سلسلة أسلاف الإنسان: النياندرتال (2)

النياندرتال

إذاً ماذا حدث للنياندرتال؟

ثابر النياندرتال للبقاء على قيد الحياة لمئات، بل لعشرات الآلاف من السنين في ظروف مناخية قاسية. ,قد عاصر الإنسان الحديث في أوربا لحوالي 10 آلاف سنة – ولكن في نهاية الأمر انقرض هذا الإنسان، تاركاً وراءه الكثير من النقاشات حول أسباب انقراضه.

لدينا نظريتان لتفسير تلك الأسباب

النظرية الأولى لانقراض النياندرتال

يعتبر مؤيدو هذه النظرية إنسان النياندرتال نويع – سلالة للإنسان الحديث، يطلقون عليه كما أشرنا في الجزء الأول (هومو سابينس نياندرتالنسيس) قام بالتزاوج مع سلالتنا التي أطلقوا عليها الإنسان العاقل العاقل (هومو سابينس سابينس). ويعتقد أتباع هذه النظرية  أنه بالرغم من عدم وجود إنسان النياندرتال الآن، إلا أن جيناته تواجدت في أوائل الإنسان الحديث الأوربي  المُبكر – والتي قد لا تزال موجودة اليوم. وقد خُفف الحمض النووي للنياندرتال بتزاوج الإنسان العاقل العاقل، حيث أنهم كانوا أكثر عدداً من النياندرتال.

ويستدل أنصار النظرية بـ:

  1. يمتلك أفراد الكرومانيون ( من أوائل الإنسان الحديث – يطلق عليه الإنسان الأوربي الحديث الأول – المُبكر) ملامح للنياندرتال. فعلى سبيل المثال، يعتقد مكتشفي هيكل عظمي لطفل – ينتمي للإنسان الحديث، ويعود عمره لـ 24 ألف عام بـ لاجار فيلهو – البرتغال، أن قوة البنية وتناسب الأطراف شبيه أكثر بالنياندرتال، برغم امتلاكه حوض وملامح وجه أكثر شبهاً بالإنسان الحديث. وبما أن عمر هذا الهيكل أحدث من أي هيكل لدينا للنياندرتال، فإن هذه الملامح لابد وأن تمثل تزاوج مهم وانتقال للحمض النووي بين الإنسان الحديث والنياندرتال. بقايا لأفراد الكرومانيون من فوجيلهيرد – بألمانيا، وملاديتش – بجمهورية التشيك  تُظهر ذلك البروز- الانتفاخ المميز بمؤخرة الجمجمة للنياندرتال (نتوء العظم القذالي)، أكثر من الإنسان الحديث المتأخر – اللاحق.
  2. يمتلك أفراد النياندرتال المُتأخرة ملامح للإنسان للحديث، وخاصة هياكل النياندرتال المُكتشفة بكراوتيا، والذي قد يُشير إلى حدوث تزاوج بين النياندرتال مع الإنسان الحديث.
  3. يُظهر الإنسان الأوربي الحديث ملامحاً للنياندرتال، فيمتلك البعض قناة عصبية بالفك السفلي مشابهة لنظيرتها في النياندرتال، بل وفراغ – فجوة خلف الضرس الثالث من كلا الفكين.

لانقراض النياندرتال

تقول هذه النظرية أن الإنسان العاقل – الحديث قد حل محل النياندرتال، وفي هذه الحالة فإن النياندرتال يُعتبر نوعاً منفصلاً عن نوعنا. هذا النموذج يسمح بحدوث تزاوج جانبي بين نوعنا والنياندرتال ولكنه غير مؤثر، أي أنه لم يؤدِ إلى إدخال قدر كبير من الجينات إلى الإنسان الأوربي.

ويستدل أنصار النظرية بـ:

