشهورة أيضاً في مسرحية بريطانية يقترح فيها أحد الشخصيات أن يقوم بتدريب فتاة سوقية من الشارع لتمثل دور دوقة في إحدى الحفلات نتيجة حسن ظنه بها وإيمانه بقدراتها. كما يلامس الأمر حياتنا اليومية في الإعتقاد الشائع بأن ظن المدرس بالطالب يحدد درجة ذكاء الطالب ويجعله ذكياً أو غبياً ونسمع هذه المقولة بكثرة في المدارس فظن المدرس سيمثل نبؤة ذاتية التحقق بالنسبة للطالب[2].

قد يكون من الصعب جداً أن نجد دراسات حول أشخاص يتوقعون أشياء معينة ثم تحدث لهم. وبقدر وجود هؤلاء الذين يتوقعون أشياءاً وتحدث لهم تلك الأشياء من قبيل الصدفة هناك أضعاف مضاعفة ممن يتوقعون أشياءاً لا تحدث مطلقاً، لكنه ديدن الإشاعات وتناقل الأخبار المثيرة خوفاً أو فرحاً أو دهشة بين الناس بحيث أنهم يركزون على قصة معينة حتى يظن الناس أنها حالة عامة، في حين لا يتناقل الناس أحداثاً غير مثيرة مثل رجل ظل يتوقع أنه سيصاب بالسرطان لكنه لم يصب بالسرطان. لا توجد إثارة أو دهشة في الأمر لكي يصبح حديث الناس.

من الدراسات القليلة حول الموضوع هي دراسة لعالم النفس التعليمي الأمريكي جيري بروفي عام 1983 والمنشورة في مجلة علم النفس التعليمي. درس بروفي أنماط علاقات التلاميذ والأساتذة وتأثير الأساتذة على الطلبة وهو بدراسته لم يكن ناقداً لفكرة النبؤة ذاتية التحقق في مجال التعليم، لكنه وجد في نتائج دراسته أن حالة تأثير ثقة المدرس بالطالب بشكل إيجابي هي حالة قليلة جداً، كما أن مقدار التأثير في تلك الحالات هو تأثير محدود جداً[3]. ما نراه في دراسة بروفي وفي حياتنا اليومية في المدارس يُمكن عزوه للتشجيع ولكثير من التأثيرات النفسية الطبيعية دون اللجوء إلى تفسيرات مضللة ومبهمة واسطورية مثل النبؤة ذاتية التحقق.

المصطلح “النبؤة ذاتية التحقق” يُمكن أن نجده في الدراسات النفسية كنوع من التأثيرات النفسية المتبادلة بين الزوج والزوجة أو بين الأصدقاء أو بين الطالب والأستاذ، فمثلاً دراسة أخرى أستخدمت المصطلح لكن المحتوى وطبيعة الدراسة لم يكن يمت لمعناه الأسطوري الشائع بين الناس بتاتاً، حيث بحثت الدراسة المقامة في جامعة كولومبيا عام 1998 طبيعة تحسس الأفراد في العلاقات وصنفتهم إلى أنماط ودرست سلوكهم وتعرض العلاقة للمخاطر والأنفصال بسبب مواجهتهم لسلوكيات الرفض من الشركاء. بالطبع لا يمت هذا بصلة لما نتخيله من قانون الجذب العام وتأثير تفكيرنا على العالم، واجه صديقك بالجفاء وسترى بوضوح الأسباب المنطقية لردود فعله عليك[4].

