أوراق الزهايمر المتبعثرة

الزهايمر الخديعة الكبرى

يمتاز الطب النفسي عن بقية التخصصات الطبية بأنه يثير دوماً الكثير من الجدل. يعاني دارسوه بعض الفوضى في تكوين الآراء حول مواضيعه الجدلية، بسبب تشعب تلك المواضيع واحتياج فهمها لكثير من الإطلاع، إلا أن المحصلة في الأخير هي أن ينتهي دارس الأمراض النفسية إلى ما أشبه بالفلسفة حول فهم وتفسير الأمراض وعلاجاتها. أحدى هذه الإضطرابات المثيرة للجدل هي الخرف، الذي يمكن تعريفه ببساطة بأنه إضطراب في الذاكرة والتفكير والقدرات الاجتماعية، وللخرف أسباب أهمها مرض الزهايمر المسؤول وحده عن ثلثا حالات الخرف، أم الثلث المتبقي فسببه إما الإضطرابات الوعائية، أو داء جسيمات لوي (Lewy)، أو أمراض أخرى أكثر ندرة. خصصت هذه المقال للزهايمر تحديداً، وسيشمل الحديث، في بعض الفقرات، كل أنوع الخرف الأخرى، لذلك حين سيتم استخدام كلمة (خرف) في المقالة، فذلك يشمل الزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، وحين سيتم استخدام كلمة (الزهايمر)، فذلك يعني اقتصار المقصود على ذلك النوع من الخرف تحديداً.

خديعة الزهايمر الكبرى

صدر كتاب الزهايمر، الخديعة الكبرى (Alzheimer, le grand leurre) في شهر نيسان الماضي، وهو من كتابة كلّ من البروفيسور أوليفييه سان-جان (Olivier Saint-Jean)، رئيس خدمة طب كبار السن في مستشفى جورج-پموپيدو، والصحفي إيريك فاڤيرو (Éric Favereau)، مراسل الأمور الصحية لصحيفة الليبراسيون. نقرأ في هذا الكتاب: “أكثر مما هو حقيقة طبية، فإن مرض الزهايمر هو في الحقيقة بُنية إجتماعية لوصف الشيخوخة”. وقد أثار هذا الكتاب بالطبع الكثير من النقاشات، ففي حوار أجرته جريدة الليبيراسيون مع البروفيسور المؤلف حول الكتاب قال موضحاً: « أننا نضيف الطابع الطبي على الشيخوخة بدل اعتبارها حدثاً عادياً وطبيعياً »، وأضاف بأن التدهور المعرفي، من فقدان للذاكرة واضطرابات في اتخاذ القرارات، هي أشياء طبيعية في الكبر، وأن ما نجده في أدمغة المصابين بالزهايمر هو مشابه لما نجده في ادمغة كبار السن الأسوياء. هذا وقد اختارت تلك الجريدة صورة مريضة للزهايمر لتضعها في صفحتها الأولى مع عنوان كبير: الزهايمر، هل يتعلق الأمر بمرض؟ (Alzheimer: faut il parler de maladie?) (١).

لكننا من جهة أخرى نقرأ، في مجلة اللانست (Lancet) البريطانية الطبية الأسبوعي (يعود تاريخ صدورها إلى عام ١٨٢٣، وتتمتع بعامل تأثير (Impact factor) قدره ٤٥) مقالة يعود تاريخ نشرها للسنة الفائتة يقال فيها أن هناك ٥٠ مليون مصاب بالخرف يعيشون اليوم في العالم (٢). ونعود للتأكد ونقرأ في تقرير الزهايمر السنوي لسنة ٢٠١٨ (وهو التقرير الذي يصدر من تجمع عالمي للمنظمات التي تعنى بهذا المرض، وحاليا تشتمل على ٨٠ منظمة وتوحد جهودهم في بريطانيا/لندن ومن ضمن نشاطاتهم إقامة المؤتمرات وإصدار هذا التقرير السنوي) بأن هناك اليوم خمسون مليون إنسان يعانون من الخرف، أي بحجم دولة مثل إسبانيا أو كوريا الجنوبية. ثلثاهم يعانون من الزهايمر تحديداً، والثلث المتبقي من الخرف الوعائي، وخرف جسيمات لوي (Lewy)، وغيرها. ويتوقع التقرير نفسه أن هذا العدد سيتضاعف ثلاثة مرات عام ٢٠٥٠ (٣).

