التخلق أو ما فوق الجينات: هل بإمكان الحمض النووي أن يحدد كل شيء؟

في عام 2005 شاهد حوالي 4 ملايين مشاهد المسلسل الكوميدي (The Suite life of Zack and Cody) الذي يتحدث عن توأمين مشاغبين يعيشان في فندق، رغم تشابههما في المظهر، كانت هناك بعض الاختلافات الظاهرة في المسلسل، فهل هناك ما يفسر هذا الأمر علمياً  دعونا نستكشف الأمر معاً.

المثال من المسلسل يتكرر كثيراً في حياتنا اليومية، فنرى الكثير من التوائم يختلفون بصفات عديدة، ونجد هذه الاختلافات بصور متعددة، اختلافات بالشكل، اختلافات بالصفات الشخصية وحتى اختلاف بالتعرض للأمراض، التوائم في العادة لهم جينات متطابقة فما الذي يسبب هذه الاختلافات؟!

يعتقد العلماء بأن ما يفسر هذه الإختلافات رغم تطابق الجينات هو ما يعرف بعلم التخلق أو ما فوق الجينات (Epigenetics)، بمعنى مختلف هو دور البيئة في تنشئة الجينات.

يمكن تشبيه الجينات بالمصابيح، المصابيح تضيء الغرفة والجينات تتحكم بفعاليات الخلية، ولكن هناك ازرار مرتبطة بالمصابيح، يمكن من خلال الزر إطفاء الضوء او تشغيله، كذلك هي الآليات فوق الجينية، هي عمليات تتحكم بتشغيل وإطفاء الجينات.

هذه الأزرار الجينية هي بالغالب جزيئات كيميائية تسمى مجموعات المثيل (هي ذرة كاربون متصلة بها ثلاث ذرات هيدروجين) تكون مرتبطة بالحامض النووي (DNA) عند الولادة وهي مشابهة للأزرار الجينية الموجودة عند الوالدين.

هذه الأزرار الجينية وبمرور الزمن ومع النشأة ممكن أن يجري عليها عدة تعديلات من خلال تغيير الجزيئات وأن يتم استبدالها او أن تتم اضافة جزيئات اخرى، هذه التعديلات او التغييرات تكون في الغالب مسبباتها خارجية بسبب البيئة، كأن يكون بسبب التعرض لمواد كيميائية معينة او بسبب نظام غذائي معين.

تفاجأ علماء الوراثة بمعرفتهم أن هذهِ التغييرات فوق الجينية قابلة للتوريث وقد تنتقل من الآباء إلى الأبناء جيلاً بعد جيل. وقد أوضحت دراسة في جامعة ديوك (Duke University) أنه عندما يتم تغذيةُ إناثِ الفئران بنظامٍ غذائيٍ غنيٍ بمجموعات المثيل فإن لون فراء الأبناء يتغير بشكل دائم. من غير أي اختلاف أو تغيرٍ على تسلسل نيوكليوتيدات الحمض النووي (DNA) مطلقاً، إذاً، يمكن إضافة مجموعات الميثيل أو إزالتها، والتغير الناتج يصبح متوارثًا كما لو أنه طفرةٌ في أحد الجينات!

كما أن تغيرات الزمان على أزرار المصابيح الكهربائية من الممكن أن تغير كفاءة إضاءة المصباح فإن التغييرات في هيكلية الأزرار الجينية من الممكن ان تؤدي إلى إطفاء الجين، أو ابقائه عاملا لفترة أطول من اللازم، بعض هذه التغييرات تكون لا قيمة لها على الجانب الصحي ولكن في بعض الأحيان من الممكن ان تسبب الكثير من المشاكل الصحية.

 

هذه التغييرات ما فوق الجينية اليوم بدأت تظهر كأحد أهم العلوم في الأحياء الجزيئية لدراسة العديد من الظواهر بالاخص في مجال أبحاث السرطان، ولا زال هناك الكثير من الأسرار في هذا المجال، والبحث جاري للإجابة، ومن البحوث المثيرة في هذا المجال هو تأثير هذه التعديلات على التجارب السلوكية، فهل يمكن للخوف مثلاً أن يحدث التغييرات؟ وهل هذه التغييرات الناتجة يمكن توريثها إلى الأبناء حتى تكون لهم ذاكرة لما كان يؤثر على الآباء ؟

للمزيد :

Berger SL, Kouzarides T, Shiekhattar R, Shilatifard A (2009). “An operational definition of epigenetics”. Genes Dev. 23 (7): 781–3.

عدد القراءات (196)

التعليقات

التعليقات

About علي البهادلي 6 Articles
عراقي من النجف ، مقيم بالسويد ، حائز على ماجستير في الصيدلة ، يعمل الان كباحث دكتوراه في قسم الكيمياء الحياتية أكاديمية ساهلكرنسكا الطبية - جامعة كوتنبرج ، تتركز أبحاثه على دراسة الاليات الجزيئيّة لأمراض المايتوكوندريا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*