سقراط والتطور ومفهوم النظرية

سقراط

“كل الناس فانون، وسقراط إنسان، إذن سقراط فان.” هذه الحجة صحيحة، وهذا يعني أنه إذا كانت المقدمة صحيحة (كل الناس فانون)، فإن النتيجة (سقراط فان) تكون أيضا صحيحة. لكن، ومثلما أوضح برتراند راسل قبل سنوات، فهذه الحجة تقريبا لا قيمة لها. لا شك في أن سقراط فان، فحتى وإن لم نكن نعرف ظروفه فإننا سنقر بأنه فان، بحكم أننا نرى الموت حولنا طوال الوقت، ولهذا لا وجود لسبب يدفعنا للاعتقاد بأن سقراط لا يخضع لنفس ما يخضع له باقي الجنس البشري.

في الواقع، واستنادا إلى التجربة، نحن متأكدون من أن سقراط فان أكثر مما نحن متأكدون من أن الناس كلهم فانون، ولنا في بعض شخصيات الكتب المقدسة خير مثال على هذا. لذلك فالمقدمة الأولية القائلة أن جميع الناس فانون مؤكدة بدرجة أقل من النتيجة التي توصلنا إليها، وبالشك في مسألة فناء سقراط يتأتى لنا إنكار المقدمة التي بني عليها الاستدلال أساسا.

سبب اعتقادنا أن سقراط فان ليس استنباطيا، بل استقرائيا، تعززه في هذه الحالة معرفتنا بظروفه الشخصية. بالرغم من أن النتائج المتوصل إليها بناء على هذا النوع من الحجج المنطقية لا تخبرنا بجديد، فإن لها، مع ذلك، مكانة هامة، لأنها تجبرنا على توضيح مقدمات الحجج التي نصوغها، فما نستنتجه من مثل هذه الحجج، يكون أصلا متضمنا في المقدمات ولا يخرج عن حدودها.

في كثير من الأحيان، يطبق هذا النوع من الحجج على نظرية التطور حسب القول التالي: “جميع النظريات غير مؤكدة، والتطور نظرية، إذن التطور غير مؤكد.” الرد المعتاد على هذا القول يكون بالإشارة إلى أن الحجة خاطئة، لأنها تقع في خلط بين معنيين للنظرية، المعنى الشائع في الخطاب العادي والذي يستخدم مفردة النظرية للإشارة إلى شيء أو أمر غير مؤكد، والمعنى العلمي، الذي يتضمن أمثلة لا يشكك فيها شخص عاقل، مثل النظرية الذرية ونظرية مركزية الشمس.

نتائج هذا الخلط تتعدى ميادين النقاش اليومي بخصوص صحة نظرية التطور، إذ إن بعض المسؤولين يستعملون سلطتهم للتأثير على ما يدخل وما لا يدخل في المقررات العلمية بناء على فهمهم الخاطئ لمعنى “النظرية،” وهكذا يفرضون مثلا وضع ملحقات في كتب الأحياء تشير إلى أن التطور لم يتم رصده أبدا أو أنه محض “نظرية.”

عندما تستخدم هذه الحجة الخاطئة بصورة مكررة في وجه ما يبدو واضحا ومنطقيا، وعندما تنشرها وسائل الإعلام على لسان أشخاص متعلمين وأذكياء، وعندما تستخدمها الحكومات لتبرر الإجراءات التي تتخذها بخصوص المناهج التعليمية، حينها يجدر بنا التساؤل عن السبب وراء تمكنها من البقاء والاستمرار كل هذا الوقت.

هناك العديد من التفسيرات، أولها أن البرهان الذي يقدم لدحض هذه الحجة قد يكون في حد ذاته غير متسق منطقيا، أو أنه ربما يفشل في معالجة الأخطاء العميقة التي أعطت هذه المغالطة جاذبيتها في المقام الأول. ولهذا، فالرد الأمثل ربما يكون بتجاوز هذه المغالطة عن طريق الانتقال مباشرة إلى عرض الحقائق العلمية التي تدعم نظرية التطور وتؤكد صحتها.

أما في ما يتعلق بسبب فشل الدفاع المقدم لدحض هذه الحجة والذي يقول أن هناك خلطا بين معنيين لمفهوم النظرية، فذلك يعود بالأساس لكونه يبدو نوعا من الالتماس الخاص، بمعنى أنه حجة تتجاهل، عن عمد، جوانب لا تدعم وجهة نظر مقدم هذا الدفاع، ذلك أن الكلمات تحمل معها دوما جملة من المعاني الممكنة التي تتغير بمرور الزمن.