  1. كشفت الدراسات التي تم إجراؤها على الحمض النووي لميتوكوندريا النياندرتال، أنه يقع خارج نطاق نظيره في الإنسان الحديث. بل وعلاة على ذلك، فإن الحمض النووي لميتوكوندريا النياندرتال أقدم بـ 4 مرات من نظيره الموجود لدينا، مما أدى إلى اقتراح أن النياندرتال قد انفصلوا عن خط يؤدي إلى الإنسان الحديث، وذلك منذ 500 – 600 ألف سنة مضت. وإضافة إلى ذلك، تكشف الدراسات أن الحمض النووي لميتوكوندريا النياندرتال ليس بينه وبين الحمض النووي لميتوكوندريا الإنسان الأوربي الحديث صلة قريبة.
  2. أظهر تحليل جينوم النياندرتال (الحمض النووي – والجينات) والذي تم نشره في عام 2010، بأن الإنسان الحديث والنياندرتال قد بدآ في التشعب والانفصال منذ حوالي 600 ألف عام. كما تشير أيضاً إلى حدوت تزاوج على نطاق منخفض بين النوعين، حيث يستمد الأفراد غير الأفارقة 1 – 4 % من الحمض النووي من النياندرتال. تتحدى هذه النتائج جزء من فرضية – خارج أفريقيا – والتي تقول بعدم حدوث تزاوج بين الإنسان الحديث والنياندرتال، ولكنها تدعم بالفعل بأن الإنسان الحديث قد تطور بأفريقيا.
  3. أظهرت دراسة أنماط نمو الوجه لأفراد نياندرتال صغيرة بالسن، أنها تطورت بطرق مختلفة عن الإنسان الحديث. وأن هذه الاختلافات جينية، معارضة الدليل للطفل المكتشف بـ لاجار فيلهو.

لماذا انقرض النياندرتال؟

لقد تم اقتراح العديد من الأسباب لإحلال الإنسان الحديث محل إنسان النياندرتال – مما ترتب عليه انقراض الأخير. تقبل – اليوم – معظم النظريات المقترحة تقول بأن النياندرتال أظهروا سلوكيات متقدمة، بالإضافة إلى استراتيجيات تكيفية، حيث لا يصح أن يُنظر إليهم نظرة الإنسان الواهن، الكسول، والبليد والذي لم يكن لديه أي فرصة أمام الإنسان الحديث المتفوق عليه. ومع ذلك، فإن الإنسان الحديث الوافد إلى أوروبا – كان يقوم بشيء ما مُختلف كفاية، والذي أعطى له التميز في ظل تلك الظروف. لا يزال هذا الشيء المُختلف موضع نقاش. ربما يُمكننا أن نعزوا انقراضهم إلى اثنين أو أكثر من العوامل التالية:

أولاً: عوامل بيولوجية

  • تظهر معدلات البقاء على قيد الحياة، بالإضافة إلى نجاح الإنجاب – ضئيلة مقارنة بالإنسان الحديث. حيث أن معظم بقايا النياندرتال والتي تم إيجادها تعود لأطفال، ونادراً ما يزيد العمر عن 30 عاماً. فمعدلات الإنجاب أفضل قليلاً، كما أن زيادة معدلات البقاء على قيد الحياة في فترة الطفولة – يُمكنها أن تجعل الإنسان العاقل يحل محل النياندرتال.
  • امتلك النياندرتال معدلات أيض أعلى من الإنسان الحديث، لذا فقد احتاج إلى طعام أكثر للتمكن من البقاء على قيد الحياة. في المناخ المستقر والأحوال العادية الوافرة بالطعام، فإننا لن نتمكن من ملاحظة الاختلاف، ولكن الشتاءات القاسية، والمناخات الغير مستقرة – فإن تناقص الموارد ربما يضع ضغطاً على الأفراد المحتاجين لكميات كبيرة من الطاقة والتي يُمكن استخلاصها من الطعام.
  • هناك ادعاءات تشير إلى عدم قدرة النياندرتال على الجري مثل الإنسان الحديث لمسافات طويلة. تُدعم تلك الادعاءات بأدلة من كاحل (رسغ القدم) للنياندرتال. حيث امتلكوا كعوباً أطول من نوعنا، وبالتالي فقد امتلكوا وتر عرقوب ( وتر أخيل) أطول. كلما زاد طول وتر العرقوب كلما قلت كفاءته على تخزين الطاقة – وبالتالي يصبح أقل كفاءة للجري.

