سكوت غافورا (scott Gavura) جاء زبون إلى الصيدلة حيث اعمل واخبرني: “يقول طبيبي أن لدي مقدمات الإصابة بداء السكري. ولكني لا أريد أخذ أي دواء. هل لديك أي شيء طبيعي لانهاء ارتفاع مستوى السكر؟”. عندها نظرت إليه واجبت “سيدي اذا كان لديك قابلية للإصابة بداء السكري، فافضل ما تقوم به لنفسك هو خسارة بعض الوزن”. ابتسم وسألني مرة أخرى “إذن ما هو أفضل مكمل غذائي يمكن أن يفيد حالتي؟”

دائما ما تواجهني هذه السيناريوهات خلال عملي كصيدلي. حيث يتم تقييم حالة المريض من قبل الطبيب ولكن بعض المرضى يريدون التأكد وأخذ رأي آخر من خلال سؤال الصيدلي.  يحب بعض المرضى أن تكون أدويتهم من مصادر “طبيعية”. فكلمة طبيعي تعني في أذهانهم ان هذا الدواء آمن وفعال ولا يحتوي على أعراض جانبية. 

يعتبر الطب البديل حاليا تجارة كبيرة ومربحة، وخصوصا التي تدعي معالجة السكري، وذلك لازدياد أعداد المرضى المصابين به. حيث آزاد عدد المصابين  من 30 مليون في عام 1985 إلى 150 مليون في عام 2000. ومن المتوقع أن يصل إلى 250 مليون بحلول عام 2030. وهنا يُطرح السؤال، لماذا يزداد عدد المصابين بالسكري؟. إن من  أهم الأسباب المؤدية إلى هذا المرض هو السمنة، النظام الغذائي الحالي وكذلك النمو السكاني. وتعريف السكري بشكل مبسط، هو مرض يؤدي إلى ارتفاع مستوى سكر الجلوكوز في الدم، ففي الحالات الطبيعية يقوم البنكرياس بافراز الأنسولين والذي يسمح للخلايا بامتصاص الجلوكوز وبالتالي تنخفض نسبته في الدم. عندما لا يستطيع البنكرياس إنتاج الأنسولين يسمى السكري بالنوع الأول. وهو من أمراض المناعة الذاتية ويصاب به الأشخاص منذ الصغر وكان يؤدي إلى الموت قبل اكتشاف حقن الأنسولين. وعندما يستطيع البنكرياس إنتاج الأنسولين ولكن بكميات قليلة أو يكون هناك خلل في امتصاص الأنسولين من قبل الخلايا فيسمى السكري بالنوع الثاني. 90% من المصابين بالسكري هم من النوع الثاني. ويصاب به الأشخاص الكبار في السن غالباً ويمكن أن يُسطير عليه بدون استخدام أية أدوية أحياناً.

وقد ساهم انتشار داء السكري في زيادة شعبية الطب البديل الذي يدعي علاجه. ولكن من المفارقات الواضحة أن الطب البديل لا يمكنه علاج النوع الأول من داء السكري، حيث تعمل حقن الأنسولين على علاجه وتنظيمه. 

ولكن مرضى النوع الثاني من السكري هم أكثر عرضة للخداع بواسطة دعايات المكملات التي تدعى السيطرة  على المرض. في حين أن أسلوب الحياة ( النظام الغذائي المتزن، الرياضة و وتخفيف الوزن) هي الطريقة المثلى للسيطرة على المرض، مع احتمالية استخدام الأدوية في بعض الأحيان. فهناك بعض العلاجات مثل الميتفورمين و الكاليبرايد لها فعالية تاريخية في  السيطرة على مستوى السكر في الدم. كذلك تعمل هذه العلاجات على التقليل من الأخطار الجانبية للسكري، حيث يعتبر من أهم الأسباب:- للعمى، والفشل الكلوي، وبتر الاطراف. وكذلك يسهم في ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب. وعلى الرغم من فعالية النظام الغذائي وأسلوب الحياة في السيطرة على النوع الثاني من السكري، ولكن يبقى الالتزام بالنظام الغذائي من أهم عوائق السيطرة على المرض.

هناك عدة اختبارات يمكن القيام بها، لمعرفة ما إذا كان الشخص مصاباً بالسكري أو لا. منها اختبار السكر الطبيعي ( FPG). وكذلك اختبار السكر التراكمي (A1C) لمعرفة مستوى ارتباط الجلوكوز بالهيموغلوبين. 

الأدلة على فعالية القرفة

أن التنويه على أهمية التزام المريض بالعلاج الذاتي  للسكري هو شيء أريد تشجيعه وليس العكس. فبدون موافقة المريض الشخصية على اتباع العلاج أو النظام الغذائي، فإن أي خطة علاجية ستفشل بكل تأكيد. هناك العديد من النباتات التي تستخدم في الحالات المرضية مثل عرق السوس والحنظل. ومن هذه النباتات أيضا القرفة. ومثل جميع المصادر التي تنصح باستخدام المستحضرات العشبية فهي تبدأ بكلمة ” يتم استخدامه منذ آلاف السنين”. ولكن كعلاج للسكري، فإني امتلك العديد من الشكوك حول ذلك. بدأ الاهتمام بالقرفة كعلاج عندما أشارت دراسة نشرت في الجمعية الأمريكية لمرض السكري في عام 2003 إلى أن استهلاك بضع غرامات من القرفة يساهم في تقليل مستوى الجلوكوز في الدم. حيث تمت الدراسة باستخدام جرع 1 غرام و 3 غرام و 6 غرام موزعة على ثلاث مجموعات. وأظهرت النتائج انخفاض في مستوى السكر في الدم في تحليل FPG ولكن لم يكن هناك أي تحسن في مستوى  السكر التراكمي A1C. 

