كيف يعمل الكون؟ الجُزء الرابع: النجوم

نجوم

في ليلةٍ صافية في الريف إذا كُنتَ محظوظاً بوسعِك رؤية ثلاثة آلاف نجم، لكن هذا فيضٌ من غيضٍ كوني شاسع. ففي مجرتنا -درب التبانة- وحدها مثلاً ما يزيد عن بليون نجم، أما الكون المُدرَك يحتوي أكثر من مائة مليون مجرة، هذا ببساطة يُعني أن هُناك مجرات أكثر من عدد حبَّات الرمل الموجودة على كوكب الأرض.

النجوم، إنها ضخمة، إنها ساخنة، إنها بكُل مكان تملأ الكون بغبار النجوم، وُلِدَت في عُنف وستموت بانفجارات ملحمية. النجوم تحكُم الكون وهي وحدات بناء الحياة كما أن مصيرنا مُرتبط بمصيرها.

يقول عالِم الفيزياء النظرية لورانس كراوس‎(Prof. Lawrence Krauss)‎:‏ “‏إن كُل ذرة بأجسادنا قد تكوَّنت داخل لُّب ناري لنجمٍ ما، إننا أطفال النجوم بُكل معنى الكلمة.

النجوم هي عبارة عن أجسام كروية ضخمة من البلازما، وأغلب مكونات النجوم هي عنصري الهيدروجين المُتأين والهيليوم المتأين (ويُسمَّى الغاز المُتأين بالبلازما).

إن أغلب النجوم بعيدة للغاية وقلَّما أن نعلم عنها شيئاً لكن ثمَّة نجمٌ قريب للغاية وقد تعلَّمنا كثيراً مما نعلَمُه عن النجوم من هذا النجم. إنها الشمس، نجمٌ متوسط الحجم أكبر من كوكب الأرض بمليون مرة، يبلُغ قطرها حوالي مليون كيلومتر ومع ذلك فهي صغيرة مُقارنة بنجومٍ اُخرى، فمثلاً نجم “إيتا كارينا” أضخم من شمسنا بأكثر من خمسة ملايين مرة، أيضاً نجم “منكب الجوزاء” أضخم من “إيتا كارينا” بثلاث مرات، بينما “في واي الكلب الأكبر” أضخم من شمسنا بليون مرة وهو أضخم نجم تم اكتشافه حتى الآن.

كيف تُولَد النجوم ؟

تحترق النجوم بألوان مُختلفة من الأحمر وحتى الأصفر والأزرق. بعضهما يعيش مُنفرداً وبعضها في أزواج تدور حول بعضها، وتجتمع معاً في مجرات ضخمة كمُدن كاملة تتكون من بلايين النجوم. وقد بدأت النجوم حياتها كسُحب من الغبار والغاز تُعرف بالسديم، ويحتوي في المقام الأول على الهيدروجين جنباً إلى جنب مع الهيليوم ومقدار ضئيل من عناصر أثقل. حالما يتكثف اللب النجمي فإن عنصر الهيدروجين يتحول بثبات إلى هليوم من خلال عمليات الاندماج النووي، وينتج عن هذه العمليات طاقة هائلة كما أنها تندفع عبر ملايين الكيلومترات في الفضاء لتكوّن أشكالاً مُدهشة، وتُعتَبَر السُدم بمثابة حاضنات للنجوم مثل سديم “الشُعلة” وسديم “رأس الحُصان” وسديم “الجبار”.

Horsehead Nebula by Ken Crawford

تتوارى بعض أجزاء السديم عميقاً عن الأنظار حيث تُولَد النجوم من غازات داكنة ترتفع فيها كثافة الغازات والأتربة وهي موضِع العمل الحقيقي

 فيما يخُص تكوين النجوم. لعقودٍ طويلة لم يستطع العُلماء رؤية كيفية تكوّن النجوم حتى عام 2004 عندما أطلقت ناسا المقراب الفضائي “سبيتزر” (Spitzer Space Telescope) وهو مقراب للأشعة تحت الحمراء، أي أنه يرصد الحرارة فقط، وقد تمكَّن المقراب من رؤية ولادة نجم داخل السديم. وتكوين النجوم لا يحتاج سوى هيدروجين وجاذبية ووقت، حيثُ تقوم الجاذبية بجذب الغاز والغبار إلى دوَّامة عملاقة ثُم تضغط الغاز والغُبار لمساحات أصغر ومِنْ ثَمَّ تزداد الحرارة وعلى مدار مئات وآلاف السنين تزداد الكثافة إلى أن يتكون قُرص دوَّار ضخم جداً، قد يكون أضخم من مجموعتنا الشمسية بأكملها ثُم تقوم الجاذبية بتشكيل كُرة عالية الكثافة والحرارة ويأخذ الضغط في التزايُد حتى تنفجر إنبعاثات ضخمة وقد تمتد هذه الإنبعاثات لعدة سنين ضوئية. تصل الحرارة في الُّب لخمس عشرة مليون درجة وعند هذه الحرارة العالية تبدأ ذرات الغاز بعملية الإندماج فتتحر كميات مهولة من الطاقة على شكل حرارة وإشعاع. وهكذا يتكون النجم، وسيتالألأ لملايين أو بلايين أو رُبما تريليونات السنوات.

