ميكانيكا الكم في حياتنا اليومية هل هناك شيء اكثر غرابة من ميكانيكا ألكم ؟ هذا المفهوم الفيزيائي المسؤول عن عدد من الظواهر النظرية – قطط ميتة وحية في نفس الوقت، جزيئات تبعد عن بعضها كيلومترات ومع ذلك يمكنها التفاعل مع بعضها على الفور، الفوتونات المترددة التي تذهب في اتجاهين في نفس الوقت.

هي ايضاً مسؤولة عن التقدم التكنولوجي الحالي والذي يجعل الحياة اسهل. بدون ميكانيكا ألكم لن يكون هنالك ترانزستورات، كومبيوترات شخصية، ليزر وايضاً مشغلات بلو راي. جيمس كاكاليوس فيزيائي من جامعة مينيسوتا يريد ان يفهم الناس مدى أهمية ميكانيكا ألكم بالنسبة لحياتنا اليومية – لكن عليهم ان يفهموا ما هي ميكانيكا ألكم أولاً.

استعرض جيمس كاكاليوس (James Kakalios) كلا الموضوعين في كتابه المعنون “القصة المذهلة لميكانيكا الكم” “The Amazing Story of Quantum Mechanics” يحتوي الكتاب على عرض مبسط خالي من العمليات الرياضية تقريباً لإحدى اكثر المسائل العلمية تعقيداً. للحفاظ على حيوية الأحداث داخل الكتاب، استعان الكاتب برسوم توضيحية وتشبيهات من قصص بوك روجرز ومن قصص خيال علمي اخرى. تكلمنا مع كاكاليوس عن كتابه الجديد، ما الجديد الذي أتت به ميكانيكا ألكم، وكيف تقارن رؤى الخيال العلمي في سابق العصور للمستقبل الذي نعيشه نحن اليوم.

هل الغرض من الكتاب هو عرض ميكانيكا ألكم للناس الذين يجدونها غامضة جداً والاشارة الى وجودها في كل مكان من حياتنا؟

هذا صحيح، في الحقيقة، مقدمة الكتاب تدعى “فيزياء الكم”؟ انت محاط بها!”

هنالك العديد من الكتب الرائعة التي تتكلم عن تاريخ وفلسفة ميكانيكا الكم. لكنها لا تتحدث كثيراً عن أهمية ميكانيكا الكم لنا. نعم، العلم فيه العديد من الأفكار الغريبة والتي ممكن ان تكون مشوشة. لكن احدى اهم مميزات ميكانيكا الكم هو أنك تستطيع ان تستعملها بشكل صحيح ومنتج حتى وان كنت متحير نوعا ما في طبيعة عملها.

عرضت في مقدمة الكتاب ما أسميته (رؤية الرجل العامل)  “workingman’ view” عن ميكانيكا الكم وبينت كيفية القبول بالايمان بثلاث أفكار غريبة – هذا الضوء هو فوتون؛ هذه المادة تمتلك طبيعة أطوال موجية مرتبطة مع حركتها وهذا كل شيء، الضوء والمادة يمتلكان زخماً زاوياً حقيقياً او دوراناً سريعاً تكون فيه القيم منفصلة – وهذا يوضح كيفية عمل الليزر. ايضاً ممكن ان تفهم  كيفية عمل الترانزستور او القرص الصلب في الحاسوب او جهاز تصوير الرنين المغناطيسي.

كان هنالك كومبيوترات قبل اختراع الترانسستورات، لكنها كانت تستعمل انابيب التفريغ كدوائر أو عناصر منطقية logic elements. هذا يعني انه كلما احتجت لان تصنع كومبيوتر اكثر قوة كلما احتجت لأنابيب تفريغ اكثر. تلك الأنابيب كانت كبيرة وتنتج كمية حرارة كبيرة وكانت ايضاً هشة قابلة للكسر. لذلك تحتاج لان تخصص مساحة كبيرة لها ويكون الكومبيوتر في هذه الحالة بحجم كبير جدا. إذن وبسبب الحاجة لأنابيب التفريغ كان من الصعب امتلاك كومبيوتر قوي عدا بالنسبة للحكومات والشركات الكبيرة. ايضاً بدون ميكانيكا الكم لن تجد الملايين من الكومبيوترات كما هو الان في جميع أنحاء العالم. ولن يكون هنالك سبب منطقي لربطها جميعاً بشبكة إنترنيت، ولن يكون هنالك الشبكة World Wide Web المعروفة (www).

