هل هذا علم؟ (مؤشرات حول العلم الزائف)

كارل ساغان

جيمي هيل (أكتوبر 2018، csicop.org) العلم مقنع، وهو يجب أن يكون كذلك؛ فهو أفضل كاشف للواقع. لكن ما يظهر على أنه علم غالبًا، قد لا يكون كذلك. يدرك مروجو العلوم الزائفة (الادعاءات المتنكرة بزي علمي وهي تملك قيمة علمية ضئيلة في الحقيقة) القيمة القوية التي توضع على العلم. إن إرفاق مصطلح “العلم”، بأي منتج أو خدمة أو ادعاء أو حتى بمجرد جعلها تظهر كعلم يرفع مباشرةً من قيمتها. يمكن أن يكون هذا أيضًا إشكاليًا لأن إرفاق كلمة ” العلم” إلى ادعاء ما لا يجعله علمًا.

العلم الزائف هو عقبة رئيسية أمام العقلانية. وفي الحقيقة إن المعتقدات الزائفة أكثر تكلفة مما يظن الناس، فالوقت والمال الذي ينفق على العلوم الزائفة كان من الممكن إنفاقه على أنشطة مفيدة. نحن نعيش في مجتمع مترابط، لذا فإن المعتقدات العلمية الزائفة لعدد قليل من الناس قد يكون لها تبعات على كثير من الناس. وكمثال على ذلك، أدى الاعتقاد الخاطئ بأن التوحُّد سببه التطعيم المبكر أو إنه مرتبط به، إلى انخفاض معدلات التلقيح، وارتفاع في معدلات قبول الأطفال في المستشفيات، وقد وصل الأمر لبعضهم حتى الوفاة. وكمثال آخر، خذ بعين الاعتبار الخيار الغريب الذي اتخذه ستيف جوبز (مؤسس شركة apple)، حين “تجاهل أطباءه بعد أن تم تشخيصه بسرطان البنكرياس وتأخر عن الجراحة لمدة تسعة أشهر حيث اتبع حمية غذائية على الفواكه غير مثبتة الفعالية، واستشار العرافين، وتلقى علاجات زائفة باستخدام المياه”.

حقيبة الكشف عن الهراء

كان الدافع وراء كتابة هذه المقطع هو اقتراحات سابقة قدمها ساغان (Sagan)، وليلينفيلد (Lilienfeld)، وشيرمر (Shermer). إن القصد من كلمة هراء في “حقيبة الكشف عن الهراء” هو الهراء العلمي كمرادف لغوي للعلم الزائف. لا يوجد معيار معين لتمييز العلوم من العلوم الزائفة، ولكن من الممكن تحديد مؤشرات وعلامات محذّرة. فكلما كثرت هذه العلامات زادت احتمالية أن يكون الادعاء مجرد هراء.

مؤشر على الهراء: لم يتم التحقق من الادعاءات من قبل مصدر مستقل

غالباً ما يدّعي المروجون للهراء معرفة خاصة، واكتشافات محددة لا أحد غيرهم يعرف عنها. تنعكس هذه النتائج في كثير من الأحيان في عبارات مثل “اكتشاف ثوري”، “ما لا يريد العلماء منكم أن تعرفوه”، “ما اكتشفته قلة محدودة فقط”، ودواليك. وتكون هذه النتائج غير قابلة للنقد أو التكرار. عند إجراء الدراسات، من الضروري أن يقوم الباحثون بتعريف المتغيرات (توفير تعريف دقيق يمكن استخدامه لمعالجة أو قياس المتغيرات)، وبالتالي توفير إمكانية لانتقاد وتكرار تفاصيل الدراسة. لا يهتم العلماء بقدرة الآخرين على تكرار نتائجهم. إذا لم يكن بالإمكان تكرار نفس النتيجة، فهذه مشكلة كبيرة، ومن غير المعقول اعتبار استنتاج واحد كدليل. كما أنه يمثل مشكلة عندما يقوم فقط الذين يقومون بإجراء الاكتشاف الأصلي بتكرارها بنجاح.

مؤشر على الهراء: لم يبحث المدعي إلا عن أدلة تأكيدية

الانحياز التأكيدي (Confirmation bias) هو خطأ معرفي (تحيز معرفي) يُعرّف بأنه نزعة للبحث عن أدلة تأكيدية مع رفض أو تجاهل الأدلة التي لا تدعم الادعاء. معظم الناس لديهم ميل للبحث عن الأدلة الداعمة بينما يتجاهلون (أو لا يبحثون بعناية عن) الأدلة النافية لما يسعون لإثباته. من السمات الهامة للباحث العلمي هو الميل للبحث عن الأدلة النافية. قد لا يعرف مروّجو الهراء بوجود ما يسمى بالأدلة النافية، لأنهم لا يهتمون بهذا النوع من المعلومات. يتم تنظيم العلم للحد من الانحياز التأكيدي. اقترح الراحل ريتشارد فاينمان (الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء) أن العلم هو مجموعة من العمليات التي تكشف خداع الذات. فالعلم يساعدنا على ضمان عدم خداع أنفسنا.