ما هي طاقة النجوم ؟

حتى بداية القرن العشرين لم يُدرك أحدٌ ماهية وقود النجوم الذي ينجُم عنه مثل هذه الكميات الهائلة من الطاقة والاشعاع المُنطلقين.

يقول عالِم الفيزياء: ميتشيو كاكو‎(Prof. Michio Kaku) ‎ “حتى نهاية القرن العشرين كانت من أعظم مشاكل الفيزيائين أنهم لا يعرفون ماذا يسوق طاقة النجوم؟، كُلُ ما عليك فعله هو أن تنظر خارجاً وستدُرك وجود فجوة كبيرة في فهمنا للأمر. حقاً !، ما هو مصدر الطاقة الهائل ذاك؟، العبقري الذي أجاب على هذا السؤال كان آلبرت آينشتاين. فقد أثبتت فرضياته أن النجوم بوسعها أن تصُب الطاقة داخل الذرات من خلال المُعادلة الشهيرة: الطاقة تساوي الكُتلة ضرب مُربع سرعة الضوء؛ إذ أن الكُتلة تكون بمثابة طاقة مُركَّزة ومُكثَّفة إلى أن أصبحت ذرات، ويُمكن الحصول على الطاقة بجعل الذرات تصطدم معاً حتى تندمج مرة اُخرى. إنه لمن المُدهش أن نجد فيزياء الجُسيمات تحت الذرية مُتناهية الصِغَر تُحدِّدُ تركيب وطبيعة النجوم الهائلة.

أظهر آينشتاين أنه يُمكن تحرير الطاقة بسحق الذرات مع بعضها وتُسمَّى هذه العملية بالإندماج النووي، وهذه الطاقة المُتحرِّرَة هي نفسها الوقود الذي يُحرّك النجوم.

مُعادلة تكافؤ الكتلة والطاقة لآينشتين
مُعادلة تكافؤ الكتلة والطاقة لآينشتين

 

ومن فرضيات آينشتين تعلّمنا كيفية تحرير الطاقة داخل الذرة، والآن يُحاول العِلم مُحاكاة مصدر طاقة النجوم للتحكم في طاقة الاندماج النووي داخل المُختبَر.

قُرب اكسفورد – إنجلترا يوجد آلة تزن36300 كجم، يتم تحويلها كُل يوم إلى نجم لكنه نجم موجود على الأرض. داخل هذه الآلة يتم سحق ذرات الهيدروجين ببعضها، ولفعل ذلك تقوم الآلة برفع درجة الحرارة إلى300 مليون درجة وعند هذه الدرجة تتحرك ذرات الهيدروجين المُنشَّطة بسرعة عالية جداً فلا تستطيع تفادي ارتطامها ببعضها البعض. لكن كيف هذا؟ حسناً، الحرارة تُولِّد حركة كافية للتغلُب على قوة التنافُر. فلنتعرف معاً على “توكاماك”

Fusion Energy: The TOKAMAK
Fusion Energy: The TOKAMAK

يقول عالِم فيزياء البلازما ورئيس فريق العمل على التوكاماك أندرو كيريك (Dr. Andrew Kirk) “إنها قارورة مغناطيسية ضخمة، بمثابة حُجيزَة لاحتجاز البلازما الساخنة للغاية حيثُما نتمكن من إعادة خلق الأجواء داخل النجم.”

عندما تسير الأمور جيداً تكون النتيجة أفضل مُفاعِل طاقة في الكون، إنه الإندماج النووي. عندما تصطدم ذرات الهيدروجين ينتج ذرات هيليوم، ببساطة إن ذرات الهيدروجين تزن أكثر من ذرات الهيليوم وعند التصادُم يُفقَد جُزء من الكُتلة (كُتلة تساوي الفرق بين وزني الذرات) هذه الكُتلة تتحول إلى طاقة. وتُحافظ التوكاماك على الإندماج لجُزء من الثانية، أم في النجوم الحقيقية يستمر الإندماج لملايين السنين والسبب بسيط إنه الحجم، النجوم ضخمة وعملاقة وأيضاً هذا الحجم الهائل يتطلب قدراً عظيماً من الجاذبية ومِن ثَمَّ تخلق كميات هائلة من الحرارة تكفي لإستثارة الاندماج النووي. هذا هو سر النجوم، لهذا النجوم تتلألأ.