الوجه الجميل في ذلك ان العلماء الذين عملوا على تلك النظرية لم يكونوا يحاولون ان يصنعوا هاتف جوالاً، او ن يخترعوا مشغل أقراص ليزرية. اذا عدنا بالزمن الى شرودنجر عام ١٩٢٦ وقلنا له “انها معادلة رائعة، اروين. اين يمكن ان تستفاد منها؟” هو لن يقول لك” حسناً، يمكنك ان تستعملها في خزن الموسيقى على قرص مدمج….”.

لكن بدون الفضول الموجود عند العلماء لفهم سلوك الذرات، كيف تتفاعل مع بعضها، كيف تتفاعل مع الضوء، لكان عالمنا الذي نعيشه اليوم مختلفاً بشكل كبير جداً.

إذن، لنأخذ مثال واحد، كيف جعلت ميكانيكا الكم عمل الليزر ممكناً؟

واحدة من النتائج الاساسية لميكانيكا الكم هو انه هناك موجة ترتبط مع حركة المادة، بضمنها الإلكترونات في الذرة. جاء شرودنجر بمعادلة : “قل لي عن القوى التي تؤثر في الإلكترون، وسأخبرك ماذا تفعل موجتها عند اي نقطة في الزمان والمكان” ايضاً قال ماكس براون بالتلاعب بعمل تلك الموجة التي طورها شرودنجر، تستطيع ان تعرف احتمالية وجود الإلكترون عند اي نقطة من الزمان والمكان. من ذلك، يتضح ان الإلكترون يمتلك فقط طاقات منفصلة معينة داخل الذرة. تم اكتشاف هذا الشيء عملياً؛ هذا هو مصدر الخط الطيفي المشهور والذي تظهره الذرات والذي يفسر لنا لماذا ضوء النيون يكون احمر بينما اضواء الشوارع الصوديومية لديها مسحة صفراء. انه شيء يحدث بسبب الخط الطيفي للعناصر الموجودة فيها.

لكن للحصول على فهم حقيقي لمصدر تلك الطاقات المنفصلة- تلك الإلكترونات والذرات يمكن لها ان تمتلك فقط طاقات معينة لا غيرها- هذا احد اكثر الأشياء اثارة عن ميكانيكا الكم. كما لو انك تقود سيارة في حلبة سباق وفيها يسمح لك بالقيادة فقط عند مضاعفات الـ ١٠ ميل بالساعة. عندما تقوم بذلك فإنك تجمع العديد من الذرات معاً، كل تلك الطاقات تتوسع لتشمل مجموعة من الطاقات الممكنة.

التشبيه الذي استعمله هنا هو انه لديك قاعة احتفالات فيها مسرح في الأسفل  وشرفة في الأعلى. هذا يعني للتحرك من المسرح الى الشرفة يجب عليك ان تمتص بعض الطاقة لترتقي من المسرح الى الشرفة. الان لو كان كل مقعد في المسرح ممتلئاً، وانت تريد الانتقال من مقعد لآخر، لا يمكنك الذهاب لأي مكان مالم تمتص بعض الطاقة لترتقي اعلى الى الشرفة، حيث يوجد عدد من المقاعد الفارغة. ما يحدث في الليزر، كما لو كان لديك مقصورة وسطى صغيرة تحت الشرفة. انت ترتقي للأعلى وصولاً للشرفة لكنك تسقط لتجلس في تلك المقصورة الوسطى. وفي نهاية الامر، جميع مقاعد المقصورة الوسطى تمتلىء لتفرغ عدد من مقاعد المسرح الذي جئت منه.

عندما يحدث دفع لأحد الأشخاص من المقصورة الوسطى، وبسبب الطريقة التي يتواصلون بها فانهم جميعاً يدفعون الى نفس المكان. اثناء السقوط الى المسرح يطلقون طاقة تكون على شكل ضوء. ولانهم قادمون من نفس صف المقاعد الموجود في المقصورة الوسطى، يكون الضوء الصادر منهم بالضبط من نفس اللون. ونظراً لأنهم ذهبوا في نفس الوقت، فانهم جميعاً متماسكين عند نفس المرحلة. وإذا كنت تمتلك الكثير منهم في المقصورة الوسطى فإنك ستحصل على ضوء مفرد اللون عالي الكثافة. هذا هو الليزر.

وكما لم يمتلك شرودنجر اي فكرة عن فوائد معادلته المعروفة لنا اليوم، كذلك الحال بالنسبة لليزر، والذي سمح لنا بوجوده الحصول على السي دي والدي ڤي دي واشياء اخرى كثيرة.

