هل الأديان والقوانين هي الرادع لامتناع الإنسان عن سفاح المحارم

أخ وأخت

تجنب سفاح المحارم ما هو إلا نمط سلوكي تطوري له أساسه الجيني: الأطفال يتجنبون هؤلاء الذين نشأوا قريباً جداً منهم، وأن الأعراف الثقافية بعيدة كل البعد عن كونها القوة التي تقمعه.“

Arthur P. Wolf – أرثر وولف

سفاح المحارم

يُعني بسفاح المحارم، العلاقات الجنسية بين الأشخاص التي تجمعهم القرابة. وتختلف المجتمعات في شمولية المصطلح. ولكنها تتجمع في صرامة تنظيمية ضد العلاقات الجنسية بين الأقارب من الدرجة الأولى: الأشقاء،الآباء، والأطفال. أما بالنسبة لأبناء وبنات العم ذوي درجات القرابة المختلفة، فإنه أمر متغير ثقافيا.ً

السلوك التطوري

أوليس السلوك الإنساني الذي نلاحظه ناتج عن التعلم والثقافة وليس عن التطور؟ أوليس السلوك الإنساني هو نتاج التنشئة وليس الطبيعة؟

يزيل إطار علم النفس التطوري حالات الفصل من مثل «الطبيعة في مقابل التنشئة» و«الفطري في مقابل المتعلم» وكذلك «البيولوجي في مقابل الثقافي» حيث أن كل آلية من الآليات النفسية التطورية قد:

1- تشكلت بفعل ضغوطات الانتقاء البيئي المتكرر عبر مدى زمني مديد.

2- أن مدخلات البيئة ضرورية لظهور كل آلية خلال نمو الشخص.

3- وأن مدخلات البيئة ضرورية لتفعيل كل آلية.

وبالتالي فلا معنى للسؤال حول ما إذا كان سلوك الغيرة متطور أو متعلم، حيث أن المتطور ليس نقيض المتعلم. لأن كل السلوكيات تتطلب آليات نفسية متطورة متمازجة مع مدخلات البيئة، في كل مرحلة من مراحل السلسلة السببية.

فما معنى قولنا أن شيئاً ما متعلماً، فالقول «بالتعلم» كتفسير لا يعدو كونه ادعاءاً ضعيفاً بأن شيئاً ما قد تغير في الكائن كنتيجة لمدخلات من البيئة . يتعلم البشر بالطبع، إنهم يتأثرون ببيئاتهم وثقافاتهم. إلا أن التعلم يتطلب بنى في الدماغ – أي آليات نفسية متطورة – تمكنهم من التعلم: «إذ في النهاية فإن ثلاث أونصات من القرنبيط لا تتعلم، بينما ثلاث أونصات من الدماغ تتعلم.» إذ لا يمكن الرد على التحدي التفسيري بإلصاق دمغة التعلم على السلوك.

ولنطبق هذا الكلام على الموضوع الذي في أيدينا، يتطلب حل مشكلة سفاح المحارم التكيفية التعلم المتعلق بفئة من الأشخاص – الأقرباء جينياً – الذين لا يجب أن يقيم معهم المرء علاقة جنسية. كيف يمكن أن يتعلم الناس من هم هؤلاء الأشخاص؟ تشتغل آلية تعلم تجنب سفاح المحارم المتطورة، من خلال وعي الناس بمؤشر موثوق  يدل على من هم الأقرباء الجينيون، أي أولئك الذين ينشأون  معهم. يتنبأ استمرار الإقامة مع أعضاء من الجنس الآخر خلال الطفولة بقوة بنقص الجاذبية الجنسية، وفعلياً بمدى النفور من فكرة إقامة علاقة جنسية معهم.

آليات تجنب سفاح المحارم

يتجنب الإنسان سفاح وزواج المحارم، حيث أنه من المعروف أن التكاثر مع الأقرباء الجينين ينتج «تردياً تناسلياً»، أي ذرية تحمل المزيد من المشكلات الصحية، ودرجات أدنى من الذكاء بفعل تجلي أثر الموروثات الكامنة المؤذي (وهناك قصة لعميد الأدب الأمريكي مارك توين بهذا الصدد، في عام 1878، كان مارك توين مسافراً على باخرة في نهر الراين، عندما اقتربوا من مدينة صغيرة، مقامة فوق تلة عالية تدعى «ديلسبرج» والتي كان عدد سكانها السبعمائة جميعاً، أقارب بالدم لبعضهم البعض، ولقد كانوا ولا يزالون أقارب بالدم لمدة خمسمائة سنة. وبالتالي فقد كانت النتيجة طبقاً لقائد الباخرة: «لعصور، كانت ديلسبرج مصنع مزدهر ودؤوب للحمقى.»).

