العادات والأهداف: من المستوي السلوكي وحتى المستوى الكيميائي

العادات

يخبرنا ويليام جيمس في كتابه (قوة العادات) أن سلوكنا يتكون من العادات التي نقوم بها، وفي الحقيقة أن العادت لها أهمية كبيرة في سلوكنا، فهي تساعدنا على جعل أذهاننا متفرغة للأهداف التي نريد تحقيقها، ولكنها أيضًا قد تعرقلنا عن الوصول لهذه الأهداف، ولهذه الأهمية حاول علماء السلوك على مر التاريخ معرفة ما هي العادات وما هو مركزها في المخ البشري، الإجابة على هذه الأسئلة لم تكن سهلة أبدًا، وما نريده في هذا المقال هو أن نسير مع الباحثين رحلتهم الفكرية من ملاحظة اختلافات في سلوك فئران التجارب في الظروف المختلفة إلى تعريف العادات و تمييزها عن غيرها ومن ثم إلى كيفية الكشف عن المنطقة الدماغية الرئيسية المسؤولة عن تفعيلها.

  في تجربة أقامها كريستوفر أدامز ونشر نتائجها عام 1982 ليراقب سلوك مجموعة من فئران التجارب، تم جلب مجموعة من الفئران وتم تدريبهم علي الضغط علي زر معين، في كل مرة يضغط الفأر على الزر يحصل على قطعة من السكروز، تم تقسيم الفئران لفريقين: الفريق الأول تم تدريبه على الضغط على الزر 100 مرة، والفريق الثاني تم تدريبه على الضغط على المقبض 500 مرة، تلك كانت المرحلة الأولى من التجربة، في المرحلة الثانية أراد أدامز يتلاعب في المكافأة ليري هل ستتوقف الفئران عن الضغط على هذا الزر عند غياب الجائزة أم لا، فقام بحقن الفئران التي تضغط علي المقبض بمادة مسببة للهذيان ثم راقب هل سيتوقفون عن الضغط على المقبض أم لا، كانت النتيجة أن فريق الفئران الذي تدرب على الزر 100 مرة فقط توقف عن الضغط عليه حين تم حقنه بتلك المادة، أما الفريق الذي تدرب 500 مرة ظل يضغط على الزر ولم يتوقف 1.

يمكننا رؤية أن كل فريق من الفئران له سلوك معين عند حقنه بالمادة المسببة للهذيان، الفريق الأول توقف عن الشد علي المقبض عندما تم حقنه بمادة غير محببة له نتيجة لهذا الفعل، مما يدل علي أن هناك علاقة بين نتيجة الفعل و قيام الفأر من الفريق الأول بهذا الفعل، ولفهم هذه العلاقة قام الباحثون بعدد من التجارب لدراستها فوجدوا أنه حينما يتوقف القائم علي التجربة بإعطاء الفأر السكروز، يتوقف  الفأر عن الضغط على ذلك الزر، أو عندما يوفر القائم على التجربة السكروز للفأر بصفة مستمرة دون الحاجة للمقبض من الأساس، تقل قيمة هذا الفعل لدى الفأر ويمتنع عن سلوكه و يتوقف عن الضغط أيضًا، فإذا كان قيام الفأر يقوم بالضغط علي الزر فقط عندما تكون نتيجة هذا الفعل شيئًا محببًا له كمادة السكروز، هذا يدل أن الفأر يعرف العلاقة السببية بين هذا الفعل وهذه النتيجة، وفي الحقيقة يسمي هذا النوع من التعلم بالفعل-النتيجة، ويطلق علي  السلوك في هذه الحالة اسم “السلوك الموجه” حيث أن الفعل يكون موجهًا لهدفٍ معين يريده الفأر، أما فريق الفئران الثاني فلم يعتمد فعله علي السكروز، ولكنه استمر في فعله طالما كان المقبض داخل حجرة الفأر، والفأر لا يظهر تغيُّرًا كبيرًا في سلوكه حتي إذا توفر له السكروز بشكل آخر دون الحاجة للقيام بهذا الفعل، أو حتي حين لم يُكافَأ بالسكروز إطلاقًا، أو حين تم حقنه بمادة مؤذية له في كل مرة يقوم بها بالشد علي المقبض! الفأر في هذه الحالة لم يبني علاقةً سببية بين الفعل و نتيجته كما فعل الفريق الأول، ولكن من الواضح أن وجود المقبض في حجرة الفأر ينبهه لكي يقوم بالضغط عليه بصرف النظر عن النتيجة، ويسمي هذا النوع من التعلم بالـ “منبه-استجابة” أو السلوك الاعتيادي أو ما نسميه نحن بلغتنا “العادة”، وقد ينشأ هذا النوع من السلوك نتيجة زيادة التدريب كما في التجربة السابقة أو بطرق أخري مثل التلاعب في جدول التدريبات أو كما سنرى لاحقًا، بالتلاعب بالأجزاء المختلفة من الدماغ. 2   

