لماذا يجب ألا تشرق الشمس أبداً؟

الشمس

الشمس، ذلك النجمُ المركزي للمجموعة الشمسية. كرة عملاقة من الغاز الحار، تدور حول نفسِها. في الواقع، هي عبارة عن نجمٍ مثل بقية النجوم الساطعة التي تراها في سماء ليلةٍ خالية من التلوث الضوئي. تظهرُ لنا الشمس بحجمٍ أكبر وسطوعٍ أشد من النجوم الأخرى لمقربتنا (كوكب الأرض) الشديدة منها. لكن ما الذي دعا الفيزيائي الألماني فرتز هاوترمانز(Fritz Houtermans) والفلكي الإنكليزي روبرت اتكنسون (Robert d’Escourt Atkinson) للقول بأن الشمس يجب ألا تشرق ابداً؟ هذا ما سنعرفه في هذا المقال الشيق.

 

إن الشمس هي كرة غازية عملاقة متوهجة وساطعة جداً. الغازات في الشمس تتكون بنسبة تقارب 70 بالمئة من غاز الهيدروجين وبنسبة تقارب 28 بالمائة من الهيليوم. وتشكل بقية الغازات مثل الكربون والنيتروجين والاكسجين نسبة تبلغ 1.5 من المئة. وتكون النسبة المتبقية (0.5) من المئة من كمياتٍ ضئيلة من عناصر أخرى عديدة كالنيون والحديد والسيليكون والمغنيسيوم والكبريت.

حسابياً، تبلغ درجة الحرارة السطحية للشمس ما يقارب 5,600 درجة سيليزية. ترتفع درجة الحرارة هذه كلما غُصنا أكثر في أعماق الشمس نحو القلب (المركز) شديد الحرارة، حيث تبلغ درجة الحرارة هناك حوالي 15 مليون درجة سيليزية! تولد الشمس الحرارة عندما تندمج ذرات الهيدروجين (1-H) لتصبح ذرات هيليوم (2-He). بمعنى أدق، عندما تدمج بروتونات نوى ذرات الهيدروجين مع بعضها لصنع نواة ذرة الهيليوم. يحدث تفاعل الاندماج النووي هذا عندما تتداخل نواتان ذريتان. ولكي يتم هذا التداخل، لا بد من أن تتخطى النواتان التنافر الحاصل بين شحنتيهما الموجبتين (وتعرف هذه الظاهرة بالـحاجز الكولومبي). ويُنتج ما يشبه انفجار سد من الطاقة الرابطة النووية، والتي تبرز على شكل فوتونات (ضوء) بالإضافة إلى حرارة.

ولكن لهذا الاندماج النووي مشكلة. فقوة التجاذب لدمج البروتونات (القوى النووية القوية)، لها مدى قصير جداً. فلكي يكون بروتونان في الشمس تحت تأثيرها ومضغوطين مع بعضهما، يجب أن يكونا قريبين من بعضهما البعض. وللتغلب على هذا التنافر بين شحنتي البروتونات أو الحاجز، يجب على البروتونان أن يصطدما بسرعةٍ كبيرة. وعملياً، تتوفر هذه الظروف المناسبة في قلب الشمس، حيث يتواصل هذا الاندماج النووي ليكون تحت تأثير درجة حرارة عالية جداً مما يكسب البروتونات سرعة كبيرة للاصطدام.

عندما حسب الفيزيائيون هذه الحرارة في عام 1920، توقعوا أن تتواصل الشمس في الاندماج النووي، فوجدوها مقاربة لـ 10 مليارات درجة سيليزية تقريبا! وكما ذكرنا آنفاً أن الحرارة في مركز الشمس معروفة بأنها تبلغ حوالي 15 مليون درجة سيليزية؛ أي أنها تقريباً أقل بألف مرة مما تم حسابه من قبل الفيزيائيين. مما يجعل حدوث هذا الاندماج النووي مستحيل طبقاً للفيزياء الكلاسيكية لعدم توفر الطاقة الحركية المناسبة لكسر ذلك الحاجز وما يؤدي بالضرورة لاختفاء الشمس من الأساس!  


