القاتل بجوارك كيف ان عقولنا صممت لتقتل The Murderer Next Door Why the mind is designed to kill

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

القاتل في البيت المجاور: كيف ان عقولنا صممت لتقتل تكملة لعنوان كتاب ثمين من كتب عالم النفس التطوري ديفيد باس. يجدر هنا اعادة التنويه الى ان علم النفس التطوري هو علم حقيقي وليس محض فرع ادبي خالي من المنطق كما يدرس في معظم الدول العربية والذي هو مزيج بين الخرافات والعلوم الزائفة والادبيات والعلوم المندثرة حتى يتصور البعض ان عالم النفس هو كقارئة الفنجان. ما موجود في كتب علم النفس المعروفة في اوربا وامريكا وشرق اسيا لا وجود له لدينا وكذلك ما يدرس في كلياتها وفروع علم النفس كافة.

اما علم النفس التطوري فهو فرع علم النفس الذي يفسر السلوكيات المختلفة لنا على انها تكيفات نشأت فينا عبر المئتي الف عام التي عشناها وكانت عاملا حاسما في تكاثرنا. دوافع الجرائم المختلفة, الحروب, مواضع التركيز على جمال المرأة, ومواضع جذب النساء في الرجال, حب الاطفال, درجات القرابة, تفسير حب الاطفال بدرجات مختلفة من الاقارب, حب الوان معينة, المخاوف واسبابها, حب الاطعمة المختلفة, التوزيع الهورموني اثناء الانفعالات النفسية. جميع ذلك واثره ودوره في عملية التكاثر وارتباطه المباشر بها وكونها عاملا حاسما في نجاح الفرد تكاثريا او فشله. مما يؤدي الى تكثف صفات معينة وغياب اخرى. والادلة الاحصائية والمختبرية والعصبية على ذلك.

هذا الكتاب بخلاف كتاب ديفيد باس الاخر (علم النفس التطوري) يتناول موضوع الجريمة ودوافعها فقط والكتاب منشور في 2005 ويتضمن اشارة لاحدث الابحاث في علم النفس, ويفتتح الكتاب بتقديم يتضمن احصائيات عامة للجرائم وكيف ان الرجال يتصدرونها وكيف ان معظم الجرائم تدور حول عملية التكاثر. الحب, الزواج, الخيانة, المنافسة, والدوافع البعيدة للمنافسة. امور كثيرة تزعجك او تقوم بها وانت لا تشعر انك تقوم بها لجذب الجنس الاخر او لدفع منافس. ما الذي يحسم الدافع الرئيسي لقيامك بتلك الامور؟ انها الادلة الاحصائية التي تقارن قيام الاشخاص بافعال معينة في اوقات معينة دون اخرى وفي ظروف معينة دون اخرى.

الكتاب يستشهد في كل فصل من فصوله والذي يتناول صنفا من الجرائم بعدد كبير من الامثلة وحالات الجرائم السابقة بأرقامها وعناوينها وشروحات كاملة عنها وهذا هو الشيق في الكتاب. حيث يتكلم اشخاص حاولوا ان يقتلوا اخرين. او اشخاص كادوا ان يقتلوا عن تجربتهم ودوافع وسوابق ما حدث. ايضا الكتاب يناقش حالات الخيال الاجرامي بسؤال اشخاص عن من يريدون ان يقتلوه في الوقت الحاضر وهو امر قد يكون مشوقا لو حاولنا التفكير به او سؤال احد حولنا عنه. بمن تفكر ان تقتل؟ لماذا؟ لماذا لا تقوم بقتله؟ ما الذي سيدفعك الى حافة القيام بالفعل؟ هذه هي الاسئلة التي يسألها لاشخاص مختلفين في الولايات المتحدة. ولا يعني شمول الولايات المتحدة واحصائيات جرائمها بالكتاب ان العلم سيشملها فقط اذ يغلب في تجارب القضايا النفسية الفردية الاعتماد على عدد قليل ومحدود من العينات  كما يحدث في البيولوجيا حيث يكفي الاعتماد على عينة واحدة.

يبحث ديفيد في كتابه هذا ايضا سجلات الجرائم في الولايات المتحدة واحصائياتها في ولايات مختلفة. كما يبحث في امور مثل:
ضرب النساء, العنف ضد الاطفال, العنف عموما, الخصومات, قتل الاطفال, حوادث الاغتصاب.