قد يبدو أن هذين الخبرين هما خبران متعارضان للوهلة الأولى لاسيما خبر كتاب (الزهايمر، الخديعة الكبرى) من جهة، وخبر الخمسين مليون إنساناً الذي يعانون من الخرف، وثلثاهم من الزهايمر، إلا إننا لو تعمقنا أكثر في الموضوع لتوضحت تلك الصورة المشوشة أكثر ربما.

أين تكمن الخديعة

لقد توفرت مؤخراً الكثير من الأدلة على الفعالية المحدودة للأدوية المضادة للخرف، التي تستخدم بالطبع لعلاج كل أنواع الخرف وأهمها الزهايمر، وعلى أعراضها الجانبية الكثيرة لتلك الأدوية، وخصوصاً أعراض الجهاز الهضمي مثل آلام البطن، الغثيان، الإسهال، التقيؤ، وفقدان وزن (٤). بل حتى (الدوخة dizziness) و(الإغماء syncope)، هذا مع الأخذ بالحسبان خطورة السقوط عند كبار السن الذين يعانون من هشاشة العظام وصعوبة علاج الكسور لديهم (٥). فقد وجدت إحدى الدراسات، أن ١١ بالمئة من المرضى الذين تم وصف هذه الأدوية لهم، دخلوا الطوارئ العامة خلال الشهر الأول التالي لوصف هذا الدواء، وذلك بسبب الأعراض الجانبية للجهاز الهضمي عادة، وكذلك بسبب السقوط على الأرض نتيجة للدوخة، الشي الذي يتسبب بكسور في الحوض، بل يسبب الوفاة حتى(٦).

يركز كتاب (الزهايمر، الخديعة الكبرى) على ذلك الأمر، فيذكر في فقراته فوضى الأدوية المستخدمة في علاج هذا المرض، ويطرح السؤال حول فعالتها، وهل هي أكثر فعالية من الـ)پلاسيبو Placebo)، ثم يذكر الكتاب تصريح الرئيس الأخير للجنة الشفافية في المجلس الأعلى للصحة في فرنسا، البروفيسور (لويك غويوڤان Loïc Guillevin)، الذي قال في كانون الثاني من سنة ٢٠١٨، واصفاً ما حصل في العشرين السنة الماضية من تجربة الأدوية المضادة للزهايمر: « لقد قتلت هذه الأدوية أكثر مما أشفت.»

هذا ويجب أن نعرف أن بعد أشهر من ذلك التصريح، أي في منتصف عام ٢٠١٨، أصدرت وزارة التضامن والصحة في فرنسا قانوناً بإلغاء شمول الأدوية الأربعة الموجودة في السوق لعلاج الخرف في قانون الضمان الصحي، أي أن على المرضى الذين يأخذون هذه الأدوية أن يشتروا هذه الأدوية بنقودهم، ولن تعوضهم الدولة بأي نسبة حتى لو كانوا مشمولين بالضمان. ويتخذ إجراء كهذا عادة تجاه الأدوية التي تعتبرها الدولة غير مهمة، أو أنها لم تثبت فعاليتها، أو أنها كمالية مثل المقويات وغيرها. ونشر ذلك القرار في الجريدة الرسمية (٧).

خرجت وقتها وزيرة التضامن والصحة الفرنسية أنياز بوزان، لتوضح الأمر في قناة تلفزيونية مكررة تصريح رئيس لجنة الشفافية قائلة أن هذه الأدوية سببت أذى للكثير من المرضى حسب دراستين أشرفت عليهما السلطة العليا للصحة (Haute Autorité de Santé). وأضافت الوزيرة أن الأموال التي سوف يوفرها استثناء تلك الأدوية الأربعة من الضمان الصحي، سوف تخصص لمراكز الرعاية الاجتماعية، ومراكز دراسة الذاكرة والاستشاريات المخصصة لمتابعة مرضى الذاكرة.

يبدو أن المقصود من كلمة (خديعة)، حسب البروفيسور المؤلف، هو الخديعة المتمثلة في أننا نروج اليوم إلى أن هناك أدوية مضادة للخرف، بينما في حقيقة الأمر فإننا لا نملك دواءاً فعلاً. ونقرأ في الكتاب إقراراً، ولو بين السطور، بأن هناك مرض ما، وبضرورة العناية بالمصابين به. فنقرأ على سبيل المثال: (يجب ان نتجاوز وهم شفاء المرضى الى العناية بهم)، ثم يشير الكتاب الى دور المعالج الكلامي، والمعالج الحركي، والمعالج الغذائي، وغيرهم، ويستثني – حالياً على الأقل – دور الأدوية.

