في المقال السابق من هذه السلسلة تحدثنا عن المجموعة الفردانية A للكروموسوم واي في الانسان، والتي يندر أن يسجل وجودها خارج افريقيا. في هذا المقال سنمضي عبر أبناء تلك السلالة والفرع BT تحديداً الذي مضى خلفه ليشكلوا مجاميع متعددة بقى بعضها في أفريقيا وخرج البعض الآخر من القارة السمراء ليشكل شطر البشرية التي تسكن القارات الأخرى عدا افريقيا في روايات علمية غير متوافقة أحياناً وغير مؤكدة في أحيان أخرى عن تفرعات السلالة BT والخارجين من أفريقيا، الباقين في أفريقيا والعائدين الى افريقيا من المجاميع البشرية التي عاشت في حقبة واسعة تتراوح بين 150 الف سنة وهو احد التقديرات لأصل تلك السلالة في أفريقيا الى 70 الف سنة وهو أقرب تقدير لآخر السلالات المتفرعة من BT وهما كل من CF و DE واللذان ينتسبان للسلالة المتفرعة مباشرة من BT والمعروفة بتسمية CT.

السلف المشترك المفقود

لأول مرة ربما ستسمع بقضية السلف المشترك المفقود في سياق مختلف عن سياق نظرية التطور (رغم ان التطور ماثل في جميع لحظات وسنوات والفيات الكائنات الحية). السبب هو أن السلالات التي سنتكلم عنها وهي BT والمتفرع منه B وCT، ثم المتفرعان من CT كل من CF و DE، كلها سلالات منقرضة وافتراضية باستثناء B (المسمى B-M60) يتم اثبات وجودها من خلال التشابهات بين المجاميع الفردانية الحية ومن خلال الطفرات والتعددات الشكلية للنيوكليوتيد المفرد، لكن لا يمكن العثور على ذكر يحمل تلك المجاميع الفردانية في كروموسوم واي اليوم وحتى في البقايا التي تم العثور عليها حتى الآن.

قبل السؤال عن السبب والذي ربما يلبي مقال (بشر منقرضون) في ذات العدد في مجلة العلوم الحقيقية جانباً من الإجابة عليه. أليس علينا أن نحاكم السؤال الذي كان يطرح كثيراً حول الأصل المشترك الذي يجمع تفرعات عديدة من شجرة القردة العليا؟ تمكن البشر من اجتياح الكوكب والتوسع والتكاثر على نطاق واسع ومع ذلك نفتقر لبعض التفرعات التي تجمعهم سلالات البشر جينياً، هل يجب أن نفترض أن سلالة F مثلا (متفرعة من CF المنقرض) قد نزلت من الفضاء أو جاءت من عالم آخر لأننا لا نجد السلف المشترك بينهم وبين البشر الآخرين في أفريقيا؟

ستتكرر قصة السلف المشترك المفقود في مراحل لاحقة من مسيرة سلالات البشر التي نشرح عنها. وسنشير لهذا المقال في ذلك الحين. حتى اليوم يمكن أن تتكرر ذات القصة، ببساطة، تخيل أسرة ما تتكون من جد (سنسميه السلالة أ) له ثلاثة أبناء (سنسميهم ب، ج، د)، توفي الجد وترك الأبناء الثلاث، وانجب كل منهم مجموعة من الأولاد، ثم وبسبب حادث مواجهة مع قبيلة مناوئة قتل احد الأبناء (ج) مع ابناءه ليبقى اثنان غيره (ب و د). مضى كل منهما في هجرة مختلفة وصادف أن تصبح ذريتهم أكبر عدداً. بعد مئات السنين يحالفهما الحظ أو الظروف البيئية اكثر لتصبح ذريتهما مكونة من الاف الأشخاص. حين يجري هؤلاء الأشخاص فحص المجموعة الفردانية للكرومسوم واي سيتضح أنهم من أبناء العمومة حتى لو لم يعلموا ذلك، لكن العثور على رفات الجد تعد أصعب من البحث عن ابرة في كومة قش. ولعل الأمر يكون أكثر سهولة لو عثرنا على رفات والد الجد او جد الجد أو أي من أجداده الذين سيكونون من السلالة أ، لكن هذا صعب جداً. لنفس السبب فإن العثور على السلف المشترك بين الكائنات أمر صعب جداً.