ثانياً: عوامل سلوكية واجتماعية

  • افتقرت ثقافة النياندرتال إلى عمق الأفكار الرمزية والتقدمية، والتي امتلكها الإنسان الحديث وربما زاد هذا العامل من صعوبة المنافسة. حيث ظلت ثقافة النياندرتال جامدة نسبياً، مقارنة بالإنسان الحديث المعاصر والذي كان يطور باستمرار ثقافة معقدة. فعند وصول الإنسان الحديث إلى أوروبا منذ حوالي 40 ألف سنة، امتلكوا حينها نظام ثقافي عالي التطور، برغم أنه منذ حوالي 100 ألف سنة لم يكن هناك أي اختلافات ثقافية بين النوعين.
  • ربما افتقر النياندرتال إلى الطبيعة التكيفية التي امتلكها الإنسان الحديث المُعاصر – والذي امتلك شبكات اجتماعية معقدة عبر مساحات واسعة. بينما مال عدد صغير من النياندرتال إلى البقاء في مناطق محدودة، والذي لربما جعلهم أكثر عرضة للانقراض المحلي – موضعي.
  • لم تكن تقنيات البقاء على قيد الحياة، والتي استخدمها النياندرتال متطورة مثل الإنسان الحديث. فمثلاً، أشارت دراسات أجريت على تراكم أنسجة عظام النياندرتال أنهم لربما افتقروا إلى التخطيط النظامي والمُوجَه لتحصيل الطعام. لذا فإن نزعة إنسان النياندرتال إلى قوة العضلات عِوضاً عن العقل ربما تكون صحيحة، حيث هناك الكثير من الإصابات الهيكلية والتي نراها في الجنسين بسبب الصيد قريب المدى. وكما ذكرنا سابقاً، فقد أظهرت الدراسات أن معظم عظام النياندرتال تُظهر نقص في المغذيات، وخاصة في مرحلة الطفولة – والدليل على ذلك تُبينه دراسات تم إجراؤها على كولاجين عظام النياندرتال (الكولاجين – بروتين ليفي لا يذوب، المكون الرئيسي للأنسجة الضامة.) أظهرت أن اللحوم كانت شائعة للغاية في النظام الغذائي للنياندرتال، مما أدى إلى افتقارهم إلى المغذيات من العناصر الأخرى، والتي استخدمها الإنسان الحديث خاصة النباتات، ومنتجات المياه العذبة (مثل الأسماك).
  • ربما لم يستخدم إنسان النياندرتال مخـه بالطريقة التي استخدمها به الإنسان الحديث – ويرجع ذلك لتشكل أدمغتهم بشكل مُختلِف، فقد تمددت – زادت المنطقتين الجدارية والمخيخية بالدماغ. تتطور هاتان المنطقتان في السنة الأولى للحياة – ويظهر أن أطفال النياندرتال افتقدوا لهذه المرحلة، وترتبط وظيفتي المنطقتين بالقدرة على دمج المعلومات الحسية، وتشكيل تمثيل تلخيصي – مجرد للوسط المحيط.
  • تفاعل عنيف محتمل مع الإنسان الحديث.

ثالثاً: البيئة أو المناخ

  • تُظهر بيانات حديثة عن الفترة الجليدية والتي حدثت منذ 65 – 25 ألف سنة مضت،تغيرات مناخية سريعة، شديدة، بل ومفاجئة مع تأثيرات بيئية عميقة. بالرغم من كون النياندرتال مُتكيف بدنياً مع البرد، ولكن التغيرات الشديدة في المناخ لم يُتحْ الوقت للأفراد للتعافي. كما يُظهر السجل الأثري أن الإنسان الحديث امتلك نطاق واسع من التكيفات – والتي ساعدته على البقاء على قيد الحياة.
  • زاوية أخرى للنظر إلى التغير المناخي، يُقترح بأن انقراض النياندرتال لم يكن نتيجة منافسة مع الإنسان الحديث، ولكن التغيرات المناخية الشديدة، جعلت من أوربا مكان غير مضياف – وحشي للحياة البشرية، وكنتيجة فقد مات جميع ساكنيها من النياندرتال والإنسان الحديث منذ 25 – 30 ألف سنة مضت. وبما أنه لم يكن هناك أفراد من النياندرتال في مكان آخر بالعالم – فقد انتهى الأمر بانقراضهم. بينما كان هناك أفراد من الإنسان الحديث بأفريقيا – والذين أعادوا استعمار القارة مرة أخرى.