ثم أننا في نهاية الأمر علينا الإقرار بأن هناك نسبة، ولو نادرة، من مرض الزهايمر تنتقل بشكل وراثي، وقد تصيب من هم دون سن الـ ٦٥، وفي تلك الحالات لن يصح وصف الزهايمر بأنه شيخوخة عادية. ولذلك فعلى أغلب الظن، أن المقصود من الخديعة هي الترويج للأدوية المذكورة أعلاه، وللمبالغة في استخدامها.

لكن ما هو المقصود بكلمة (مرض)؟

لقد رأينا أن الكتاب تارة يشكك صراحة في أن الزهايمر مرض، ثم يرجع لينادي بضرورة العناية بالمرضى من خلال العلاج الكلامي والحركي وغيرها. وهنا دعونا نطرح مثالاً آخر على حالة قد يوجد فيها بعض الشبه، ولو من بعيد، وهي حالة المرأة الحامل.

فرغم أن الحمل حالة طبيعية وغير مرضية، إلا أن كتب الطب غالباً ما تتحدث عن الحامل، حتى لو لم تكن تعاني من أي مرض، بصفتها مريضة، ونجد هذا الشيء معمول به في المستشفيات، فنرى أننا نستخدم بلا وعي منا وصف مريضة على الحامل التي تلد، وذلك بسبب أننا في الماضي تعودنا على أن تلد المرأة في بيتها، لكننا في عصرنا الحالي نجعلها تلد في المستشفى، تحت مراقبة طبية خوف حصول أي طارئ، وقد توصف بعض الأدوية، وقد تبقى المرأة التي ولدت ولادة طبيعية يوماً إضافياً في المستشفى، وسنسميها مريضة، فلديها سرير، وملف، وممرضة تزورها، وكل ما للمريض من عناية.

والحال أننا اليوم نصف أي شخص نقدم له خدمة طبية بالمريض، رغم أن الحالات التي تقدم لها تلك الخدمات ليست كلها بنفس القرب من تعريف المرض، فالمصاب بتشوه جيني يسبب له داء السكر الولادي، يختلف في مرضه عن شخص صحيح، كان يعبر الشارع فصدمته سيارة ما وسببت له بكسر، أو بخدوش ما. ولذلك علينا أن لا نتحسس بشكل مبالغ به من كلمة (مرض).  

إختزال المرض باضطراب ناقل عصبي

إن أول من وصف هذا المرض هو لويس ألزهايمر، في بداية القرن العشرين، من خلال دراسته لخمسة حالات فقط. لكن الحال تطور فصرنا في السبعينات من القرن العشرين نتكلم عن وباء، وتم استحداث طب كبار السن أو الكهولة، وما أن اكتشف ان داء الباركنسون سببه قلة في الناقل العصبي الدوبامين، حتى صار ينظر للخرف، على النظير للباركنسون، على أنه مجرد قلة في الناقل العصبي الاستايل كولين، فقدّم بذلك دواء التاكرين الذي يرفع من تراكيز الاستايل كولين في الدماغ. وفي نهاية التسعينات خرجت الكثير من الأدوية لعلاج الخرف رخص منها أربعة فقط، ثلاثة منها ترفع تراكيز الاستايل كولين في الدماغ، والرابع يغلق مستقبل الناقل العصبي الغلوتامايت، فقد أشارت بعض البحوث أن ذلك قد يكون مفيداً في علاج الخرف. وهذه هي الأدوية الأربعة نفسها التي تحدثنا أعلاه عليها، عن عدم فائدتها، وعن وصفها بأنها خديعة.