المجموعة الفردانية BT

باسثناء دراسة واحدة أجريت على رفات لـ 15 شخص وجدوا قرب بحيرة ملاوي وماتوا قبل آلاف السنين فإن المجموعة الفردانية BT ليست موجودة اليوم بين الأحياء أو الرفات. في تلك الدراسة[1] التي أجريت عام 2017 ونشرت في مجلة سيل (Cell) تم عزو الحمض النووي لثلاثة اشخاص للصنف BT، غير أن تلك الحقيقة لا تبدو ذات شعبية في الأوساط البحثية ويشكك البعض بها.[2]

دعت شحة المعلومات حول BT البعض للتشكيك في كامل فرضية الخروج من افريقيا كما سنطلع في المقطع القادم، لكن بشكل عام، فإن معظم الأدلة في الكائنات الحية تستند الى دليل الحمض النووي، ووفقاً لتلك القاعدة التي يجهلها الأشخاص الذين ابتدأوا دراسة علم الاحياء من مجال دقيق وحديث جداً وهو فحوص الحمض النووي للبشر. كما أن وجود المجموعة الفردانية B والتي سنأتي لها هو دليل معزز على قرابة الفروع الخارجة من أفريقيا مع أحد الفروع الأفريقية.

بشكل عام يفترض أن عمر المجموعة الفردانية BT يتراوح بين 140 الف الى 150 الف سنة[3] ولو كان الفحص الوارد في الدراسة التي ذكرناها صحيحاً (وهو قد يكون مستبعد) فيفترض أن خلف هذه المجموعة استمروا بالتواجد في افريقيا حتى اخر 10 الاف سنة. عمر تلك المجموعة هو افتراضي أيضاً وبالاعتماد على ذات الحسابات التي افترضت وجود هذه المجموعة.

التشكيك في فرضية الخروج من أفريقيا

تعد فرضية الخروج من أفريقيا فرضية راسخة جداً في الأوساط العلمية وبالاستناد الى الطرق التي ذكرناها من مقارنة المجاميع الفردانية المختلفة وإيجاد القرابة بينها وبين الأصناف الأفريقية الأقدم مثل الصنف A. غير أن هناك من شكك بها، تكاد فرضية اناتولي كلايوسوف (Anatole A. Klyosov) لا تنال غير النقد والدحض في المجتمع العلمي، وكلايوسوف هو عالم روسي متعدد المجالات كان يعمل في الاتحاد السوفيتي ثم انتقل الى الولايات المتحدة وبدأ فجأة بالترويج لما اسماه العلوم الوطنية التوجه (patriotic science) حيث زعم أن أصل البشر قد يكون خارجاً من روسيا بدلاً من افريقيا. يقول كلايوسوف أن الصنف BT منفصل تماماً عن الصنف A وليس فرعاً منه وانه تطور بشكل منفصل وأن الفروع القادمة من BT قد عادت لاحقاً الى افريقيا بدلاً من حدوث العكس.

آراء كلايوسوف كانت تستند الى مقارنة الأصناف الخارجة من افريقيا والصنف A مع الكروموسوم واي للشمبانزي وملاحظة بعض الطفرات فيها لكن أبحاثه لم تنل أي اعتبار في المجال بأكمله في كافة انحاء العالم كما أن البحث الرئيسي الذي يناقش الخروج من افريقيا يعد مختصراً وفقيراً كبحث يحاول أن يأتي بالأدلة حول الأصل الجديد وينفي الأدلة القوية على الفرضية الصحيحة وهذا ما يمكننا أن نحكم عليه بشكل مختصر عن بحوث كلايسكوف بالإضافة الى الهرميات الدقيقة للطفرات الوراثية التي تشترك فيها المجاميع البشرية بشكل يتنبأ بوجود سلف مشترك لها مع مجاميع أخرى حتى لو لم يتم العثور عليه هناك 13 طفرة وراثية يشترك بها جميع البشر (صنف A مع تفرعات BT) ثم داخل تفرعات BT هناك المئات من الطفرات التي تميز المجاميع الفردانية المختلفة[4].

المجموعة الفردانية B

يقدر عمر المجموعة B بـ 100 الف عام3 وهي مجموعة يمكن القول عنها أنها ابن العم للمجاميع التي خرجت من أفريقيا والتي تمثل التفرع الآخر القادم من BT لاسيما CT. وبخلاف بقية المجاميع في هذا المقال فإن المجموعة B هي مجموعة متواجدة في يومنا هذا بين العديد من القبائل الأفريقية وأشهرها قبيلة الهادزا في تنزانيا وبين المجموعة العرقية البيجمي التي تضمن قبائل كثيرة (منهم من يصنف ضمن المجموعة الفردانية A كما ذكرنا في المقال السابق) ويتواجد تفرع معين منه في جنوب افريقيا. معظم الذين يصنفون ضمن هذه المجموعة الفردانية بحسب كروموسوم واي هم من الصيادين الجامعين اليوم. التسمية الأخرى لهذه المجموعة كما ذكرنا هو B-M60.