ولكن السؤال الذي يُطرح حول هذه الدراسة، هو أي نوع من القرفة تم اختباره؟. فالقرفة التي نجدها في المطبخ قد تكون عبارة عن خليط من الأعشاب وليس القرفة وحدها. وكذلك هناك أكثر من نوع من القرفة، فقرفة فيروم ( cinnamomum verum) موجودة بشكل أساسي في الغرب. بينما التي تم إجراء الدراسة عليها هي القرفة الصينية (cinnamomum aromiticum). وتعتبر المادة الكيميائية هايدروكسيكالكون (hydroxychalcone) المادة الفعالة في القرفة، والتي يُدعى أنها تعالج عدم قدرة الخلايا على امتصاص الأنسولين. إذا كان هذا الكلام صحيحاً، وهذه هي الميكانيكية المتبعة لمساعدة الخلية على امتصاص الأنسولين فهي مشابهة لبقية الأدوية الموجودة في الصيدليات حالياً كالميتفورمين (غلوكوفيج). كذلك هناك مشكلة أخرى وهو أن المادة الفعالة في القرفة غير معزولة بشكل نهائي. مما يضعف الدراسات المتعلقة بالقرفة. 

في الوقت الذي تبدو الدراسة السابقة واعدة بقابلية استخدام القرفة كعلاج، فإن دراسة أخرى نشرت في الجمعية الأمريكية للتغذية فشلت في إثبات فائدة علاجية للقرفة. حيث تم إعطاء 1.5 غرام من القرفة و مادة غير فعالة  ( لاختبار الفرق في النتيجة ) لنساء لمدة 6 أسابيع. وأظهرت النتائج عدم حصول انخفاض في مستوى السكر أو مستوى الدهون في الجسم. وعلى ضوء ذلك تم عام 2008 نشر تحليل لخمس دراسات في تأثير القرفة (تشمل الدراستين السابقتين )  والذي أوضح التالي:- 

“أظهرت نتائج التحليل للتجارب الخمس، أن مرضى النوع الأول أو الثاني من السكري ممن تناولوا القرفة لم يظهر لديهم تغير إحصائي أو مختبري في مستوى السكر الاعتيادي أو مستوى السكر التراكمي، بالمقارنة مع الأشخاص الذين تلقوا المادة الغير فعالة”

تلى ذلك عدة دراسات، مختلفة النتائج. حيث أظهرت دراسة كراوفورد أن تناول 1 غرام من القرفة يعمل على خفض مستوى السكر التراكمي. بينما أظهرت دراسة سبابيتيبورن  عدم ظهور أي فائدة علاجية عند تناول 1.5 غرام من القرفة. كذلك تبعتها دراسة أخرى تبين أيضا عدم الفعالية عند تناول 2 غرام. 

وقد نُشر تحليل للدراسات السابقة عام 2012 أوضح ما يلي:- 

” في الدراسات السابقة، والتي شملت 435 متطوع، أعطيت لهم جرع تتراوح بين 1-6 غرام من القرفة. بينت النتائج انخفاض مستوى السكر التراكمي بمعدل 0.09%. وكذلك انخفاض في مستوى السكر اليومي بمعدل 0.84% )

قد تبدو نتائج التحليل مبشرة ولكن عنده مقارنة فعالية القرفة بالأدوية الحالية فليس هناك مجال للمقارنة. حيث تخفض القرفة مستوى السكر التراكمي بمعدل 0.09% بينما تقوم الأدوية بخفضه بمعدل 1%. وحتى لو أصبحنا متفائلين جدا فإن القرفة تصل في أفضل الحالات لـ 10% من فعالية الأدوية.  

أما آخر الدراسات في عام 2012 والتي شملت 10 عينات عشوائية، أظهرت عدم تحسن مستوى السكر التراكمي في مرضى النوع الأول أو الثاني من السكري. 

نستنتج مما سبق أنه حتى الآن ليس هناك أدلة كافية على فعالية القرفة في علاج السكري. فالادوية الحالية تعمل بصورة كافية على ذلك. وقد يكون سبب اختلاف نتائج الدراسات هو أن المادة الفعالة في القرفة غير متساوية في جميع العينات، وذلك لأنها غير معزولة. ربما عندما يتم عزلها بصورة كاملة قد يتم استخدمها في المستقبل كمكمل غذائي. 

مخاطر القرفة 

تعتبر القرفة آمنة في حال تناولها بكميات قليلة في الطعام (كل ملعقة طعام تحتوي 4.57 غرام من القرفة ). حيث أوضحت الدراسات القليلة المتوفرة، عدم وجود مخاطر عند استخدام القرفة كمشروب أو منكه للطعام. ولكن أشارت بعض الدراسات، لحدوث خلل في الكبد نتيجة لستهلاك الكومارين الموجود في القرفة. ولذلك فإن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الكبد عليهم تجنب القرفة.

القرفة لذيذة، ولكنها ليست علاج 

لم يتم التأكد حتى الآن من فعالية القرفة في علاج داء السكري. بينما الأدوية التي حصلت على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، آمنة وقد تم إثبات فعاليتها خلال تجارب مختلفة. فمقارنةً مع الأدوية لم يتم التأكد حتى الآن من قابلية القرفة على منع الأعراض الجانبية أو خفض الوفيات الناتجة من السكري. عادة ما اقوم بتحذير مرضاي من استهلاك القرفة كبديل عن الأدوية أو النظام الغذائي المتزن.

المصدر:- 

Scott Gavura, “How effectively does cinnamon treat diabetes?“, sciencebasedmedicine.org, June 27, 2019