ومن المثير للاهتمام في الفصل الذي يبحث فيه الكاتب موضوع الاغتصاب ان حوادث الاغتصاب يندر فيها ان يقتل الغاصب الفتاة المغتصبة. اذ يفسر علم النفس التطوري عملية الاغتصاب على انها عملية اجبارية لنقل الجينات يهدف فيها المغتصبون الى نشر جيناتهم بطريقة غير الاقتران المقبول. ويرجح علم النفس التطوري بقاء الاغتصاب وجيناته نتيجة نجاح المغتصبين قديما في افعالهم ومجئ ذرية منهم فبالتالي بقيت تلك الصفات المقترنة بصفات عنيفة اخرى وصارت سمة من سمات المجتمعات والوجود البشري حاليا.

اليات ارتكاب الجريمة اليات مغروسة فينا للحفاظ على ذريتنا, للدفاع عن من نحب, للقضاء على المنافسين والانتقام منهم. ان جينات الجرائم وما ترتبط به من اليات نفسية تساعد العقل في حالات معينة على ارتكاب الجرائم هو امر جاء نتيجة مئات الالاف من السنين التي عشنا فيها على الارض دون قانون يحول دون ذلك وما الفترة التي شرعنا فيها قوانين ضد الجرائم سوى فترة يسيرة جدا لا تستطيع ان تمحي ما غرسته مئات الالاف من السنوات التي عاشها الانسان على الارض.

ان تقتل شخصا يعني انه لن يكون موجودا. انه لن يستطيع ان يكون مع زوجته في ذلك اليوم. ولن ينافسك بعد الان. لن يقول شيئا او يفعل شيئا. لن يستطيع ان يدافع عن اطفاله بوجه المعتدين. لن يستطيع ان يحمي زوجته من الاغتصاب والغزو. لن يستطيع ان يفعل لك شيئا بعد الان. عبارات مرة في الكتاب ذكرها ديفيد باس على سبيل بيان منطقية القتل بالنسبة للبشر في القرون الماضية.

انك لن تعرف ان لديك اليات موجودة للقتل طالما ان الظروف لن تصل الى الحد الذي يظهر تلك الاليات. انت لم تتعلم اشياءا كثيرة ولم تكتشفها في نفسك ما لم يحدث الظرف المواتي لها. لم تعرف انك  ستنجو من المرض الفلاني وان لديك مناعة متطورة لولا انك مررت بالمرض. ولم تعرف بقدرتك على العدو سريعا لولا مجئ لحظة في طفولتك شئت فيها ان تعدو سريعا. كذلك القتل, انك لن تعرف ماهية التكيفات النفسية التي تشجعك وتحضك على القتل لو لم تمر بظرف كالخيانة الزوجية او الاعتداء على زوجتك او وجود منافس ينتقص منك امام الجنس الاخر او وجود من يحاول قتلك ويهدد حياتك.

وعندما تمر بتلك الظروف او غيرها ستجد نفسك ترسم طريقة لقتله  غير ان اشياءا معينة ستمنعك. وربما تحدث اشياء معينة تدفعك الى القتل.

ان من لا يقتل زوجته التي تخونه او لا يقتل الشخص الذي خانته معه ويتقبل ذلك  في العصور القديمة سيفشل تكاثريا ولن نرى امثاله في الاجيال القادمة لانه سيربي اولاد غيره ولن ينجح في ايصال جيناته وتمريرها. بل ستمر جينات الشخص الذي خانته زوجته معه. حبكة ذهنية عبقرية يوضح فيها ديفيد باس كيف ان اصنافا معينة من الناس ستختفي ولن نراها ابدا. سترى جينات المغتصبين والمغتصبات وكافة انواع الغزاة والمعتدين غير انك لن ترى جينات شخص لا يمتلك الغيرة الكافية. سينقرض هؤلاء لانهم سيستثمروا في اجيال ليست لهم. سيربون ابناءا لا يعودون لهم وستكون كلفة ذلك هي اعمارهم وسينقرضون. وهذا ما حدث بالفعل. هناك منطق للقتل دائما.