يقول الفيزيائي الألماني فرتز هاوترمانز والفلكي الإنجليزي روبرت اتكنسون تعليقاً على ماتم حسابه:
” ولكن الاصح، ان الشمس يجب أن لا تشرق ابداً”

بمعنى آخر، تخيل أننا وضعنا حبة من البازلاء في كوب على طاولة، فطبقاً للميكانيكا الكلاسيكية، لا يمكن للحبة أن تخرج من الكوب إلا إذا وصلت طاقة حركتها إلى حد تستطيع به عبور جدار الكوب فتخرج منه وتتحرر. وهذا ما يمثل البروتون في قلب الشمس، حيث ان احتمال حدوث هذا الاندماج النووي ضئيل للغاية لعدم توفر قدر كافي من الطاقة الحركية اللازمة لتخطي هذا الحاجز. وفي المقابل، تقترح ميكانيكا الكم، وهو ما تؤكده التجربة، ففي عام 1929، أنجز هاوترمانز واتكنسون الحسابات الملائمة ليكتشفا أنه يمكن للبروتون عبور هذا الحاجز المنيع حول البروتون الآخر بنجاح وينصهر معه بطاقاتٍ أكثر انخفاضا. أي تتصرف هذه البروتونات كما لو كانت تحفر نفقاً في الجدار لتخرج منه. تُعرف هذه الظاهرة باسم النفق الكمومي- .Quantum Tunneling وقد بينت التجارب بعد ذلك أن تلك الظاهرة تنطبق أيضا على إمكانية تسرب الذرات عن طريق الأنفاق الكمومية، تلك هي الطبيعة التي تحكم المادة على المستوى الذري الصغير. مما يفسر وعلى نحوٍ كامل الحرارة الخارجة من الشمس.

إعداد: سلمان عبود

 

المصطلح تعريفه

القوى النووية القوية- strong nuclear force

هي القوة التي تربط البروتونات والنيوترونات مع بعضها البعض داخل نوى الذرات، على الرغم من أنه نتيجة تشابه شحنات هذه البروتينات فإن قوة تنافرٍ قوية تنتج داخل النواة، ولكن بفعل هذه القوة النووية فإن هذه البروتونات تبقى مستقرةً في مكانها. وتحافظ هذه القوة النووية القوية على الروابط بين (البروتون مع البروتون، والنيوترون مع النيوترون، والبروتون مع النيوترون) بشكلٍ طبيعي بحيث تكون مستقرةً

النفق الكمومي- Quantum Tunneling

هي ظاهرة تخلل جسيم أولي لحاجز جهدي طبقا لميكانيكا الكم، في حين أن الميكانيكا التقليدية لا تسمح له بالنفاذ حيث أن طاقته أقل من طاقة الوضع في الحاجز. وتلعب ظاهرة تخلل الحواجز الكمومية دورا رئيسيا في بعض الظواهر الطبيعية مثل النشاط الإشعاعي وتحلل بيتا وتحلل ألفا والاندماج النووي في الشمس.

المصدر:

Chown, Marcus (2007). Quantum Theory Cannot Hurt You. Faber & Faber.

المصادر الثانوية:

Kenneth S. Krane (1988). Introductory Nuclear Physics. Wiley & Sons.

Taylor, J: Modern Physics, page 234. Prentice Hall, 2004

“What is Nuclear Fusion?”. NuclearFiles.org

عدد القراءات (638)

التعليقات

التعليقات

About سلمان عبود 9 Articles
مُحب للعلوم الطبيعية والتطبيقية بشكل عام والتفاضل والتكامل بشكل خاص ومولع بالفيزياء الحديثة . العلم هو الحل! sic parvis magna

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.