أهم الحفريات المكتشفة للنياندرتال

  1. نياندرتال 1، أول الحفريات المُكتشفة لهذا النوع، وتُمثل قُلنسوة جمجمة يعود عمرها لـ 45 ألف سنة. تم اكتشاف هذه العينة لأول مرة بقرية نياندر- بألمانيا عام 1856.
  2. لا تشابيل أو سينتس (La Chapelle-aux-Saints)، تم اكتشاف هذه الحفرية عام 1908 بفرنسـا ، مدفونة بالحجر الجيري بكهف صغير قرب المكان المسماة على اسمه، والذي يعني حرفياً معبد – كنيسة القديسيـن، ويعود عمرها لحوالي 60 ألف سنة مضت. تعتبر هذه الحفرية أول هيكل شبه مكتمل يعثر عليه العلماء للنياندرتال – وتتكون من جمجمة، فك، معظم الفقرات، ضلوع عديدة، عظام الذراع الساق الطويلة، بالإضافة إلى عظام  اليد، والقدم الصغيرة. يعتقد العلماء أن هذا الفرد قد بلغ من العمر عتياً عند موته، حيث قد نما العظم مرة أخرى على طول اللثـة، وذلك نتيجة فقدانه العديد من الأسنان. في الواقع، يعتقد أن هذا الفرد افتقر إلى العديد من الأسنان لدرجة أنه احتاج لطحن طعامه قبل تناوله، فربما ساعده بعض أفراد جماعته في آخر سنين حياته. يُطلق عليه أحيانا رجل الكنيسة العجوز.
    جمجمة للنياندرتال لا شابيل
  3. لا فيراسي 1 (La Ferrassie 1)، تم اكتشاف هذه الحفرية عام 1909 بكهف لا فيراسي – بفرنسا، ويعود عمرها لحوالي 50 – 70 ألف سنة. تُمثل هيكل لا فيراسي ذكر بالغ للنياندرتال، وتعتبر الجمجمة أكبر، وأكثر جماجم النياندرتال اكتمالاً. تحتوى الجمجمة على الكثير من خصائص النياندرتال مثل الجبهة المنخفضة المائلة، وكبر فتحة الأنف. تُظهر القواطع الأمامية لهذه الجمجمة تآكل – واهتراء من كثرة الاستعمال، والذي لا ينتج عادة من المضغ – ولتفسير ذلك، فإننا نعتقد بأنه كان يمسك عادة بشيء ما بين أسنانه الأمامية مثل جلد جيوان، ثم يقوم بكشطه باستخدام أداة. كما ذكرنا سابقاً فإننا نعتقد أن النياندرتال قد استخدموا جلود الحيوانات كـملابس. إن استخدام النياندرتال لأسنانهم كأداة، تُعتبر سلوك تكيفي جدير بالملاحظة. ويجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الحفرية تعتبر مثال للإنسان النياندرتال الكلاسيكي (التقليدي).
    جمجمة للنياندرتال لا فيراسي
    جمجمة للنياندرتال لا فيراسي

  4. شاندر 1 (Shanidar 1)، تم اكتشاف هذه الحفرية عام 1957 بكهف شاندر – بشمال العراق. يرجح انها تعود لحوالي 33 – 45 ألف سنة. بدراسة البقايا الحفرية لهذا الفرد، اكتشف العلماء أنه تعرض في سن مبكرة لضربة ساحقة على الرأس – متلفتـة بذلك العين اليسرى، بل وربما قد أدت إلى إصابته بالعمى. وأتلفت أيضاً منطقة المخ المسئولة عن التحكم بالجزء الأيمن من الجسم، مما أدى إلى شل الذراع الأيمن، وربما الساق اليمنى اليمنى أيضاً. يقدر العلماء عمر هذا الفرد عند وفاته بحوالي 35 – 45 سنة، ربما لم يكن ليتمكن من البقاء على قيد الحياة حتى هذا العمر، لولا رعاية واهتمام جماعتـه.

    جمجمة إنسان شانيدر
    جمجمة إنسان شانيدر

مصدر جميع صور الحفريات

(http://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species/homo-neanderthalensis)

لمراجعة المقال السابق: النياندرتال (1) في سلسلة أسلاف الإنسان

المصادر:

 

Hominidés, “Homo neanderthalensis”

Fran Dorey, “Homo neanderthalensis”, Australian Museum, October 30, 2015

University of Texas Austin, “Homo neanderthalensis “, efossils

MCCARTHY, E. M., “Homo neanderthalensis”, Macroevolution

Archaeologyinfo, “Homo neanderthalensis”

Smithsonian’s National Museum of Natural History, “Homo neanderthalensis”, Human Origins, January 3, 2017

 

مصطلحات

 

إنسان النياندرتال (Homo neanderthalensis)

إنسان النياندرتال المُبكِر (Early Homo neanderthalensis)

إنسان النياندرتال الكلاسيكي    (Classic Homo neanderthalensis)

الإنسان الحديث (Homo sapiens)

هومو سابينس نياندرتالنسيس (Homo sapiens neanderthalensis)

الإنسان العاقل العاقل (Homo sapiens sapiens)

الكرومانيون   (Cro-Magnon)

لاجار فيلهو (Lagar Velho)

فوجيلهيرد (Vogelherd)

ملاديتش (Mladec)

نتوء العظم القذالي (Occipital bun projection)

فجوة خلف الضرس الثالث (Retromolar space)

وتر أخيل  (Achilles tendon)

كولاجين (Collagen)

نسيج ضام (Connective tissue)

المنطقة الجدارية (Parietal region)

المنطقة المخيخية (Cerebellar region)

 

عدد القراءات (990)

التعليقات

التعليقات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*