إذا كانت النجوم تتمتع بهذا القدر الهائل من الطاقة فلماذا لا تنفجر ؟

يُولِّد الإندماج بلُبّ النجم القوة الإنفجارية لبليون قُنبلة نووية كُل ثانية، ولكن لماذا لا ينفجر النجمُ مُتناثراً ؟، هذا لأن الجاذبية تضغط الغُلاف الخارجي للنجم. الجاذبية والاندماج يبدأ من معركة ملحمية فينتُج لنا هذا التوتُر المُستمر بينهما، فالجاذبية تُريد سحق النجم إلى فُتات في حين أن الطاقة التي تُحررها عملية الإندماج تريد تفجير النجم. هذا التوتر هو التوازن الذي يخلق النجم، وعندما تحتدم المعركة تبدأ رحلة نهاية النجم.

وهل تموت النجوم ؟

من لحظة مولده وكل نجم مكتوبٌ عليه الموت، سينفذ وقوده ثم تفوز الجاذبية بمعركتها مع الإندماج فُتثير سلسلة أحداث تعمل على تدمير النجم. ولا إستثناءَ لشمسنا فكُل ثانية يتم حرق 544 مليون طن من الهيدروجين كوقود في لُبّها، ونظراً لحجم الشمس فبهذا المُعدَّل سينفذ وقود الشمس بعد حوالي سبعة بلايين عام، وأثناء عملية استهلاك الوقود يقل مُعدل عمليات الإندماج في لُبّ النجم وهذا يُعطي الغَلبة للجاذبية، بحدوث إندماج أقل يدفع النجم للخارج تعمل الجاذبية على سحق النجم على نفسه، لكن يُعاود الإندماج للقتال فيُسخّن طبقات النجم الخارجية، ومن المعروف عند تسخين غاز فإنه يتمدد وكذلك يحدُّث للشمس، إنها تتمدد فبدلاً من أن تكون بعرض مليون ميل كحالها الآن ستنتفخ حت تصل لعرض مائة مليون ميل !. ستصبح شمسنا عملاقاً أحمر، تخيّلوا فقط أن تُشرق الشمس بعد سبعة بلايين عام، لن تكون قُرصاً صغيراً أصفراً يأتي بالبهجة والرقة بل ستجدون قُرصاً أحمراً ضخماَ ومنتفخ. وعندما تنتصف الشمس في السماء فإنها ستُفجر الحرارة على الأرض وكأن الأرض أصبحت فُرناً للشواء. ستصل الحرارة على الأرض إلى آلالاف الدرجات، ستذوب الجبال، ستغلي المُحيطات، وسينتهي آخر يوم لطيف على كوكب الأرض نهايةً مآساوية.

رحلة لفهم كيفية موت النجوم

بعدم وجود هيدروجين ليزّود النجم بالطاقة سيبدأ النجم بحرق الهيليوم ودمجه إلى ليثيوم ثُم إلى كربون، وأثناء هذا يعمل النجم على تدمير نفسه من الداخل إلى الخارج. إنه يُفجِّر موجات عنيفة من الطاقة من لُبّه لسطحه، ومِن ثَمَّ تقوم موجات الطاقة هذه يتفجير طبقات النجم الخارجية ثُم يتفتت ببُطء ولا يتبقى سوى لُبّ كثيف شديد الحرارة. قد يتحوَّل العملاق الأحمر إلى قزم أبيض بحجم الأرض تقريباً ولكنه أكثف من الأرض ملايين المرات، ووقتما يصل النجم لمرحلة القزم فستكون مرحلة الإندماج قد توقفت تماماً، وقد يتحول إلى نجم نيوتروني، وإذا كان ضخماً بما فيه الكفاية فإنه يتحول إلى ثقب أسود.

 

يقول عالِم الفلك/ فيل بلايت (Astronomer/ Phil Plait) “القزمُ الأبيض كثيفُ للغاية، فلو استطعنا أخذ قطعة منه في حجم مكعب سكر ووضعناها على سطح الأرض، فستسقط وتغوص داخل الأرض.”

يعتقد الفلكيون بوجود بللورات عملاقة من الكربون الخالص داخل القزم الأبيض، إنها بمثابة جوهرة كونية بعرض آلاف الكيلومترات. بالطبع فكرة أن تصير الشمس هذه الكُتلة الباردة الداكنة من رماد الفحم هي فكرة مؤسِفَة، لكنها ستكون ماسة تزن تريليون تريليون قيراط، فقط تخيّلوا ماسة تلمع في السماء.