معركة الأميلويد والتاو والدراسة الرهبانية

كانت الحالات الأولى التي وصفت لخرف الألزهايمر في بداية القرن العشرين هي لأشخاص في منتصف العمر، أي ليسوا كهولاً، وكان يعتبر هذا المرض نادراً، إلا أن التغييرات التي شوهدت في أدمغة المرضى هي نفس التغيرات التي تحصل مع التقدم بالعمر، أي أننا اليوم نستطيع القول بأن تلك الحالات الأولى التي وصفت في بداية القرن العشرين، هي حالات لأشخاص من منتصف العمر، عانوا من تغيرات الكهولة في أدمغتهم بشكل مبكر. إن هذه التغيرات هي عبارة عن ترسب لمادة الأميلويد (Amyloid) خارج الخلايا العصبية، ولبروتين التاو (Tau) داخلها.

وقد جرى التأكد من الأمر في دراسة استمرت سبعة عشر عاماً، من ١٩٩٤ إلى ٢٠١١، شملت أكثر من ألف شخص سوي، (١١٦٨ تحديداً)، والطريف في الأمر أن كل هؤلاء هم إما قساوسة أو راهبات، وسميت الدراسة بالدراسة الرهبانية (The Religious Orders Study)، حيث توبع هؤلاء حتى وفاتهم ليجري تشريح أدمغتهم التي وهبوها لبنك الأدمغة الأمريكي، وجرى مقارنة أدمغة من أصيب منهم بالخرف في كبره بأدمغة من لم يصب، وكذلك جرت مقارنة طرق حياتهم، وعاداتهم، وسطرت الدراسة العديد من العناصر التي يمكن أن تزيد من نسبة إحتمال الإصابة بالزهايمر (٨).

والمثير في الأمر أن هذه هي ليست الدراسة الوحيدة من نوعها، فهناك دراسة أخرى نشرت عام ١٩٩٧ تطوعت فيها (٦٧٨)  راهبة كن جميعهن بعمر يفوق الـ٧٥، وأغلبهن غير مصابات بالخرف في وقت بدء الدراسة، حيث قبلن بأن تتم متابعتهن طبياً ومراقبة الفروقات بين من ستصاب منهن بالزهايمر ومن ستبقى سليمة الذاكرة في كبرها، وتبرعن بوهب أدمغتهن بعد الموت للتشريح النسيجي (٩).

إن هاتين الدراستين المتميزتين، وغيرهما الكثير، قد أشارت الدراستين إلى بعض العوامل التي قد تؤدي للإصابة بالزهايمر، وأكدتا أن ما يحصل في الدماغ هو ترسب كبير للأميلويد وللتاو. وبأن هناك فرق بسيط بين أدمغة المصابين بالزهايمر من كبار السن الأصحاء، وهو أن تراكيز الأميلويد والتاو في الزهايمر تكون أكثر أنتشاراً في كل أنحاء الدماغ، بينما في كبار السن الأصحاء تتواجد هاتين المادتين في الفص الصدغي خصوصاً.

ولكي ننهي الرد بشكل كاف على كتاب الخديعة هنا، نقول بأننا اليوم نعرف أن هناك نسبة، ولو نادرة، من مرض الزهايمر تنتقل بشكل وراثي، وقد تصيب من هم دون سن الـ ٦٥، وفي تلك الحالات لن يصح وصف الزهايمر بأنه شيخوخة عادية.

الأبحاث الأمريكية المكلفة

لنتكلم الآن عما وجده أحد العلماء الذين تصدوا لدراسة أدمغة المصابين بالزهايمر في أمريكا، هذا البلد الذي يخصص الكثير من الأموال للأبحاث العلمية كما سوف نرى في هذه الفقرات التالية، والعالم هو روبرت دي. موار (Robert D. Moir)، أستاذ مساعد في طب الجملة العصبية (Neurology)، تناولت معظم أبحاثه، كما نقرأ في سيرته الذاتية، موت الخلايا العصبية في مرض الزهايمر وفي الشيخوخة العادية (١٠).

فقد أكتشف (موار) أن الأميلويد موجود لدى كل الفقريات، بل كذلك لدى الضفادع والزواحف والأفاعي. فصار يفكر أن هذا الأميلويد موجود في الطبيعة منذ ٤٠٠ مليون سنة سابقة، ويبدو أن له دور ما في الطبيعة. وعن طريق الصدفة وجد بحثاً يتكلم عن أحد الببتيدات المضادة للمكروبات، وصادف أن حجمه الجزيئي مقارب للحجم الجزيئي للأميلويد. فتطور الأمر إلى أنه حين أخبر زميله (رودولف إيميل تانزي Rudolph Emile Tanzi)، والمتخصص في جينات مرض الزهايمر، وجد (تانزي) بعد مراجعته للأمر أن أغلب الجينات التي تزيد من احتمالية الإصابة بالزهايمر مسؤولة في الوقت نفسه عن (المناعة الداخلية innate immunity)، فقدموا نظرية مفادها أن الـ(أميلويد Amyloid) المترسب في أدمغة المصابين بمرض الزهايمر هو عبارة عن بقايا الاستجابة المناعية للخلايا الدماغية ضد مكروبات ما. أي، باختصار، إن سبب الزهايمر هو الإصابة بمكروب ما.

