في عام 1995 نجح روبيرت دوريس وزملاؤه في تقدير زمن وجود أقدم رجل من الإنسان العاقل (Homo Sapiens)، وذلك عبر طريقة إحصائية تمت بملاحظة أحد الانترونات (Introns) (موقع على الحمض النووي لا ينسخ مع الحمض النووي المنقوص المرسال MRNA) في جميع أنواع البشر، تحديداً العشرات من الأشخاص من أعراق مختلفة. حدد الباحثون تاريخاً يرجع إلى 270 ألف سنة قبل الآن (ق.ا)، وهو تاريخ أبعد بقليل من تاريخ أمنا الأولى التي حددت بطريقة مشابهة في الثمانينات ليحدد بحوالي 155 الف سنة ق.ا.[1] مع ذلك، فإن الإمكانيات التقنية المتوفرة تجعل هذه النتائج هي كل ما يتوفر بأيدينا عن أقدم نقطة في التاريخ للإنسان العاقل، وبسبب المصاعب التقنية في فحص الحمض النووي للأحافير القديمة جداً، فإننا لا يمكن أن نجد فحصاً للإنسان الذي يرجع تاريخه إلى حوالي 300 ألف سنة قبل الآن والذي اكتشف في جبل ايغود (Jebel Irhoud) في المغرب عام 2017.[2] بالطبع فإن هذه النتائج لا تناقض تقديرات الحمض النووي والتي أضيف لها 30 ألف إلى 49 ألف سنة لاحقاً بعد اكتشاف المزيد من المتغيرات في أجزاء معينة من الكروموسوم واي للإنسان.

إذا كنت تجد صعوبة في فهم مصطلحات فحوص الحمض النووي ننصحك بالرجوع إلى مقالنا في العلوم الحقيقية: كيف يعمل فحص السلالة والمجموعة العرقية.

لكن يجب أن نستدرك، كل ما يمكن أن نعثر عليه سواء من الرفات وبقايا البشر، أو من نتائج الحمض النووي فهي لا تدل بالضرورة على أقدم إنسان عاقل. فحص الرفات التي تعود لفترة سحيقة القدم يدل على أننا استطعنا تحديد ذلك الزمن كأقدم زمن نعرفه لوجود الإنسان العاقل (homo sapiens)، لكن لا يعني أن ذلك هو أقدم إنسان عاقل، غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب. وبطريقة مشابهة، فإن التأريخ الذي يتم التوصل إليه عبر ملاحظة متغيرات الحمض النووي يمكن أن يرشدنا إلى السلالة التي نجت، لكن السلالات التي لم تنج وسبقت السلالة الناجية والتي بطبيعة الحال ستكون مختلفة عنا لكوننا أبناء السلالة الناجية فلا سبيل لتأريخ وجودها عبر الحمض النووي. مع ذلك، سيشير العلماء دوماً لذلك الحمض النووي الأقدم بالحمض النووي لآدم، ومثله لحواء مع استعارة القصة الدينية الضاربة في تراث بعض أديان البشر. ويعرف تصنيف ذلك الحمض النووي الافتراضي بالكروموسوم واي لأقرب سلف مشترك (Y-chromosomal most recent common ancestor) ويرمز له (Y-MRCA).