الفصل الاول من الكتاب يعطي مقدمة لامور كثيرة حول الاليات الذهنية المخصصة للقتل في اذهاننا.

اما الفصل الثاني (تطور القتل) وهو يشرح محور الفكرة وكيف اننا نمتلك الات ذهنية للقتل كما نتملك امورا مفيدة وغير مفيدة اخرى في جسدنا. وهو ينحو ذلك المنحى المشوق في الكتاب حيث الاحصائيات الواسعة النطاق عن اصناف واعداد الاعتداءات واعمال العنف المختلفة في الولايات المتحدة وغيرها. ثم يتكلم عن عجز نظريات تفسير العنف عن تفسير الواقع الاجرامي المرير للبشر. ويتكلم الكتاب بعدها عن تقنيات الدفاع في البشر والتي تتضمن القتل ايضا. بعدها يتناول الكتاب عددا من حالات الجرائم.

اللعبة الخطرة للاقتران هو الفصل الثالث في الكتاب ويتناول عن كثب كون العلاقات وما يسبق العلاقات من تنافس ورغبات ومخاوف هي المحور الاساسي للجرائم ثم يعود لحالات جرائم مختلفة وخيالات اجرامية حول الموضوع.

الفصل الرابع عندما يقتل الحب. او كما يقول المثل العربي ومن الحب ما قتل, باختصار يتكلم هذا الفصل عن حالة معينة حيث يقول الرجل للمرأة (إن لم تعيشي معي فلن تعيشي ابدا). اي انه سيقتلها ما لم تعش معه. بعدها سيل من الادلة من الاحصائيات وحالات الجرائم المتعلقة بهذا المحور.

ثم الفصل الخامس المتعقبين الجنسيين وهو حالات تعقب النساء ومطاردتهن وتهديدهن من قبل الرجال ومن اللافت للنظر ما اشار اليه هذا الفصل بنجاح 50% من المتعقبين من الحصول على النساء اللاتي قاموا بتعقبهن. فبعد ان يغلق كافة الطرق بوجه علاقاتها الاخرى وان يقوم بكافة السبل لذلك لا تجد مفرا من الرجوع اليه رغم ان ذلك ليس امرا قطعيا حيث ان بعض النساء تراودهم خيالات اجرامية ورغبات في مقاضاة الزوج السابق او العشيق السابق الذي يتعقبها.

اما الفصل السادس صيادي الشركاء. صيادي الشركاء وليس عبيد الحب عبارة لشكسبير افتتح بها الفصل كعادة ديفيد باس بالافتتاح بشئ مشوق.  هذا الفصل يتكلم عن محاولات البعض في الاستيلاء على شريك شخص اخر وما يدور حول ذلك من جرائم من الشخص الذي يحاول الاستيلاء او الشريك والخيالات الاجرامية حول ذلك ويتضمن الفصل كباقي الفصول الكثير من القصص الواقعية.

الفصل السابع الماء والدم وهو يتكلم عن احد افضع الجوانب في الجرائم البشرية وهو جانب موجود في اشخاص ليسوا بالمجانين. انه قتل الاطفال. اطفال الشخص نفسه وليس اطفال اخرين. ولا تنجح اي طريقة لتفسير الجرائم في وضع تفسير كافي لهذا النوع من الجرائم سوى علم النفس التطوري الذي يقترب من وضع نقاط واضحة لهذا النوع من الجرائم. انه يمتد في الصحراء العربية حيث يقتل الرجال بناتهم لقلة الموارد وعدم نفع الفتاة في حياة الصحراء القاسية. استطاع علم النفس التطوري ان يجد بيانات كثيرة من مختلف الثقافات في افريقيا والصين والبلاد العربية والولايات المتحدة وكندا عن قتل الاطفال. ولوحظ من الاحصائيات ان 62% من الحالات حدثت من النساء لقتل اطفالهن. وهو ينظر للموضوع كتكيف في حالات معينة يمر بها البشر وهم يفعلون ذلك حينما يرون ان الطفل الحالي يقف بوجه النجاح التكاثري له. ليس الامر بهذه البساطة ولكن الفصل يفتتح بخلاف امرأة امريكية سليمة العقل له ثلاثة اطفال اختلفت مع رجل متزوج اقامت علاقة معه حول اطفالها. اذ تركها وعاد لزوجته بسبب اطفالها. فقادت السيارة يوما واخذت اطفالها (8,6,3) سنوات لمنطقة نائية واطلقت النار عليهم ثم اطلقت النار على يدها اليسرى وقادت نحو المستشفى وقالت ان رجلا اطلق النار عليهم. غير ان تحقيق الشرطة فيما بعد كشف ان ما حدث لم يكن سوى عمل ارتكبته هي. عاشت الفتاة ذات السنوات الست وبقي الفتى ذو السنوات الثلاث حيا ولكنه مصاب بالشلل نتيجة الحادث. شهدوا عليها وحكمت بالسجن المؤبد. لم تكن مجنونة. ومن هنا انطلق البحث نحو مناطق واسعة في العالم ليجد علم النفس التطوري ان الحالة موجودة في مختلف الثقافات وتقوم بها النساء غالبا.

