علماء يكتشفون عنصراً مغناطيسياً جديداً

قطعة كرستال لعنصر الروثنيوم
قطعة كرستال لعنصر الروثنيوم

ذُهلنا صغاراً عندما اكتشفنا أن المغناطيس يجذب الحديد والمعادن، و استشعرنا مدى قوة جذب هذه المغانط، وربما تساءلنا أيضاً مما يتكون هذا المغناطيس وكيف يُصنع. في هذا المقال، سنتعرف على العناصر الأساسية المكونة للمغناطيس المعهود لنا وعن اكتشاف جديد لعنصرٍ مغناطيسي جديد وكيف سيفيدنا هذا الإكتشاف في المستقبل القريب.  

في اكتشاف مختبري جديد، بقيادة باحثين في جامعة مينيسوتا، أن عنصر الروثنيوم-ruthenium (Ru) هو العنصر الرابع الذي لهُ خصائص مغناطيسية فريدة في درجة حرارة الغرفة. وسيمكن استخدام هذا الاكتشاف تحسين أجهزة الاستشعار والأجهزة الموجودة في ذاكرة الكمبيوتر وصناعة المنطق، أو الأجهزة الأخرى التي تستخدم المواد المغناطيسية.

في الواقع، يعود استخدام المغانط الحديدية إلى الأزمنة القديمة عندما تم استخدام حجر الزاوية للملاحة. منذ ذلك الحين تم العثور على ثلاثة عناصر في الجدول الدوري لتكون مغناطيسية حديدية في درجة حرارة الغرفة – الحديد (Fe)، الكوبالت (Co)، والنيكل (Ni). بينما العنصر الأرضي النادر غادولينيوم (Gd) يقل تقريبا 8 درجات مئوية عن درجة حرارة الغرفة.

تتسم ذرات العناصر المغناطيسية بوجود المغناطيسية بها حيث يحدث ترابط بين اللف المغزلي للإلكترونات التي تشغل المدار 3d في الذرة، وينتج عن محصلة ذلك الترابط مغناطيساً صغيراً في حجم الذرة. أي أن ذرات تلك العناصر لها تلك الخاصية المغناطيسية الحديدية، حيث أن الذرات المتجاورة تهيئ اتجاه مغناطيسيتها بحيث تتخذ جميعها نفس الاتجاه، ويظهر ذلك في هيئة المغناطيس المستقيم المعهود لنا.

تُعتبر المواد المغناطيسية مهمة جداً في مجالات الصناعة والتكنولوجيا الحديثة، وقد اُستخدمت في الدراسات الأساسية وفي العديد من التطبيقات اليومية مثل أجهزة الاستشعار، والمحركات الكهربائية، والمولدات، ووسائط القرص الصلب، ومؤخراً الذاكرات الإلكترونية الدورانية (spintronic memories).

ومع تحسن نمو الأغشية الرقيقة (thin film) خلال العقود القليلة الماضية، أصبحت المغانط تتمتع أيضًا بالقدرة على التحكم في بنية الشبكات البلورية – أو حتى فرض هياكل يندر وجودها في الطبيعة. توضح هذه الدراسة الجديدة أن عنصر الروثنيوم Ru يمكنه بالفعل أن يُكون المادة المغناطيسية الرابعة باستخدام أغشية رقيقة جدًا لفرض طورٍ كهرومغناطيسي لهذا العنصر.

نُشرت تفاصيل هذه الدراسة في العدد الأخير من مجلة نيتشر للإتصالات (Nature Communications). المؤلف الرئيسي للورقة البحثية هو البروفيسور باتريك كوارترمان (Patrick Quarterman) من جامعة ولاية مينيسوتا الحديثة. وهو زميل ما بعد الدكتوراه في المجلس القومي للبحوث (NRC) في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST).