نعود للمفهوم الأسطوري للنبؤة ذاتية التحقق وبعيداً عنها كمصطلح في علم النفس. هل سنصاب بالسرطان أو السل نتيجة تنبؤنا بذلك مسبقاً؟ في الواقع وبخلاف الأمور الخاضعة لتصرفاتنا فإن خلايا الجسم وأعضاءه وصحته العامة لا تخضع لتلك التصرفات ولا للأهواء أو ما يدور في العقل إلا في نطاق واضح ومعروف الأثر. فمثلاً لو ذكرنا 13 عامل من مسببات الإصابة بالسرطان ولو اجتمعت علينا هذه العوامل فلن يضرنا التفاؤل بشئ، التأثيرات النفسية على الجسد واضحة من قبيل تأثير هورمون الكورتيزول على خزن الدهون، أو تأثير الإيبنفرين على عملية تحلل الدهون (lipolysis). مزيج معين من الهورمونات مثلاً يضعنا في النمط المعروف بالقتال أو الهرب (fight or flight) ويشمل مجموعة من المؤثرات في جسدنا مثل نمط التفكير والتركيز وضربات القلب وغيرها. ونتكلم هنا عن التأثيرات النفسية الواضحة لا عن الأفكار التي نفكر بها. الفكرة التي تدور في ذهنك مثل أنك قد تنجح في الإمتحان أو تفشل أو أنك قد تموت بالسبب الفلاني أم لا ستبقى فكرة فقط ولن يكون لها أي تأثير على جسدك ما لم تتحول إلى هاجس وقلق وهي أيضاً لن تؤثر بهذه الطريقة وفقاً لما تحتويه، أي أن الخوف من سقوط قطعة حديد من السماء على رأسك لن يجعل قطعة حديد تقسط من السماء على رأسك بل قد يجعلك تعيش تأثيرات سيئة للخوف والقلق والتوتر.

ماذا عن تأثير أفكارنا على العالم والاشياء من حولنا؟ هنا دخلنا للخرافة من أوسع أبوابها وللعلم الزائف من باب كتاب السر وقانون الجذب العام الذي لاقى رواجاً كبيراً في العالم. لو كان للفكرة طريق للتأثير على الجسد من خلال القلق أو الغضب أو الخوف والتي سترسم نمطاً هورمونياً معيناً لنا، فإن تلك الفكرة لن تؤثر على العالم بأي شئ، إنها لن تؤثر على سيارة ستأتي لتصدمك، ولن تؤثر على مادة تناولتها وأصابتك بالمرض ولن تؤثر على رئيس الدولة الذي يحدد سياسات بلدك أو اللص الذي يسرق بيتك. إن تأثيرها سيبقى في ذهنك فحسب.

مع ذلك ومع عدم وجود مسبب لتحقق تلك الأفكار السيئة أو الإيجابية، فإن العيش مع دوامة من الأفكار السيئة مثلاً لن يكون أمراً جيداً ولن يعود بنتائج جيدة على الحياة اليومية. فها هي إحدى الدراسات التي قارنت بين مجاميع متفائلة وأخرى متشائمة من الشباب لتجد نسبة أكبر ممن لديهم ضغط دم مرتفع بين المتشائمين[5]، أبشر إذاً، إذا كنت تمتلك نبؤة بأنك ستموت نتيجة أمراض مصاحبة لإرتفاع ضغط الدم وكان لديك بعض الأسباب الوراثية لذلك فقد تصدق نبؤتك هنا لتكون نبؤة ذاتية التحقق. لكن لو تشائمت بقدر ما تشاء وفكرت بأنك ستموت نتيجة قصف نووي لمدينتك فإن تشاؤمك هذا لن يغير من موازين القوى العالمية وشطرنج السياسة شيئاً، كما أن تفاؤلك بأن تصبح غنياً لن يفيدك شيئاً دون سعيك الدؤوب لذلك.

مصادر

[1] Rhonda Byrne 2006 , The Secret

[2] Lee Jussim, Rutgers University, Social Belief and Social Reality: Why Accuracy Dominates Bias and Self-Fulfilling Prophecy, Oxford University Press, Chapter 3

[3] Brophy, Jere E. “Research on the self-fulfilling prophecy and teacher expectations.” Journal of educational psychology 75.5 (1983): 631.

[4] Downey, Geraldine, et al. “The self-fulfilling prophecy in close relationships: rejection sensitivity and rejection by romantic partners.” Journal of personality and social psychology 75.2 (1998): 545.

[5] Räikkönen, Katri, et al. “Effects of optimism, pessimism, and trait anxiety on ambulatory blood pressure and mood during everyday life.” Journal of personality and social psychology 76.1 (1999): 104.

عدد القراءات (227)

التعليقات

التعليقات

About Omar 168 Articles

مهتم بعلم النفس والعلوم الاجتماعية والتقنيات واللغويات يمكن التواصل معي عبر البريد الالكتروني:
omar [at] real-sciences.com

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*