فيما عدا افريقيا تتواجد حالات نادرة من هذه المجموعة في شعوب أخرى في كما في جزيرة العرب وايران وافغانستان، ويعتقد أن الهجرات الحديثة (آخر بضعة آلاف من السنوات) هي السبب في هذا التواجد.

كما هو الحال مع المجموعة الفردانية A، فإن المجموعة الفردانية B يعتقد أنها تعرضت للاستبدال أو الانحسار لاسباب مجهولة امام توسع المجاميع المتكلمة بلغات البانتو والتي تشكل معظم سكان جنوبي الصحراء الكبرى حالياً والتي يحمل كروموسوم واي للغالبية العظمى من ذكورها اليوم المجموعة الفردانية E كما يرى مارك جوبلينغ أستاذ علم المورثات في جامعة ليستر في المملكة المتحدة وزميله كريس تايلور-سميث من مؤسسة ويلكوم سانغر (Wellcome Sanger Institue) [5].

المجموعة الفردانية CT

السبب الأساسي لافتراض وجود المجموعة هذه هي أن جميع المجاميع الفردانية للبشر الخارجين من أفريقيا (بما في ذلك العائدين الى افريقيا) لديهم ثلاثة طفرات تميزهم عن المجموعة الفردانية A والمجموعة الفردانية B الموجودتان في افريقيا مما يستدعي الاعتقاد بوجود سلف مشترك يمتلك هذه الطفرات. هذه المجموعة تتفرع من المجموعة BT الى جانب B التي تعد مجموعة أخت لها، ويقدر عمرها بـ 70 الف سنة وفقاً لبعض الدراسات. 5 وتضع بعض الدراسات مجالاً مفتوحاً يتراوح بين 70 الف الى 101 الف سنة يحدد ضمنه الانفصال لكل من المجموعة B الافريقية والمجموعة CT.[6]

تعرف المجموعة الفردانية CT بحدث الخروج من أفريقيا، اذ يفترض أن ذرية الأشخاص الحاملين للمجموعة الفردانية هذه قد غادروا القارة الافريقية أو أنهم غادروها ثم عادوا لاحقاً. ومثلما يطلق مصطلح آدم الافريقي على اقدم حمض نووي افتراضي، فإن هذه المجموعة الفردانية تسمى بآدم الاوراسي نسبة الى مغادرة القارة الافريقية نحو اوراسيا.

باستثناء ما ذكرناه حول الطفرات فإن المجموعة هذه ليست موجودة في أي ذكر حي على حد ما وصل اليه العلم حتى الان، كما لم يتم العثور عليها في أي من الرفات القديمة.

المجموعة الفردانية DE

يفترض أن المجموعة DE ترجع الى المجموعة CT بالإضافة الى المجموعة الأخت CF. هذه المجموعة أيضاً مجموعة افتراضية لم يتم العثور على أي شخص حي ينتمي لها لكن مع بعض الاستثناءات كما سنأت. أدلة وجود هذه المجموعة كمجموعة أم لصنفين متواجدين تتمثل في بعض الخصائص التي تميز كل من المجموعة الفردانية D والمجموعة الفردانية E كالطفرات المتعددة التي يتميزان بها ووجود ما يعرف بعنصر (Alu) في الحمض النووي لهاتين المجموعتين بشكل فريد لا تمتلكه أي مجموعة فردانية أخرى، وهذا العنصر هو قطعة من الحمض النووي تمت اضافتها ومضى توارثها بين الأجيال وقد تكون جاءت من مرض ما او طفيلي او سرطان ويمكن أن تكون لها وظيفة مثل أي جزء آخر من الحمض النووي.