كذلك الحال بالنسبة للترانسيستور. الذي طور لأول مرة لتضخيم الإشارات الراديوية، وايضاً لدينا اليوم الترانسستورات الراديوية التي حلت محل انابيب التفريغ في الكومبيوترات. وهي الان ايضاً تستعمل في العناصر المنطقية في الحاسوب الأصفار والآحاد. اذا قمت بتوجيه فرق جهد الى اي ترانزيستور فأنت بذلك تفتح او تغلق بوابة تسمح بتدفق او عدم تدفق الإلكترونات خلالها. وبذلك يكون لديك حالتين مختلفتين في وقت واحد، عالي وواطيء، يمكنك ان تدعوها 1 او 0. يمكنك ان تدمجهما بشكل ذكي للحصول على اداء جيد ضمن عمل الدوائر الكهربائية من الأصفار والآحاد. وبإمكانك ترميز المعلومات.

مرة اخرى، لا اعتقد ان ذلك كان الاهتمام الاول للأشخاص الذين طوروا عمل للترانسيستور. انظر الى جميع الأشياء الموجودة حولنا والتي تحوي على ترانزيستور. هنالك ترانزيستورات في اي مستشفى عادية اكثر من عدد النجوم في مجرة درب اللبانة، فكر بالكومبيوترات والأدوات الالكترونية الاخرى التي تستعمل في التطبيقات الطبية. إذن انها احدثت نقلة كبيرة في طريقة حياتنا.

احدى الطرق التي اتبعت للحفاظ على حيوية هذا الكتاب هو استعمال القصص والحكايات المأخوذة من الخيال العلمي في العقود الماضية. كيف صمدت تلك التوقعات القديمة؟

المشكلة الرئيسية هو انهم كانوا يعتقدون بان هنالك ثورة في الطاقة ستحدث، والتي يمكن ان تؤدي الى حُزم طائرة، أشعة مميتة، سيارات طائرة. لكن ما حصلنا عليه هو ثورة في المعلومات. بالطبع عصر المعلومات هذا ظهر بسبب أشباه الموصلات وفيزياء الحالة الصلبة، والتي تم أصبحت ممكنة بواسطة ميكانيكا الكم.

الكثير من تلك الأشياء بالعودة الى الترانسستورات وأشباه الموصلات. هل تعتقد حسب وجهة نظرك انها اكبر قفزة أتت بها ميكانيكا الكم ؟

اكثر من ذلك بكثير، بعد فهم القواعد الاساسية التي تتحكم بتفاعل الذرات مع بعضها وكيف تتفاعل مع الضوء، اصبح لدينا الان فهم افضل للكيمياء. عرفنا ان هنالك سبب لاصطفاف الذرات بهذه الطريقة ضمن الجدول الدوري للعناصر، والذي ظهر بصورة طبيعية من معادلة شرودنجر بعد اضافة مبدئ استبعاد باولي.

“الكم” عنوان لاشياء كثيرة لا نفهمها، ونحن عادة نجمع العديد من الظواهر ضمن فئة مبهمة نسميها “غرابة الكم”. هل تود ان ترى هذا الشيء ينتهي؟

نعم أودّ ذلك. نحن نستعملها كسلة كبيرة جامعة لاشياء كثيرة. اقتراح أفكار غريبة لتفسير ملاحظاتنا، تطوير نتائج تلك الأفكار واختبارها بشكل أوسع، بعدها، اذا تطابقت مع الواقع، يكون قبولها ليس شيء خاص بميكانيكا الكم وحدها. انه متعلق بما ندعوه الفيزياء.

ايضاً، لانها تمتلك شهرة الغرابة، فإن ميكانيكا الكم تستعمل لتبرير عدد من الأشياء التي لا علاقة لها بميكانيكا الكم. هنالك تعبير مستخدم، ” السعي وراء الكم” (Quantum woo) (مصطلح حول هؤلاء الذين يلصقون الأفكار غير العلمية بفيزياء الكم لجعلها تبدو وكأنها علمية)، عند الحديث عن الفلسفة الشخصية، التي تشبه طاقة التفكير الإيجابي او دع الابتسامة تكن  مظلتك، الصق تلك التعابير بميكانيكا الكم لجعلها تبدو علمية.

يمكن ان صنع الكثير من المال من ذلك.

نعم، نوعاً ما يبدو لي كاستعمال نظرية العقدة الرياضية او الطوبولوجيا لتبرير عقد الاصابع عند التمني.   

 

المصدر:

http://www.scientificamerican.com/article/everyday-quantum-physics/

 

عدد القراءات (11884)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.