وتمكن العالمان بعد أن نشروا نظريتهم تلك عام ٢٠١٠، من إقناع المعاهد الوطنية للصحة (National Institutes of Health) – ويترجم إسم هذه المعاهد إلى (معاهد الصحة الأمريكية) أيضاً حسب بعض المصادر- بأن يهبوهما ٤٠٠ ألف دولاراً سنوياً لمدة خمس سنين لكي يثبتوها، وفعلاً بدأوا بشراء فئراناً معدلة جينياً لكي تنتج أدمغتها الأميلويد بشكل خاص، لكن بحثهم لم ينشر حتى ٢٠١٦، وهي السنة التي اعتبر فيها بحثهم من ضمن أفضل خمسة اكتشافات لسنة ٢٠١٦ في مجال طب الجملة العصبية (١١).

إلا أن سنتين قبل نشر ذلك البحث، أي سنة ٢٠١٤، نشر البحث، الذي كانت تعلق عليه شركة إيلي ليلي (Eli Lily) الكثير من الآمال، وهو البحث الذي بين أن دواءها الموعود سولانزيماب (Solanezumab)، الذي يقوم بتقليل الأميلويد، فشل في تحسين القدرات المعرفية والوظيفية للمرضى (١٢).

لكن لا شيء يوقف شركات الأدوية، ولا البحوث عنها، فقد قامت شركة دوائية أخرى باستحداث دواءاً آخر وهو الأدوكانوماب (Aducanumab)، الذي نشر بحث عنه عام ٢٠١٦، يقول بأنه نجح في التقليل من الأميلويد في مرض الألزهايمر، وصرح البحث بأنه يجب الاستمرار في البحث لكي نرى إن كان سيفيد المرضى من الناحية العملية. ونرى أنهم اليوم يتكلمون عن حقيقة أن مرض الزهايمر يبدأ صامتاً بلا أعراض لمدة عشرة أو عشرين سنة، وخلال تلك الفترة يترسب الأميلويد ببطئ، وأن هذه الدراسات عن الأدوية التي تزيح الأميلويد أجريت على مرضى متقدمين في مرحلة المرض، ويجب أن تعاد على مرضى شباب بشكل مبكر، أول ما أن يبدأ الأميلويد بالترسب في أدمغتهم (١٣).

ثم هناك الرأي القائل أن بروتين التاو، الذي يترسب داخل الخلايا، له علاقة بقوة بالمرض وبنوع العرض، وعلينا استهدافه هو، بدل استهداف الأميلويد. وهكذا يبقى الأمر غير محسوم وننتظر نتائج ما سوف يحصل من بحوث.

عن الثقافة والمرض

دعونا من عناد العلماء في مختبراتهم الباردة المضيئة بقوة، المسكونة دوماً بروائح المعقمات، ولندير وجوهنا قليلاً إلى شيء من الثقافة. يكتب الطاهر بن جلون في كتابه (حين تترنح ذاكرة أمي)، الذي صدر بالفرنسية عام ٢٠٠٨، قبل أن يترجم للعربية عن والدته المصابة بالخرف والتي تطلب منه حين يزورها أن يقوم بإصلاحات في البيت، فيصبغ حيطان بيتها ويشتري ملاعق وسكاكين جديدة، والدجاج، لأنها تريد ان تكون الدار نظيفة يوم جنازتها، وتضيف بضرورة شراء أغطية شتوية للضيوف لو حصل ذلك في الشتاء، وتقول (لا تخجلوني وأنا في قبري من الضيوف ص٧٦). ويصفها بانها مصابة بوسواس بيتها، لأنها خائفة ان تفقد عز دارها، فتتقاذفها بيوت أبنائها وبناتها وتصير عالة عليهم. ثم يقارن أمه بأم صديقه رولان، التي تسكن في دار عجزة في سويسرا، والتي احتفلت بعيد ميلادها التسعين بالقيام بجولة حول العالم، وهي تلعب يوميا البريدج، وتقرأ الكتب وتذهب للسينما. إلا أن أم الكاتب العربي ترفض رفضاً قاطعاً فكرة دار العجزة. وكثيراً ما تغرق الأم العربية تلك في هذياناتها، فتطلب المال من إبنها الكاتب لتدسه في جيبها المليء في الخرق، ثم تعود بعد قليل لتطلب المال ناسية أنها طلبته للتو، ثم تعلق بأنها سوف تتزوج غداً وبأن أمها ستصطحبها للذهاب للخياط المطرز الذي سوف يجهزها بشيء تلبسه في العرس، ثم ترجع لإنها وتسأله: (من أنت؟ ص٢٧) (١٤).