مؤشر على الهراء: المعتقدات الشخصية والتحيزات تقود الاستنتاجات

غالبًا ما تتأثر الادّعاءات غير المنطقية بشكل كبير بالتحيزات والمعتقدات الشخصية. يدرك العلماء تحيزاتهم ومعتقداتهم الشخصية لذلك يستخدمون المنهجيات العلمية لتقليل آثار تلك التحيزات. غالباً ما يجد العلماء أنفسهم، مثلهم مثل غير العلماء، يبحثون عن أدلة تأكيدية. “في مرحلة ما عادةً خلال نظام مراجعة الأقران (إما بشكل غير رسمي، عندما يجد المرء زميلاً لقراءة مسودة المقالة قبل تقديمها، أو بشكل رسمي عند قراءة المسودة وانتقادها من قبل الزملاء، أو بشكل عام بعد النشر)، فإما أن يتم إزالة المعتقدات والتحيزات، أو أن الورقة أو الكتاب يرفض نشرها”. إن داعمي الهراء يخفقون في إدراك تحيزاتهم (بوعي أو بغير وعي) وبالتالي لا يبذلون ما يكفي من الجهد لمنع هذا من التأثير على ادعاءاتهم.

من مؤشرات الهراء: الاعتماد المفرط على المرجعيات

معظم ما نتعلمه يأتي من شخصيات ذات مرجعية (بما في ذلك المدرسون، والمؤلفون، والأهل، والصحفيون، إلخ)، وهذه المرجعيات أحيانًا ما تكون على خطأ. إن ميزة الادعاءات هي أنها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بغض النظر عن مصدرها. قد تقدم المرجعية تلميحًا إلى ما هو صحيح، ولكنها غير معصومة عن الخطأ. غالبا ما تؤكد المرجعيات معتقدات مختلفة. فأي مرجعية على حق؟ حتى المرجعيات رفيعة المستوى معرضة لمجموعة من التحيزات الواعية واللاواعية؛ فقد يخطئون وغالبًا ما يكون لهم مصالح مكتسبة، تمامًا مثل غير الخبراء. كتب كارل ساجان (Carl Sagan) أنه “يجب على المرجعيات أن تثبت ادعاءاتها مثلها مثل أي شخص آخر. إن هذا الاستقلال الذي يملكه العلم، وعدم استعداده في بعض الأحيان لقبول الحكمة التقليدية، يشكّل خطرًا على العقائد الأقل انتقادًا للذات ، وللادعاءات  لتحصل على الثقة”، ويضيف فاينمان (Feynman) “قد تكون المرجعية إشارة إلى الحقيقة ، ولكنها ليست مصدر المعلومات. وطالما كان ذلك ممكنًا، يجب أن نتجاهل السلطة متى اختلفت المشاهدات معها”.

إن أهم مرجعية  للعلم هي الدليل.

مؤشر على الهراء: الإفراط في الاعتماد على الحكايات

نادرًا ما تكون الحكايات (قصص شخصية قصيرة لحدث ما) كافية لاستنتاج أن ادعاء ما صحيح. من الصعب التحقق من الحكايات، وغالباً ما تكون غير مستعرضة لوقائع الحالة كاملةً، ويتم تأليفها لكل الظواهر التي يمكن تخيلها تقريباً، وغالبًا ما يتم تركيبها لتظهر ذات معنى بالرغم أنها في الواقع ليست كذلك. قد تكون الحكايات مفيدة كبيانات لتشكيل الفرضيات ويمكن اعتبارها في نهاية المطاف دليلًا، لكن لا ينبغي الإفراط في استخدامها في المناقشات العلمية. أُبلغ الطلاب في اليوم الأول من الفصل أن المناقشة العلمية تتطلب الإحالة إلى البيانات العلمية. لا تحمل الخبرات والآراء الشخصية سوى القليل من الوزن في المناقشات العلمية، خاصةً عندما لا يمكن استنتاجها بعقلانية من الأدبيات العلمية.

مؤشر على الهراء: الاستخدام المفرط لكلمات أو مفاهيم “بنكهة علمية”

في محاولة للتمييز الدقيق بين المفاهيم المتشابهة، يستفيد العلماء من لغة عامية متخصصة. في بعض الأحيان “يساء استخدام هذه الممارسة، خاصة عندما تقدم المصطلحات تقنيات غير مدعومة مع بصمة من الاحترام العلمي غير المكتسب” (Lilienfeld). غالبًا ما يستخدم مروجو العلوم الزائفة كلمات اختصاصية، لذا فهم يظهرون على أنهم أذكياء أو ذوي معرفة عالية، حتى عندما يكون استخدام الكلمة غير صحيح. وعلى النقيض من اللغة العلمية، فإن هذه اللغة كثيراً ما تفتقر إلى المعنى أو الدقة أو كليهما (Lilienfeld and Landfield). إن استخدام كلمات ذات “طابع” علمي هو أسلوب بلاغي قوي، لكن لا يعني بالضرورة أنه علمي.

وفي الختام، أتقدم بشكر كبير إلى ساغان (Sagan) وشيرمر ( Shermer) وليلينفيلد ( Lilienfeld) على جهودهم في مكافحة العلوم الزائفة.

المقال الأصلي

Jamie Hale, “Is That Science?”, October 24, 2018

عدد القراءات (341)

التعليقات

التعليقات

About هاني حبيب 7 Articles
طالب في كلية الطب البشري مهتم بالبيولوجيا و الطب التطوري و تفنيد العلوم الزائفة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.