المنهج العلمي وحدود الواقع والمعرفة

جدار

ان الواقع وبغض النظر عن رؤيتنا له، يصنف بأنه موجود، كما أن اكتشافنا لشيء منه لا يعني بأننا سنتكشفه كله  يوما ما، إذ أن هناك معضلة المراقب الخارجي، فحتى تكشف الواقع تماما يجب ان تكون بحالٍ من الأحوال خارج هذا الحد لتحيط به علماً، فلا يمكن ان نضع تفسيراً لكل الواقع ونحن نعيش داخله، سجناء في قفص الكون المتسارع بشكل أسرع من سرعة الضوء والذي لا يمكننا معرفة اين تقع حدوده او كيف يتوسع بالضبط. هل يتوسع الكون وفق فراغ لا نهائي ام يتوسع مثل البالون ويخلق بتوسعه المجال الذي يتوسع ليبلغه؟ وهل سيصل الى حد ما ام يبقى التوسع لا نهائياً؟ وإلا سنكون مثل سمكة داخل حوض، لا نعرف عن الواقع إلا ما يمليه علينا الحوض فإن كان الحوض دائرياً سنقول أننا في كون دائري وإن كان مربعاً سنقول إنه مربع، لكن في مثالنا فإننا في حوض لانهائي يرى لورانس كراوس  – في كتابه كون من لاشيء – بأنه انبثق من العدم الفيزيائي ورأيه هذا فلسفي أكثر من كونه علمياً للسبب اعلاه، وهذا المثال ذكره ستيفن هوكنج بكتابه الذي لايستحق السمعة التي نالها: “التصميم العظيم”.

ان المنهج العلمي القائم على التجربة سيجعل جزءً من الواقع خارج مدركات وعينا (لأنه ربما هناك حقائق لكن المنهج العلمي لا يدركها لانها اما اصغر من قياساتنا او اكبر بكثير أو أنها خارج الوعي تماما)، وبالمقابل فإن التساهل بالمنهج العلمي سيجعل الخرافات متداخلة ما نكتشفه من واقع فيكون أشبه بالمعرفة الملوثة باللاواقع فتختلط الكيمياء بالخيمياء والفلك بالتنجيم والحابل بالنابل.

ان المنهج العلمي بصرامته الشديدة سيخرج لك الكثير من التفسيرات للواقع واغلبها غير دقيق إلا أنه على الأقل ضمانة رائعة للنقاوة العلمية للقليل الذي نكتشفه. حينما نريد وضع نظريات للأشياء التي تقع خارج وعينا فإننا نستخدم الفلسفة والنماذج الأولية ودراسة آثارها، فلا احد حتى الان قد رأى او شخص الاوتار الفائقة والتي يعتقد بجانب من الراي الفيزيائي بانها اصغر ما في الكون إلا ان المعتقدين فيها يصوغون النظريات لكشف آثارها بطرق كثيرة. وهذا مثال جيد على وجود آراء علمية لنظريات خارج تلسكوباتنا ، نحن طورنا من مقاييسنا بطرق عديدة، فقبل آلاف السنين كانت الحواس هي الطرق الوحيدة الممكنة للمعرفة ثم جاءت التلسكوبات والأشعة والمسرعات الجزيئية وهكذا سنطور مداركنا، لكننا سنبقى داخل سجن إدراكنا ووعينا، وسنبقى داخل هذا الحوض.

وبما أننا داخل قفص فإن بناء نظريات شمولية قد يكون أمراً لا معنى له. إذ يجب ان نبني رؤيتنا للواقع الموجود داخل الحوض فقط فهذا الامر عملي اولا، ولا نملك غيره ثانيا، وهذا ما يسميه ستيفن هوكينج بالواقع المبني على النموذج. هكذا نخدع أنفسنا فقط لأننا لا نعلم. فالجواب على سؤالنا هل هناك حد للمعرفة؟ هو أننا لا نعلم .. فالجواب بنعم او بلا هو معرفة للحد ومن ثم إجابة حول امكانياتنا. الا انني اجادل بأننا لانعرف إمكانياتنا أو ما الذي يمكن كشفه او لا يمكن كشفه فقط. ان منهجنا العلمي يضمن لنا جودة ما نكشفه وليس خرافة كل ما لا يمكن دخوله بهذا المنهج لأن الخارج عن مقاييس المنهج العلمي هو خرافة وامور لا نعلمها. وهذا يا اصدقائي هو اللاأدرية العلمية لكنها فقط لا أدرية بخصوص ما لا يمكن كشفه أما ما اكتشفناه من نظريات وحقائق فهي عقيدتنا العلمية وهي التي تضمن ان لا نخدع انفسنا.

عدد القراءات (181)

التعليقات

التعليقات

About محمد عبدالزهرة 3 Articles
من مؤسسي العلوم الحقيقية، درس القانون واللغة العربية وله اهتمام بالعلوم والمنهج العلمي ومساهم في ترجمة وتنسيق الكثير من الوثائقيات والمقالات.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*