يقول أستاذ الهندسة الكهربائية والكمبيوتر في جامعة مينيسوتا ومستشار البروفيسور كواركرمان جيان بينغ وانغ (Jian-Ping Wang):

“الخاصية المغناطيسية للعناصر هي دائماً مذهلة. ودائماً ما تثبت نفسها. نحن متحمسون وممتنون لأن نكون أول مجموعة تقوم بالإثبات التجريبي وإضافة العنصر الكهرومغناطيسي الرابع في درجة حرارة الغرفة إلى الجدول الدوري “،

ويضيف البروفيسور وانغ “ كانت هذه مشكلة مثيرة للاهتمام ولكنها صعبة. استغرق الأمر منا حوالي عامين للعثور على الطريقة الصحيحة لخلق هذا العنصر والتحقق من خاصيته المغناطيسية على الوجه المطلوب. سيؤدي هذا العمل إلى قيام مجتمع البحث المغناطيسي بالبحث في الجوانب الأساسية للمغناطيسية للعديد من العناصر الاخرى المعروفة “.

كما أكد أعضاء آخرون في الفريق على أهمية هذا العمل.

أضاف بول فويلز (Paul Voyles)، الباحث المشارك في الدراسة، وهو أستاذ في شركات بيكويث باسكوم (Beckwith-Bascom) ورئيس قسم علوم وهندسة المواد في جامعة ويسكونسن ماديسون (Wisconsin-Madison): “إن القدرة على التلاعب وتوصيف وإعادة ترتيب هيكل المادة على المستوى الذري هو حجر الزاوية في تكنولوجيا المعلومات الحديثة.  يوضح تعاوننا مع مجموعة البروفيسور وانج في جامعة مينيسوتا أن هذه التقنيات يمكنها العثور على أشياء جديدة حتى في أبسط الأنظمة، مثل الأنظمة المكونة من عنصر واحد فقط.”

اتفاق شركاء الصناعة على أن التعاون هو مفتاح الابتكار

وقال إيان يونج (Ian A. Young)، كبير الزملاء ومدير شركة إنتل: “يسر إنتل تعاونها الطويل الأمد في الأبحاث مع جامعة مينيسوتا و C-SPIN [مركز المواد الالكترونية الدورانية والواجهات والتصميمات الجديدة]”. “نحن متحمسون لمشاركة هذه التطورات من خلال استكشاف سلوك التأثيرات الكمومية في المواد، مما قد يوفر رؤى للأجهزة المنطقية والذاكرة الموفرة للطاقة المبتكرة”.

وبطبيعة الحال، يتفق قادة الصناعة الآخرين على أن هذا الاكتشاف سيكون له تأثير على صناعة أشباه الموصلات.

وأضاف تود يونكين (Todd Younkin)، مدير وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية: “تتزايد أهمية الأجهزة الالكترونية الدورانية بسرعة كبيرة في صناعة أشباه الموصلات”. “إن التقدم الأساسي في فهمنا للمواد المغناطيسية، مثل تلك التي أظهرها البروفيسور وانغ وفريقه في هذه الدراسة، أمر بالغ الأهمية لتحقيق اكتشافات مستمرة في أداء الحوسبة والكفاءة”.

تتطلب التكنولوجيات الجديدة مواد جديدة

الخواص المغناطيسية للروثنيوم
تؤكد هذه الصورة المجهرية الإلكترونية عالية الدقة على مرحلة رباعي الأضلاع في عنصر الروثنيوم كما تنبأ به مؤلفو الدراسة.
Credit: University of Minnesota, Quarterman et al, Nature Communications

لا يزال التسجيل المغناطيسي هي التقنية المهيمنة في تكنولوجيا تخزين البيانات، لكن ذاكرة الوصول العشوائي القائمة على المغناطيسية والحوسبة بدأت تأخذ مكانها. وتضع هذه الذاكرات المغناطيسية والأجهزة المنطقية قيودًا إضافية على المواد المغناطيسية، حيث يتم تخزين البيانات وحسابها، مقارنة بالمواد المغناطيسية التقليدية للقرص الصلب. وقد أدى هذا بالدفع لمواد جديدة لمحاولة تحقيق التوقعات التي تبين أنه في ظل الظروف المناسبة، يمكن للمواد غير المغناطيسية، مثل عنصر الروثينيوم Ru و البلاديوم (Pd) والأوزميوم (Os) أن تصبح مغناطيسية.