في عام 2003 أبلغ عن خمسة عينات من رجال نيجيريين وجد ان المجموعة الفردانية لهم والتي يفترض أن تكون من صنف E تبدو مختلفة جداً وتحمل خصائص قديمة جداً غير موجود في أي من E وD المتواجدين. لذا تمت الإشارة الى هؤلاء على أنهم أفراد محتملون من المجموعة DE لكن دون جزم بذلك. كما أن الباحثين في تلك الدراسة نفوا وقدموا دراسات أخرى تنفي الأصل الاسيوي لهذه المجموعة،[7] وهكذا فإن الفرضية يجب تعدل قليلاً ربما لنفترض أن هذه المجموعة عادت لأفريقيا على فرض ان المجموعة السلف (CT) قد غادرت أو حتى أنها نشأت في افريقيا مما يترك اثراً حول الآراء المتعلقة بالمجموعة الأصل CT أيضاً.    غير أن باحثين آخرين وجدوا عام 2008 عينات مشابهة لتلك العينات الافريقية في التبت! مما ترك الاستنتاج حول الخروج، عدم الخروج، ام العودة الى افريقيا في حيرة وسط عشرات الالاف من السنوات.[8] تجدر الإشارة الى ان الصنف E هو الصنف الطاغي في افريقيا في حين أن D نادر الوجود في افريقيا لكنه موجود في اليابان وفي جزر اندامان التابعة للهند.

بشكل عام تركز الدراسات حول الخروج من افريقيا واصل الصنف DE على الصفة المعروفة بـ YAP والتي تتعلق بعنصر Alu (Y-chromosome Alu) لتخمين الإصدار الاقدم منه وموضع حدوث ادخال ذلك العنصر في الحمض النووي لهذه المجموعة. غير أن هذا المقال لا يسع النقاش الذي يستمر عبر أبحاث عديدة ويقدم ادلة مختلفة على الأصل الاسيوي في التيبت او الأصل الافريقي لذلك.

المجموعة الفردانية CF

ليست المجموعة الفردانية CF مميزة في جيناتها بعوامل مميزة مثل المجموعة السابقة، غير أن هناك طفرة يحملها أفراد الفرعين الناتجين من هذه المجموعة وهما C وF. المجموعة هذه غير مسجلة ايضاً حتى الآن، ولا توجد الكثير من الأبحاث حول أصولها. غير أن ما يميزها هو أنها غير موجودة في افريقيا. تفرعات المجموعة تشمل المجموعة الفردانية F والتي تمثل تفرعاتها معظم البشر الموجودين اليوم، والمجموعة C والتي تمثل نطاق واسع من الشعوب يبدأ من الشعوب التركية في وسط آسيا وحتى السكان الأصليين في الامريكتين. بقدر ما أن ذرية الافراد أصحاب هذه المجموعة الفردانية كثر اليوم، فإننا لا نملك كثيراً من المعلومات عن أصولها ونقطة تواجدها، ويقدر زمن انفصالها عن المجموعة السابقة CT بـ حوالي 70 الف سنة أيضاً ويرتبط بقضية الخروج من أفريقيا أيضاً.

المصادر:

[1] Skoglund, Pontus, et al. “Reconstructing prehistoric African population structure.” Cell 171.1 (2017): 59-71.

[2] Martiniano, Rui, et al. “Placing ancient DNA sequences into reference phylogenies.” Molecular biology and evolution 39.2 (2022): msac017.

[3] Karmin, Monika, et al. “A recent bottleneck of Y chromosome diversity coincides with a global change in culture.” Genome research 25.4 (2015): 459-466.

[4] Karafet, Tatiana M., et al. “New binary polymorphisms reshape and increase resolution of the human Y chromosomal haplogroup tree.” Genome research 18.5 (2008): 830-838.

[5] Jobling, Mark A., and Chris Tyler-Smith. “The human Y chromosome: an evolutionary marker comes of age.” Nature Reviews Genetics 4.8 (2003): 598-612.

[6] Haber, Marc, et al. “A rare deep-rooting D0 African Y-chromosomal haplogroup and its implications for the expansion of modern humans out of Africa.” Genetics 212.4 (2019): 1421-1428.

[7] Weale, Michael E., et al. “Rare deep-rooting Y chromosome lineages in humans: lessons for phylogeography.” Genetics 165.1 (2003): 229-234.

[8] Shi, Hong, et al. “Y chromosome evidence of earliest modern human settlement in East Asia and multiple origins of Tibetan and Japanese populations.” BMC biology 6.1 (2008): 1-10.

مصادر أخرى:

Wikipedia, Haplogroup CF

Wikipedia, Haplogroup CT

Wikipedia, Haplogroup DE

Wikipedia, Haplogroup BT

Wikipedia, Haplogroup B-M60

Mirazón Lahr, Marta, and Robert A. Foley. “Towards a theory of modern human origins: geography, demography, and diversity in recent human evolution.” American Journal of Physical Anthropology: The Official Publication of the American Association of Physical Anthropologists 107.S27 (1998): 137-176.

 

 

عدد القراءات (948)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.