ونبقى في شمال أفريقيا، فهناك التصادم والتلاقح الفكري مع الغرب يبلغ أشده، ونقرأ ما كتبه أحد رواد الطب النفسي الجزائري، الدكتور بلقاسم بنسماعيل (١٩٣١-٢٠٠٢)، الذي نشر في إحدى دراساته (دراسة خرف الكهولة في الجزائر) بعض الفروق الثقافية في التعامل مع مرضى الخرف بين الجزائر وبين أوربا، ويحكي عن ذلك الكهل الذي يملك محل للبيع، فيحس أبناه بمرضه وبضرورة البقاء بجانبه من غير أن يجعلوه يحس بأنهم يراقبون عملية البيع والشراء، ويقومون بتصحيح الأرقام من غير أن يعلم، حتى أن المشترين صاروا يعرفون ويتواطأون مع الإبنين، فحين يخطأ الأب في قول سعر الشيء، أو في إرجاع المبلغ المفروض إرجاعه للمشتري، يقوم المشتري من عنده بتصحيح الأمر بلا أن يثير إنتباه الشيخ. وعن ذلك المريض الآخر الذي حين أصيب بالخرف إجتمعت العائلة وقررت، على فقرها، أن تجمع النقود ليقوم بفريضة الحج. وعن تلك المعارضة الدائمة لقبول إدخال مريض الخرف للمستشفى رغم إصرار الأطباء، فيعتبر ادخال المريض الكهل للمستشفى بسبب سوء ذاكرته وتغير تصرفاته نتيجة للكبر، تخلياً عنه، وأمراً جالباً للعار على العائلة. ويكمل الطبيب الجزائري قائلاً بأنه حتى حين يقول الكهل المصاب بالخرف كلاماً مخرفاً غير ذي معنى، فإن الأحفاد والأبناء لا يميلون إلى أعتبار كلامه بلا معنى، بل يحاولون إما إيجاد تفسير له، أو القول بأنه يقول حكمة ما عجزت عقولهم هم، الأصغر سناً والأقل خبرة، عن فهم مقصوده (١٥).

وربما نستطيع هنا إعادة الإشارة للدراسة الرهبانية، وموقف رجال الدين في الغرب من العلم، ومن التشريح بعد الموت، ومقارنة ذلك بالأمر عندنا. يبدو أن الفرد الغربي، حتى لو كان غير عالماً، يعايش التطور في العلم بشكل حثيث فهو من يومياته ومن حاضره، ولذلك نرى مثلاً أن الصحافة الموجهة للعامة تنشر ملخصات بحوث دقيقة، وأن رجال الدين يقفون مواقف إيجابية من العلم.

وعودة لكتاب (الخديعة) المذكور أعلاه، نقول أنه لو كانت فرضيته صحيحة، فنحن الشرقيون الأقرب للأخذ به، من كون أن مريض الخرف بشكل عام، أو الزهايمر بشكل خاص، يظل يمارس دوره الإجتماعي بوسط يحتضنه ويسنده، ويشعر بقيمته، وبذلك هو ربما ليس بمرض، وإنما محض شيخوخة. بينما يكون الفرد في الغرب مستقلاً أكثر بفردانيته، يريد أن يعتمد على نفسه في القيام بالسفر، والشراء، وغيرها من دون مساعدة، لذلك نجده أقرب للتأثر بتعثرات الذاكرة وهفواتها، لذلك هو أقرب للتسليم من أن تلك الإضطرابات تشكل مرضاً ما.