النساء اللاتي يقتلن اطفالهن يقتلن الاطفال ذوي التشوهات في الغالب. القبائل الاسترالية لا ترى عيبا في قتل الوليد طالما ان له اخا اكبر منه حيا. الضغط من حيث الموارد كان يدفع ساكني الصحراء العربية الى قتل الاناث من خلال دفنهن احياء. وهو تحدي واجه الاجيال التي انحدرنا منها لمئات الالاف من السنوات.

الفصل الثامن يشرح جانبا مظلما اخر من جوانب الطبيعة البشرية جاءت من انتقاء جرى على اجيالنا السابقة. ان مطامح الانسان في المجد والامن والربح تتحقق كلها في القتل. ولطالما مجدت الشعوب القتلة وجعلت قيمة اجتماعية متميزة للقاتل في الغزوات. الغزاة يسبون النساء وينشرون جيناتهم اكثر واكثر. اختبارات جرت على جينات عدد هائل من البشر فوجدوا ان واحدا من كل بضعة الاف يعود نسبه بشكل او بآخر الى جنكيز خان احد افضع القتلة في التاريخ البشري. للعمليات الانتحارية قيمة اجتماعية لدى شعوب اسلامية كثيرة وما زال الامر مختلف به لدى شعوب كثيرة هل ان من يقوم بها هو شهيد ام لا. انه يطمح للوصول الى النساء واسعات العيون في الجنان والهدف هو النساء ايضا. بعض القبائل يحتفظ  ابطالها بفروات رؤوس المقتولين. والتراث القبلي في العالم بأسره ينحو هذا المنحى. انه تاريخنا وعاداتنا الاجتماعية وتكيفاتنا النفسية.

القتلة بيننا هو الفصل التاسع يتناول هذا الفصل امورا عديدة جذبني منها ذكر سلسلة من القتلة المعروفين ومنهم صدام حسين حاكم العراق السابق الذي بدء مسيرة القتل بقتل قيادي شيوعي في تكريت وسجن لاشهر ثم خرج وبعدها شارك في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم ثم هرب ثم عاد ليكون قاتلا مختصا بتصفية اعداء البعث ثم ليصفي الحزب ذاته. يتناول الكتاب ايضا عدي صدام حسين وتهديده لعارضة ازياء روسية شهيرة وبلوغ مناله من تهديدها واقامة الجنس معها بالاجبار. ومقابلة مع سكرتير شخصي له يقول فيها ان عدي كان يمارس الاغتصاب كهواية.

انوه اخیرا لاهمیة كل كلمة في الكتاب وان الكتاب ملئ بالحقائق والاحصائيات والادلة العلمية المعتمدة.

ديفيد باس David buss
ديفيد باس David buss

رابط الكتاب من امزون:

http://www.amazon.com/The-Murderer-Next-Door-Designed-ebook/dp/B002IEUVBY

وقد استمعت للكتاب بصيغة كتاب صوتي من Audiable

شرعنا في موقع العلوم الحقيقية بترجمة الكتاب ضمن مجلة العلوم الحقيقية – العدد الرابع وما يليه من اعداد.

عدد القراءات (291)

التعليقات

التعليقات

About Omar 153 Articles
مهتم بعلم النفس والعلوم الاجتماعية والتقنيات واللغويات يمكن التواصل معي عبر البريد الالكتروني: omar [at] real-sciences.com

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*