يتصاعد الدليل على امتلاك البشر لآليات تجنب سفاح المحارم جد قوية، مثل الشعور بالاشمئزاز لمجرد فكرة إقامة علاقة جنسية مع شقيق أو قريب جيني، وأيضاً الرائحة. تكون آليات تجنب سفاح المحارم أقوى عند النساء مما هى عند الرجال، مما يتمشى مع نظرية «الاستثمار الوالدي»، إذ باعتبار أن النساء يقع عليهن عبء استثمار والدي أكبر في الذرية. وبالتالي، فإن الكلفة المترتبة على اتخاذ قرار تزاوج فقير، هى عملياً أعلى بالنسبة للنساء منها بالنسبة للرجال.

فرضية ويسترمارك Westermarck Hypothesis

سميت هذه الفرضية نسبة إلى الباحث البريطاني الفلندي ويسترمارك، والذي طرحها في بدايات القرن العشرين.

لقد تم وضع هذا التفسير التطوري – لظاهرة تجنب سفاح المحارم وكونه من المحظورات – جانباً في بداية الأمر حتى بعث في أواخر القرن العشرين، ليصبح حجر الأساس للفكر التطوري.

تقول الفرضية أن تجنب سفاح المحارم، ما هو إلا ميل تطوري إنساني للشعور بفقدان الاهتمام الجنسي في الأقارب المقربين.

وبينما كان يعتقد حتى أواخر القرن العشرين، أن البشر وحدهم القادرين على الالتزام بتحريم سفاح المحارم، وبالتالي تجنب زواج الأقارب. ولكن من المعروف الآن، أن الحيوانات لديهم طرقهم الخاصة لتجنب التزواج من الدرجة الأولى بدرجة كبيرة. وبالطبع هناك بعض الاستثناءات.

فطبقاً لفرضية ويسترمارك، فإن آلية تجنب سفاح المحارم في الإنسان هى أن: الأشخاص الذين يشاركون طفل البيئة العائلية، خلال الفترة الأولى الحرجة من طفولته، فإنه يصبح لاحقاً غير مبال جنسياً بهم، وفقاً للمبدأ القائل: «الألفة لا تجلب سوى الازدراء» أو المودة الزائدة تجلب الاستخفاف.

ولقد طوى النسيان هذه النظرية، إلا أن استرجعها وسلط عليها الضوء عام 1999 عالم الإنسانيات آرثر وولف، والذي قام بتحليل بيانات واسعة النطاق في تايوان، والتي تظهر أن الزواج المرتب والمنظم، والذي يتضمن إحضار الفتيات إلى منزل عائلة العريس في عمر مبكر جداً، ونشأت هناك. فكان معدل الطلاق، وعدم الإنجاب أعلى، ومؤشرات أخرى عن نقص الانجذاب الجنسي.

دراسة أخرى حول زواج أبناء العم الموازي في لبنان، أظهرت نسب عالية من الطلاق، ومعدلات خصوبة منخفضة.

ولقد برهنت نتائج وولف على الأساس الذي يجزم به الكثير من المفكرين التطوريين أن تجنب سفاح محارم الدرجة الأولى، ينتج من خلال آلية تطورية في مرحلة الارتباط المبكر من نمو الطفل، والتي تجعل الآباء والأشقاء الجينين غير جذابين جنسياً.

الشعور بالاشمئزاز

ولقد أكد ويسترمارك على أنه في غضون الحياة اليومية، فإن الأشخاص غير مباليين جنسياً، بالأفراد الذين نشأوا اجتماعياً معهم، ولكن هذه الامبالاة تتحول إلى نفور وإشمئزاز، عند التفكر في إمكانية الزواج أو الجماع.

تطابقاً مع اقتراح ويسترمارك:

1- فإن هناك أدلة جوهرية على أن الإشمئزاز، يقلل من الإثارة الجنسية.

2- هناك رابط واسع الانتشار يوجد بين الشعور بالإشمئزاز والسلوكيات الجنسية الشاذة، متضمنة سفاح المحارم.

ولقد تحدى سيغموند فرويد، ويستر مارك لتفسير سبب وجود التحريمات والمنع لسلوك لا يوجد أحد محفز لفعله. وقد رد ويسترمارك، أن التحريمات ما هى إلا نتيجة قدرتنا على تجربة أفعال الآخرين، كما لو كانوا أفعالنا (أطلق عليها النفور الوجداني). ولذا فنحن نضع التحريمات لمنع الآخرين من الانخراط والشروع في سلوك، قد نجد فيه نفور وكره، إذا شرعنا فيه بأنفسنا.

وفي استطلاع قام به 186 من طلاب الجامعات بكاليفورنيا، حيث طلب منهم ترتيب 19 فعل من الأعلى إلى الأدنى أخلاقياً، وقد تضمنت القائمة على الجنس بالتراضي بين شقيقين مختلفي الجنس، والزاوج بين شقيقين ذكر وأنثى.

ولقد وُجد أن الخطأ الأخلاقي كان على علاقة طردية بمدة الإقامة المشتركة بين الأشقاء. ويقول ليبرمان، صاحب الدراسة، أن هذه النتائج تشير إلى:

1- امتلاك البشر آلية  للتعرف على الأقارب، والتي تعتمد على القرب أثناء النضوج، كإشارة على القرابة.