دمى التعاطف والخداع مرة أخرى

بتوافر الأدلة على قلة فعالية، بل الضرر الذي تسببه، الأدوية المستخدمة، تجدد البحث عن وسائل أخرى تساعد في العناية بالمرضى، وربما أن أحد أكثر هذه الطرق إثارة للجدل هي إستخدام ما يسمى بـ(العلاج بالدمى Doll Therapy)، الذي يتمثل بإعطاء دمى لمرضى الخرف المتقدمين، النساء خصوصاً، فقد وجدت العديد من الدراسات أن لذلك فوائد، فهذا العلاج يقلل الشعور بالإحباط والتهيج، ويقلل سلوكات العناد، ويزيد من الإبتسام والتواصل، وكذلك من النشاط المعرفي (١٦، ١٧، ١٨). وتجدر الإشارة أن أغلب هذه الدراسات التي تحلل فوائد هذا العلاج هي دراسات نشرت في مجلات متخصصة في التمريض، فيبدو أن الحل يأتي من الممرضين الذين يتمتعون بخصلتين تجعلهما ربما الأقرب لتزويدنا بالحلول العملية، فهم أولاً مجبرين على أن لا يوصفوا الدواء بأنفسهم، وتلك خصلة حميدة أمام هذا المرض كما رأينا، وثانياً أنهم يصاحبون المريض أكثر من الأطباء، فتصير علاقتهم بالمريض أعمق وأكثر إنسانية.

نرجع لإحدى الجرائد الفرنسية العامة، فمن فرنسا تحديداً أثيرت أقوى ضجة حول عدم فائدة الأدوية، لذلك نجدهم يتكلمون في وسائل إعلامهم عن الحلول البديلة، وهذه جريدة الليبيراسيون في شباط الماضي تنشر تقريراً عن إستخدام الدمى في إحدى دور العجزة. تبدأ المقالة بالفقرة التالية: « لم تعد (لويز مارتينيت) تتكلم، وبرغم ذلك فإن هذه السيدة ذات ال٨٨ سنة المصابة بالحبسة، نتيجة لمرض الزهايمر، أطلقت صباح أحد الأيام جملة، لم يكن أحد ينتظرها (يا حبّوبتي العنونية) – العنونية أو يمكن ربما ترجمتها إلى (الزغنطوطا)، وهي اللقب الذي يطلقه الصغار على الأشياء الصغيرة – في الممرات النائمة لدار العجزة في كالفادوز. »

وتقول الممرضة « أنها صارت تعتني بالدمية كأنه رضيعها الحقيقي، ولم تكن تتركها أبداً، ومن ذلك الوقت، وبتأثير كأنه سحري، رجعت ملكة التكلم لها شيئاً فشيئاً». ويقطن في دار العجزة ٤٨ عجوز، وقد أهدت شركة مصنعة للدمى ٦ دمى للدار عام ٢٠١٥. وتقول مساعدة التمريض: « حين وصلت جينيڤيڤ الى دار العجزة كانت تحب المساعدة في تصفيف الصحون النظيفة، وبقية الأعمال في المطبخ، ولعب (البيلوت) في ورق اللعب، لكننا اليوم حين نضع أمامها تفاحة وقشّارة، فإنها لا تعرف ماذا تفعل. والأمر سيّان في لعبة الورق وبقية الأشياء. الرضيع هو آخر شيء بقي يجعلها تتفاعل بشكل مناسب». يصدق بعض العجزة ويحاول مثلاً تغذية اللعبة وقد يسخر منه زميله. وقد أبدى بعض أفراد عوائل المرضى الراقدين اعتراضهم على (الخداع) الذي تمثله هذا الطريقة العلاجية (١٩).

بدأنا المقالة من كتاب (الزهايمر، الخديعة الكبرى)، وأنهيناها في تلك الطريقة العلاجية بالدمى التي أعترض عليها البعض بأنها (خداع)، من خديعة العلاج الدوائي، إلى العلاج بالدمى الخادعة.