في العام 2013، نشرت دراسة عن مجموعة الأفارقة الأمريكيين من المجموعة الفردانية A00، وجد أنهم ينتمون لسلف شديد القدم، بل الأقدم مما تم تشخيصه. يحتوي الحمض النووي لهؤلاء الرجال على جميع التعددات الشكلية في شجرة الكروموسوم واي الأساسية. يمكن تشبيه الأمر بأن هؤلاء يمتلكون قطعاً من اللغز بشكل يجعلهم في موقع أوسط مقارنة بجميع الذين يمتلكون قطعاً أخرى من اللغز، وبالتالي فهم ينتمون الى السلف الأسبق (لن نقول الأقدم فلا نعلم إن كانوا هم الأقدم)، ومنذ تلك الدراسة تمت تسمية ذلك الفرع من المجموعة الفردانية A – والتي سنتكلم عنها أيضاً في هذا المقال – بالصنف A00، أي أنه أقدم صنف ممكن من أول مجموعة فردانية، وقد خمن العلماء أن أصل المجموعة الفردانية لهؤلاء يرجع إلى حوالي 338 ألف سنة (يشكك البعض بالطرق الإحصائية ويجعلها 208 الف سنة فقط[3])، فترة مقاربة للفترة التي عاش فيها إنسان جبل ايغود في المغرب. كما وجد أن هؤلاء الرجال، وهم بطبيعة الحال من ذرية العبيد الذين زج بهم للعمل بأمريكا، يمتلكون سلفاً مشتركاً مع شعب المبو في الكاميرون الذي اتضح أن الكثير من افراده ينتمون لهذا الفرع من المجموعة الفردانية A. هل يعني ذلك أننا وصلنا إلى حل للقصة؟ كلا للأسف.

رغم أننا نعرف تلك المجموعات الفردانية التي تتفرع من بعضها حتى ترسم شجرة نسب متكاملة لجميع البشر تمتد من أفريقيا إلى أمريكا الجنوبية. لكن في الوقت نفسه، يبقى سؤال آخر محيراً ويصعب الإجابة عليه في ضوء المصاعب التقنية في فحص الأحافير القديمة جداً، هل تطورنا من عدة مجاميع متوازية في افريقيا؟ أم من مجموعة واحدة؟ تناقش اليانور سكيري (Eleanor Scerri) وزملائها هذا الأمر في مقال نشر عام 2018.[4] اليانور سكيري هي واحد من الباحثين المهتمين جداً بالاسئلة حول السلالات الأولى للإنسان العاقل، لاسيما الحمض النووي للإنسان الأول. الفرضية التي تقترحها سكيري هي أن البشر لم ينشأوا من خط واحد بل من مجموعات متفرقة داخل افريقيا تزاوجت وتخالطت جينياً على مراحل عدة.

أول الأدلة التي تستشهد بها سكيري وزملاؤها هي أحافير البشر الذين تم العثور عليهم رغم شبههم الشديد بنا، غير أن فيهم بعض الاختلافات التي تقترح وجود تنوع بيولوجي في الإنسان العاقل في ذلك الحين. فمثلا إنسان جبل ايغود يمتلك ملامح جمجمة شديدة الشبه بنا، وكذلك المساحة داخل الجمجمة تقع بنطاق متوافر ضمن الاختلافات الواردة بين البشر حالياً غير أن الفسحة المتوفرة للدماغ ممتدة بدلاً من أن تكون كروية. هناك اختلافات شكلية أخرى في أحافير فلوريسباد (Florisbad) في جنوب افريقيا، اومو كبيش (Omo Kibish) وهيرتو (Herto) في اثيوبيا (قبل 260، 195، 160 ألف سنة على التوالي) مما جعل بعض الباحثين يقترحون أن الإنسان في فلوريسباد وجبل ايغود هم بشر آخرون وفئة أكثر بدائية من الإنسان العاقل حيث يتم التمييز بين البشر الذين يتم التعرف عليهم ببعض الأحافير وهيئة الهيكل العظمي للإنسان العاقل الحالي ويسمى الحالي وأشباهه بالإنسان العاقل تشريحياً (anatomically homo sampiens) أما الآخرون المختلفون قليلاً فيعرفون بالإنسان العاقل المبكر (Early Homo Sapiens). الجانب الآخر من الأدلة يتعلق بطبيعة الأدوات والتباين في تعقيدها بين المناطق الأفريقية المختلفة في الحقب القديمة والتي يرى فيها الباحثون دليلاً على تباين في أنواع البشر.