عندما تموت النجوم الأكبر من شمسنا فإن موتها يكون أكثر عُنفاً بكثير لكن مع ذلك فهي تصنع وحدات بناء حياة جديدة.

القزم الأبيض
صورة للقزم الأبيض الذي (نجم الشعرى اليمانية ب) وهو النُقطة الصغيرة الخافتة بجوار النجم الكبير اللامع (نجم الشعرى اليمانية أ).
تم الإلتقاط بواسطة تليسكوب هابل

كيف تأتي حياة جديدة من رحِم موت النجوم ؟

أعتقد العُلماء أنه بعد انفجار النجم فإنه لا يتبقى شيء، وكان هذا الإعتقاد خاطئ !. هناك جيفة للنجم بعد انفجاره وموته تُدعى بالنجم النيوتروني، أغرب الأشياء التي يعرفها العلم، إنه عبارة عن مادة نووية صلبة ذات عرض قصير جداً يُقدر بالكيلومترات وهي ثقيلة وكثيفة للغاية. يستمر النجم النيوتروني بتفجير عناصر جديدة نحو الفضاء على هيئة سُحُب تحتوي الوحدات البنائية الأساسية لهذا الكون. كُل ما نعرفه ونُحبه مصنوع من هذا الغبار النجمي، إنه مُمتلئ بعناصر كالهيدروجين والأكسجين والسيليكون والحديد وغيرها من المواد الخام اللازمة لبناء نجوماً جديدة وأنظمة شمسية جديدة وكواكب وبالطبع نحن.

وما علاقتنا بالنجوم ؟

النجوم الميتة منذُ زمنٍ قد كوَّنت الغُبار الكوني الذي كوَّن نظامنا الشمسي والكواكب وكُل الأنظمة الشمسية بكُل ما عليها؛ لذا فإننا نتكون من الكربون وهناك حديد في دمائنا، لابُد وأن جميع هذه الأشياء قد تكوَّنت داخل لُبّ نجمي، لاسبيل آخرلنأتي بها. لذا عندما تفكرون في مواد النجوم فقط انظروا حولكم، كُل ما تتألفون منه، كل ما في العالم حولنا لا بُد وأنه أتى من نجمٍ انفجر قبل أمدٍ سحيق، حتى الذرات في شمسنا مُعادٌ تصنيعها إنها الجيل الثالث أو الرابع من الأنقاض المُتبقية المدفوعة للفضاء من أحد النجوم المُحتضرة منذ زمنٍ سحيق. شمسنا هي زوجة والدنا فقد ماتت والدتنا الحقيقة منذ زمن سحيق في انفجار شديد.

 

إننا نعيش في عصر النجوم لكنها ستموت، هُناك هيدروجين وفير في الكون لكن سيتم استهلاكُه، وعندما لا يتبقى هيدروجين لن تتكون نجوماً جديدة. إننا نعيش في فترة قصيرة جداً في تاريخ الكون. ستموت النجوم، سيبرُد الكون ويُظلِم ببُطء وبقسوة، في الحقيقية إن مُستقبل كوننا كئيب للغاية لكن قد نتفائل بشيءٍ من ذلك وهو أن هذه الفترة هي أفضل وقت للحياة، لم يكن الكون دوماً هكذا ولن يكون هكذا أبداً، فقط إنه العصر الذهبي للكون حالياً.

المصادر:

  • CosmoLearning‎: How The Universe Works: Extreme Stars | ‎CosmoLearning Astronomy. CosmoLearning. N.p., n.d. Web.
  • North، ‏John (1995). The Norton History of Astronomy and Cosmology. New York and London: W.W. Norton & Company.
  • ‎”Astronomers Peg Brightness of History’s Brightest Star”. NAOA News.
  • ”stellar Evolution & Death”. NASA Observatorium. Archived from the original.
  • NASA’s Hubble Weighs in on the Heaviest Stars in the Galaxy”. NASA News‎.
  • Drake، ‏Stephen A. (August 17, 2006). “A Brief History of High-Energy (X-ray & Gamma-Ray) Astronomy”. ‎NASA HEASARC. ‎
  • Leadbeater، ‏Elli (August 18, 2006). “Hubble glimpses faintest stars”‎.
  • ‎”What is a Star?”. NASA. 2006‎.

عدد القراءات (326)

التعليقات

التعليقات

About محمد فاروق 14 Articles

مهووس بالفيزياء والرياضيات.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*