خلاصة

أخشى أن تكون هذه المقالة مشتتة للقارئ أكثر مما هي مبلورة لاستنتاج واحد وواضح، لكن ما العمل لو أن الأمر بحقيقته مربك ومشتت؟ ما يمكن صياغته كاستنتاج في نهاية الأمر، أو كإستنتاجات، هو القول بأن رغم إصرار شركات الأدوية الحثيث على إيجاد علاج ما، فإننا اليوم لدينا أدلة بأن الأدوية المسماة (المضادة للخرف) لا تعمل بشكل جيد، بل تؤذي أحياناً، وذلك يحدث بعض الإرباك في العناية بالخمسين مليون مريض من الخرف الذين يعيشون اليوم في العالم معنا. وبأن الأمراض، والنفسية تحديداً منها، لا يجب اختزالها إلى قلة في ناقل عصبي، أو ترسب لمادة في الدماغ، فهناك تبعات سلوكية لا مناص من رؤية أثر الثقافة عليها، الشيء الذي يجب أن يدخل في حسباننا عند العلاج. وفي نهاية الأمر، يجب أن نشكك حتى في المسلّمات، وأن نجرئ على طرح أسئلة طفولية، فأنت حين تتقدم في العلم وفي التبحر بتفاصيله ترجع طفلاً لتقول: (لكن، ما هو المقصود بكلمة المرض بعد كل هذا؟)، كأنك كهل أصابه الخرف، وصار يلعب بالدمى.

المصادر:

١. Liberation No. 11606 21 September P.3

٢. Livingston G et al (2017) Dementia prevention, intervention, and care. Vol. 390, issue

10113,P2673-2734, December 16, 2017

٣. Alzheimer’s disease International: The International Federation of Alzheimer’s disease and Related Disorders Societies, Inc (2009) World Alzheimer Report. http://www.alz.co.uk/research/worldreport/

٤. Briks J. S. (2006) Cholinesterase inhibitors for Alzheimer’s disease. Cochrane database of systemic reviews

٥. Gill SS, Anderson GM, Fischer HD et al (2009) Syncope and its consequences in patients with dementia receiving cholinesterase inhibitors: a population-based cohort study. Archives of Internal Medicine 169 (9), 867-873, 2009

٦. Rochon PA, et al. (2018) Initial Cholinesterase Inhibitor Therapy Dose and Serious Events in Older Women and Men. J Am Geriatr Soc Vol 66 (9): 1692-1699

٧. https://www.legifrance.gouv.fr/jo_pdf.do?id=JORFTEXT000036970192

٨. Bennett DA. Et al. Overview and findings from the religious orders study. Current Alzheimer research. 2012 Jul 1; 9(6): 628-645

٩. Snowdon DA. Aging and Alzheimer’s disease: lessons from the Nun Study. Gerontologist. 1997; 37: 150-6

١٠. https://www.massgeneral.org/neurology/researcher_profiles/moir_robert.aspx

١١. https://www.statnews.com/2018/10/29/alzheimers-research-outsider-bucked-prevailing-theory/

١٢. Rachelle S. Doody, et al. Phase 3 Trials of Solanezumab for Mild-to-Moderate Alzheimer’s Disease. N Engl J Med 2014; 370:311-321

١٣. Jeff Sevigny, Ping Chiao, Thierry Bussière & Paul H. Weinreb. The antibody aducanumab reduces Aβ plaques in Alzheimer’s disease. Naturevolume 2016; 537, 50–56

١٤. الطاهر بن جلون (٢٠١١) حين تترنح ذاكرة أمي، ترجمة: رشيد بنحدو. الطبعة الثانية. المركز الثقافي العربي

١٥. بلقاسم بنسماعيل (١٩٣١-٢٠٠٢)، أحد رواد الطب النفسي الجزائري (٢٠٠٧) طبعة الخيام، دار الهدى

١٦. Tamura, T., Nakajima, K., and Nambu, M. (2001). Baby dolls as therapeutic tools for severe dementia patients. Gerontechnology 1, 111–118

١٧. Mackenzie, L., James, I., Morse, R., Mukaetova-Ladinska, E., and Reichelt, F. K. (2006). A pilot study on the use of dolls for people with dementia. Age Ageing 35, 441–444

١٨. Ellingford, L., Mackenzie, L., and Marsland, L. (2007). Using dolls to alter behavior in people with dementia. Nurs. Times 103, 36–37.

١٩. Liberation Vol. 11431 26 Fev 2018

عدد القراءات (691)

التعليقات

التعليقات

About سامي عادل البدري 2 Articles
طبيب نفسي عامل في مستشفى بلعمري محمود للأمراض العقلية في جبل الوحش/ قسنطينة/ الجزائر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.