لكن حتى الآن لا توجد إجابة واضحة للسؤال حول طبيعة التخالط بين البشر البدائيين قبل التفرع من الصنف A الى الأصناف الأخرى والخروج من أفريقيا. ما نعرفه عن المجموعة الفردانية A هو أنها مجموعة افريقية بامتياز، لم يغادر أفراد هذا الصنف أفريقيا إلا في حالات نادرة ولاحقة، وهو يتكون من عدة فروع ذكرنا أحدها وهو الذي يعتبر الأسبق. مع ذلك وبحكم التخالط مع الشعوب العائدة إلى أفريقيا في شمال أفريقيا مثلاً فمن الممكن إيجاد هذه المجموعة الفردانية بينهم مثلاً هناك نسبة قليلة من المصريين لهم هذه المجموعة الفردانية في حمضهم النووي.

من التفرعات الأخرى، يتواجد الصنف A0  مثلاً بين أقزام البيجمي في الكاميرون وبنسبة قليلة بين البربر في الجزائر بحسب الدراسات التي أجريت على عينات من هذه الشعوب. ثم الصنف A1a الذي وجدت دراسات عديدة تواجده بين شعوب في غرب أفريقيا ووسطها. وهكذا الحال في بقية التفرعات، حيث تتم إضافة المزيد من الأحرف والأرقام لتعريف التجمعات الفرعية التي يتم تعيينها عبر الحمض النووي. وكلها كانت تقطن في جنوب الصحراء الكبرى بدءاً من غرب أفريقيا حتى شرقها ومن جنوبي الصحراء الكبرى حتى جنوب أفريقيا. إلا أن ما يميز تلك الدراسات ونتائجها هو أن النسب التي يتم العثور عليها لمن ينتمون لهذه المجموعة الفردانية لطالما تبدو منخفضة والسبب سنأتي لشرحه في المقالات القادمة حول المجموعات الفردانية الأخرى وهو أن هذا النوع رغم أنه كان المهيمن ربما في أفريقيا، غير أن كثيراً من الهجرات والتحولات حدثت لاحقاً.

أبرز ما يميز المجاميع التي تنتمي للمجموعة الفردانية A هي في أغلب الأحيان انعدام أي شكل من التاريخ المكتوب من تلك الشعوب أو عنها قبل بدء الاستعمار الأوروبي، وكذلك الحال مع سائر الشعوب الأفريقية التي عاشت دون الصحراء الكبرى. لذا، فإن تقديم المزيد من المعلومات حول هذه الشعوب يعد تحدياً كبيراً، وتاريخها القريب قبل التدخل الأوروبي لا يُعرف إلا بدراسة الحمض النووي كما هو الحال مع شعوب ما قبل التاريخ. وإحدى أبرز الحقائق التي اكتشفتها الدراسات الجينية حول الافارقة ما دون الصحراء الكبرى هي التوسع الكبير لشعوب البانتو (تغلب تفرعات من المجموعة الفردانية E) عليهم في الفترة الواقعة بين 3000 سنة إلى 5000 سنة قبل الآن (3000 ق.م إلى 1000 ق.م). [5]

أحد الورثة البارزين للمجموعة الفردانية A هم شعوب الخويسان (Khoesān)، وهم مجموعة شعوب تشمل المعروفين بشعب السان (San) ووالخوي وكثير منهم يتكلمون لغة تعرف بالخويخوي (Khoekhoe) مع بعض اللغات الأخرى القريبة. ويتواجد هؤلاء في الجزء الجنوبي من أفريقيا مثل جنوب أفريقيا وناميبيا كنتيجة للانحسار تحت وطأة توسع البانتو الكبير. وتظهر آثار توسع البانتو على مستوى الحمض النووي للميتوكوندريا أو كروموسوم واي أو الصفات الجسدية وحتى على مستوى اللغات حيث تطغى لغات البانتو على أفريقيا ما دون الصحراء الكبرى بدءاً من جنوب أفريقيا وحتى جنوب السودان. لكن قبل ذلك التوسع، كان الخويسان هم أكبر مجموعة في أفريقيا طيلة حقبة طويلة من التاريخ، مع ذلك وبشكل فريد فلم يسجل أي من أفراد تلك المجموعة أو من المجموعة الفردانية A أي حالة خروج من أفريقيا إلا ما اقتصر على العبودية مثل حالة الرجال الأمريكيين السود وبعض الحالات النادرة في أماكن قريبة جغرافياً من أفريقيا.