2- تتطابق مع نظرية الاسثمار الوالدي.

3- لا تؤثر الثقافة على الموقف تجاه سفاح المحارم، حيث أن تقييمات المشاركين في الاستطلاع بشأن الخطأ الأخلاقي لسفاح المحارم، لا تعتمد على تقييمهم الخاص ولا تقييم آبائهم تجاه السلوكيات الجنسية عموماً.

وأيضاً، قام علماء النفس بجامعة فيرجينيا، بإخبار الطلاب ببعض القصص، وسؤالهم عما إذا كانت الأفعال التي تتضمنها، أخلاقية أم لا، وقد تضمنت هذه القصص قصة لسفاح المحارم:

جولي ومارك، أخ وأخت، مسافران في فرنسا في عطلة الصيف من الكلية. وفي ليلة، حيث يمكثان في كوخ قريب من الشاطئ. قررا أنه من المثير والممتع، أن يحاولا ممارسة الحب. على أقل تقدير، فسوف تكون تجربة جديدة لكليهما. جولي كانت تأخذ بالفعل حبوب منع الحمل، ولكن مارك استخدم واقٍ ذكري أيضاً، فقط ليكون آمناً. ولقد استمتع كليهما بممارسة الحب، ولكنهما قررا عدم ممارسته مرة أخرى. إنهما يحتفظان بهذه الليلة كسر خاص، والذي يجعلهما قريبين أكثر من بعضهما البعض.

ما رأيك في ذلك؟ هل كان صحيحاً، ممارستهما الحب؟

فكان الرد الفوري من معظم الطلاب، أن ما فعله جولي ومارك، كان عديماً للأخلاق، «إنه من الخطأ القيام بذلك» ، «إنه مزعج».

المصدر الحقيقي لرفضهم، هو شعور فوري من النوع الذي رآه دايفيد هيوم، أنه مصدر جميع الأحكام الأخلاقية.

التعرف على القرابة لدى البشر

يعتقد الباحثون أن الترابط المبكر – أي التعرض للأقارب في الطفولة الأولى – هو المفتاح المحوري الذي تلجأ إليه الرئيسيات. في الحقيقية من المعروف أن الترابط بين جمهور السكان خلال الطفولة، يولد نفور جنسي لاحق، مما يقوم بالوظيفة الكيفية المتمثلة بتجنب سفاح المحارم.

إحدى آليات التعرف على الأقارب، والتي تحظى بدعم تجريبي قوي، تعتمد على الرائحة: يمكننا أن نكتشف الأقارب من خلال الشم. يستطيع كل من الأمهات ، والآباء، والأجداد، والعمات، تحديد رائحة قريب ولد حديثاً من خلال شم قميص ارتداه، مع أن النساء أقدر من الرجال في هذا المجال. يفضل المواليد الجدد الذين يرضعون من الثدي رائحة أمهاتهم على رائحة النساء الأخريات، ولكنهم لا يفضلون رائحة آبائهم على رائحة الرجال الآخرين . وأخيراً يستطيع الأطفال قبل سن المراهقة تحديد أشقائهم بدقة من خلال الرائحة، إلا أنهم يفشلون في تحديد أنصاف أشقائهم من خلال الشم بالدقة ذاتها، أو إخوتهم غير الأشقاء.

مصطلحات القرابة، هى طريقة أخرى يستخدمها البشر لتحديد الأقرباء . حيث تمتلك كل الثقافات نظم .تصنيف للقرابة مثل الأم، الأب، الأخت، الأخ، العم، العمة، ابن الأخ، بنت الأخ، والجدة

لذا بحوزة البشر ثلاث طرق على الأقل لتحديد القرابة هم الارتباط، الرائحة، ومن خلال تصنيف القرابة.

ونختتم بهذه المقولة، لأرثر وولف:

«أما حجتي فهى أن الذي يفسرتجنب سفاح المحارم، ليست عواقبه الضارة. ولكنه شيءٌ ما في الطبيعة البشرية والذي يدفع بالإدانة العفوية لسلوك عادة غير مؤذٍ.»

مصطلحات:

-ديلسبرج Dilsberg

– الألفة لا تجلب سوى الازدراء Familiarity breeds contempt

المصادر:

دافيد باس، “علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل”، ترجمة د. مصطفى حجازي، كلمة للنشر

Buss, D. M. (2016). Evolutionary psychology: the new science of the mind. New York, NY: Routledge.

P., Wolf. (2014). Incest Avoidance and the Incest Taboos: Two Aspects of Human Nature. Stanford University Press.

Paul, R. A. (2010). Incest Avoidance: Oedipal and Preoedipal, Natural and Cultural. Journal of the American Psychoanalytic Association,58(6), 1087-1112. doi:10.1177/0003065110395759

Fessler, D. M., & Navarrete, C. (2004). Third-party attitudes toward sibling incest. Evolution and Human Behavior,25(5), 277-294. doi:10.1016/j.evolhumbehav.2004.05.004

عدد القراءات (436)

التعليقات

التعليقات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*