في محاولة منهم للرد على الحجة القائلة أن “التطور مجرد نظرية،” اتجه بعض المدافعين عن التطور إلى وضع تحليلهم الخاص لمفهوم النظرية، والذي يجب، في نظرهم، أن يستخدمه الجميع عند الحديث عن التطور، معلنين أن انتشار الفهم الخاطئ للمفهوم العلمي للنظرية بين كثير من الناس لا يعني أنه يجب التوقف عن استخدامه كليا، بل أن الحاجة ملحة إلى تعليم علمي أفضل، أي تعليم يتفق والإطار الذي حددوه لمعنى النظرية باعتبارها تفسير لجوانب من العالم الطبيعي جرى إثباته من خلال تجارب واختبارات متكررة.

هذه التصريحات المتعالية غير صحيحة، فحتى في الدوائر العلمية لا يوجد إجماع على أن النظرية ينبغي، بالتعريف، أن تكون مثبتة عن طريق التجربة، وخير مثال على ذلك نظرية الأوتار الفائقة، التي لم يتم وضع اختبار للتحقق من صحتها إلى حد الآن، وكذلك نظرية كل شيء، التي لا نملك بعد معالمها المحددة، ويشكك البعض في إمكانية التوصل إليها. وإلى جانب هذه النظريات، نتحدث أيضا عن نظريات ليست صحيحة تماما، مثل نظرية الغاز المثالي، التي تقدم فرضيات غير واقعية حول خصائص وسلوك جزيئات الغاز، لكنها مع ذلك تمثل الانطلاقة نحو القيام بتنبؤات مفيدة (قانون بويل، قانون شارل، إثبات فرضية أفوجادرو) تصف بصورة تقريبية سلوك الغازات الحقيقية في ظل الظروف العادية.

مع اكتشاف الخلقيين لبوبر، بمساعدة من أصحاب التصميم الذكي، أصبح وضع مقدمي هذا الدفاع (هناك خلط بين مفهوم النظرية في الأوساط العلمية والمفهوم الشائع لها) حرجا، إذ صار الخلقيون يجادلون مثله بأنه ما دام التطور نظرية علمية فهذا يعني أنه قابل للتخطيء، وبناء على هذا التعريف التقني للنظرية ينتقلون من القول بالقابلية للتخطيء إلى القول بأن التطور غير مؤكد تماما، مصرحين أن النظريات العلمية عرضة للتغيير دائما في ضوء الملاحظات الجديدة المثبتة عن كيفية عمل العالم الطبيعي.

يقول المشككون في نظرية التطور أن عملية الانتقاء الطبيعي، والتغييرات الكبيرة في تنوع الكائنات الحية التي رافقته، لم تلاحظ بصورة مباشرة، لهذا فالتطور يبقى “مجرد نظرية.” طبعا، هذه التغييرات لم يتم ملاحظتها مباشرة لأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت لمعاينتها، وقت أطول مما هو متاح للعلماء في حياتهم الوجيزة. هذه الحجة تتجاهل الكثير من الأدلة، التي تعتبر حاسمة في حد ذاتها، عند الحديث عن التطور، وتهدف أساسا إلى التشكيك في حقيقة أصل الإنسان المشترك والآثار المترتبة عن هذا القول من أن الأرض قديمة، وليس عمرها بضعة آلاف من السنين كما جاء في بعض الكتب الدينية.

عندما يقول الخلقيون أن النظريات كلها غير مؤكدة، يبدو كما لو أنهم يدلون بتصريح صحيح وصادق، لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن حجتهم ستفقد كل مصداقية عندما نشير إلى نظريات أخرى، مثل النظرية الذرية، والتي لا يشكك أحد في مدى صحتها ودرجة قطعيتها. مع ذلك، تبقى مثل هذه التصريحات حاضرة في النقاشات حول نظرية التطور لأن هناك اعتقاد سائد بأن عدم القطعيّة جزء من تعريف النظرية العلمية، وهو ما يحول النقاش من حقيقة التطور إلى الجدل حول المفاهيم والمفردات.

هذا الخطأ الذي نقع فيه في كثير من الأحيان عند محاولة الدفاع عن التطور يحصر تركيزنا على معاني الكلمات، عوض نقاش المسائل الرئيسية، أي جملة الأدلة التي تدعم النظرية، فسواء كان هذا التعريف أو ذاك هو التعريف الصحيح، فليس لهذا علاقة بالقضية الفعلية موضوع النقاش. إذن هل يمكن القول أن التطور نظرية؟ هذا يعتمد على التعريف الذي نضعه لمفردة “النظرية.” أما هل التطور صحيح؟ فالجواب هو نعم.

المصدر:

Paul Braterman, “Socrates, Evolution, and the Word “Theory””, Paul Braterman blog, 25 August 2014

عدد القراءات (514)

التعليقات

التعليقات