هيمنة الخويسان على المشهد السكاني لم تقتصر على أفريقيا فحسب، بل يرى بعض الباحثين أن الخويسان كانوا ولفترة طويلة جداً من التاريخ هم المجموعة البشرية الأكبر عدداً. حيث كان البانتو أقلية في أفريقيا وكان هناك غير الأفارقة ممن انفصلوا وخرجوا من افريقيا وتعرضوا للكثير من الأزمات المناخية التي تقلل عدد السكان، في حين أن الخويسان استمروا بالعيش في مناخ يمكنهم العيش فيه بنمط حياتهم القائم على الصيد والجمع (بخلاف البانتو المعتمدين على الرعي).[6]

بالنظر لعراقة وجود الخويسان، وبالرغم من انتسابهم للمجموعة الفردانية الأولى، ولامتلاكهم الحمض النووي للميتوكوندريا من المجموعة الفردانية الأقدم أيضاً وبنسبة معتبرة، فإنهم إحدى أكثر الشعوب تنوعاً في حمضها النووي، مما يستدل به على أن حجم تلك المجموعة في الماضي كان مختلفاً تماماً عما هو الآن. [7]

فضلاً عن الخويسان، فإن المجموعة الفردانية A تتواجد بنسبة تفوق النصف لدى شعب الدينكا وقبيلة الشلك في جنوب السودان. كما تتواجد بنسبة 46% لدى سكان النوبة في السودان (ليس النوبيين المصريين)، وبنسب أقل لدى البرغو والنوير. [8] لكن لا توجد دراسات كافية تتناول تاريخ هذه الشعوب من ناحية جينية مثلما هو الحال مع الخويسان.

قصة المجموعة الفردانية A قد لا تتضمن الكثير من التفاصيل سوى الانحسار المقابل لتوسع البانتو، والاعتقاد بأن المجموعة كانت مهيمنة أكثر في الماضي. كما أن عدم الخروج من أفريقيا قيد تاريخ هذه المجموعة الفردانية بالتاريخ الجيني. مع ذلك، يبقى ما يميزها هو كونها المجموعة الأولى. في مقالات قادمة سنتكلم عن مجموعات فردانية أخرى، منطلقين من التفرع BT، للذين خرجوا من افريقيا.

المراجع

[1] Dorit, Robert L., Hiroshi Akashi, and Walter Gilbert. “Absence of polymorphism at the ZFY locus on the human Y chromosome.” Science 268.5214 (1995): 1183-1185.

[2] Callaway, Ewan. “Oldest Homo sapiens fossil claim rewrites our species’ history.” Nature 546 (2017): 289-293.

[3] Elhaik, Eran, et al. “The ‘extremely ancient’chromosome that isn’t: a forensic bioinformatic investigation of Albert Perry’s X-degenerate portion of the Y chromosome.” European Journal of Human Genetics 22.9 (2014): 1111-1116.

[4] Scerri, Eleanor ML, et al. “Did our species evolve in subdivided populations across Africa, and why does it matter?.” Trends in ecology & evolution 33.8 (2018): 582-594.

[5] Ansari Pour, Naser, Christopher A. Plaster, and Neil Bradman. “Evidence from Y-chromosome analysis for a late exclusively eastern expansion of the Bantu-speaking people.” European Journal of Human Genetics 21.4 (2013): 423-429.

[6] Kim, Hie Lim, et al. “Khoisan hunter-gatherers have been the largest population throughout most of modern-human demographic history.” Nature communications 5.1 (2014): 1-8.

[7] Tishkoff S. A. et al. The genetic structure and history of Africans and African Americans. Science 324, 1035–1044 (2009)

[8] Hassan, Hisham Y., et al. “Y‐chromosome variation among Sudanese: restricted gene flow, concordance with language, geography, and history.” American Journal of Physical Anthropology: The Official Publication of the American Association of Physical Anthropologists 137.3 (2008): 316-323.

راجعت المقال لغويا ريام عيسى وتم نشره في مجلة العلوم الحقيقية العدد 50  شهري يوليو-اغسطس 2022

عدد القراءات (288)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.