بناءاً على التنبؤات النظرية المعمول بها، استخدم الباحثون في جامعة مينيسوتا هندسة طبقات البذور لتغيير التكوين السداسي لعنصر الروثنيوم Ru إلى تكوين رباعي، ولاحظوا أول ظهور لخاصية المغناطيسية الحديدية في عنصر واحد في درجة حرارة الغرفة. حُددت معالم البنية البلورية والخصائص المغناطيسية بالتعاون مع مرفق توصيف جامعة مينيسوتا وزملائه في جامعة ويسكونسن.

تؤكد هذه الصورة المجهرية الإلكترونية عالية الدقة على مرحلة رباعي الأضلاع في عنصر الروثنيوم كما تنبأ به مؤلفو الدراسة.
Credit: University of Minnesota, Quarterman et al, Nature Communications

وقال الباحثون أن هذه الدراسة تفتح الباب أمام الدراسات الأساسية لخصائص عنصر الروثنيوم Ru المغناطيسية الجديدة. من منظور تطبيقي، فإن هذا العنصر مثير للاهتمام لأنه مقاوم للأكسدة، وتزعم التنبؤات النظرية الإضافية أنه يتمتع باستقرار حراري مرتفع – وهو مطلب حيوي لتوسيع الذاكرات المغناطيسية. دراسة هذا الاستقرار الحراري العالي هو محور البحوث الجارية في جامعة مينيسوتا.

 

المصطلح التعريف

إلكترونيات دورانية- spintronics

هي دراسة الدوران الذاتي للإلكترون والعزم المغناطيسي المرتبط به، بالإضافة إلى شحنة الإلكترون الأساسية في الأجهزة الجامدة.

تختلف الإلكترونيات الدورانية عن الدراسة القديمة للالكترونيات المغناطيسية، في أنه يتم التحكم بالدوران من قبل كل من المجالات المغناطيسية والكهربائية.

الأغشية الرقيقة-thin films

طبقة أو عدة طبقات من ذرات معينة قد لايتعدى سمكها واحد مايكرون ناتجه عن تكثيف الذرات أو الجزيئات والتي تمتلك خواص فريده هامه تختلف عما إذا كانت عباره عن جسيم سميك كالصفات الفيزيائية والهندسية وعلى توازن تركيبها المايكروي ، ولقلة سمك هذه الاغشيه وسهولة تشققها لذلك ترسب على مواد أخرى تستخدم كقواعد ترسيب ويعتمد نوع القاعدة على طبيعة الاستخدام والدراسة مثل الزجاج و الكوارتز و السليكون و الالمنيوم .
التسجيل المغناطيسي-Magnetic recording وهي طريقة الحفاظ على الأصوات والصور والبيانات في شكل إشارات كهربائية من خلال مغنطة انتقائية لأجزاء من مادة مغناطيسية. تم شرح مبدأ التسجيل المغناطيسي لأول مرة من قبل المهندس الدنماركي Valdemar Poulsen في عام 1900، عندما قدم آلة تسمى Telegraphone التي سجلت الكلام مغناطيسيا على أسلاك الفولاذ.

 

المقال الأصلي:

Ruthenium new magnetic element, physlink.com, May 30, 2018

مراجع:

Magnetic Recording, Britannica

Thin Film, Wikipedia

Spintronics, Wikipedia

عدد القراءات (248)

التعليقات

التعليقات

About سلمان عبود 9 Articles
مُحب للعلوم الطبيعية والتطبيقية بشكل عام والتفاضل والتكامل بشكل خاص ومولع بالفيزياء الحديثة . العلم هو الحل! sic parvis magna

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.