الآن يوجد سؤال حيويٌ لفهمنا لكيفية نشوء السلوك الاعتيادي والموجه يدعونا لإجابته: ما هي المناطق الدماغية التي تتحكم في هذين النوعين من التعلم أو هذين السلوكين؟ هل هي مناطقٌ دماغية مختلفة أم نفس المنطقة؟ وفي الحقيقة أن بناءً على المفهوم الذي وجدناه للسلوك الاعتيادي والموجه وبناءً على قدرتنا على تمييزه في المعمل كالتجربة السابقة، يمكننا الإجابة عن هذا السؤال، وذلك عن طريق تعطيل أجزاء مختلفة في الدماغ ثم رؤية تأثير هذا على سلوك الفأر، وحين يتوقف سلوك معين لدى الفأر في غياب هذا الجزء من المخ، يمكننا القول بأن هذا الجزء يتحكم في هذا النوع من السلوك. يمكننا أيضًا مشاهدة النشاط الدماغي لدي الفئران أو الإنسان أثناء القيام بمهام تتطلب السلوك الاعتيادي أو السلوك ورؤية أي الأجزاء يزداد نشاطها و أيها يقل النشاط فيها.

استخدم هنري يِن هذا المبدأ، حيث جلب مجموعة من الفئران ودربهم نفس تدريب الفريق الأول في التجربة السابقة، وكان من المتوقع أن يكون سلوك هذه الفئران – أيضًا كالتجربة السابقة- موجهًا و يعتمد على مكافأة السكروز التي أعطاها يِن لهم، ولكن المفاجأة أنه عند إزالة جزء ما من منطقة في منتصف الدماغ تسمى “الجسم المخطط*” لا ينشأ هذا النوع من السلوك لدى الفئران، ولا يتأثر سلوك الفئران في الضغط على الزر حتى إذا تم منع السكروز عنهم أو إذا استطاعوا الحصول عليه بشكل آخر. مما دعى هنري و زملاءه باستنتاج أن هذا الجزء من الجسم المخطط هو المسؤول عن السلوك الموجه، وفي تجربة مماثلة ، تم تدريب الفئران كالفريق الثاني في تجربة أدامز وكان من المتوقع أن ينشأ عندهم السلوك الاعتيادي ويتوقفون عن الاستجابة للتغيرات الحادثة في مكافأة السكر المعطاة لهم، ولكن ما وجدوه أن عند استئصال منطقة أخرى من الجسم المخطط لا ينشأ السلوك الاعتيادي لدى الفئران، ويبقى سلوكهم متغيراً بغياب المكافأة او استبدالها بمادة مسببة للهذيان، مما دعى الباحثين لاستنتاج أن هذا الجزء متعلق بالسلوك الاعتيادي لدى الفئران، في الحقيقة أن التجارب لم تتوقف فقط لدى الفئران ولكن امتدت لتشمل الإنسان و القرود فقد وجد ترايكومي وزملاؤه أن النواة الذنبية** في الجسم المخطط في الإنسان (كما في الفئران) يتغير نشاطها عندما يظن المشاركين بالتجربة أن أفعالهم تؤدي إلي مكسب او خسارة مادية لهم! مما يدل على أن هذا الجزء له علاقة بالسلوك الموجه و ارتباطه بالمكافأة – المالية في هذه الحالة – التي سوف يحصلون عليها، مما يدل على أن هذا الجزء مرتبط بالسلوك الموجه، و في تجاربٍ أخرى وجد الباحثون أن نواة البطامة*** في الجسم المخطط ( أيضًا كما في الفئران) مسؤولة عن السلوك الاعتيادي في القردة، فمن الواضح أن الأجزاء المختلفة في الجسم المخطط تلعب دورًا هامًا في كلا السلوكين الاعتيادي و الموجه، ولكن إلى ماذا يعود هذا الفارق؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا أولًا فهم كيف يتم التواصل بين الجسم المخطط وباقي أجزاء الدماغ وكيف تتواصل أجزاء الجسم المخطط مع بعضها البعض، و يأتي في الإجابة على هذا السؤال مادة كيميائية تسمى الدوبامين، تستخدم الخلايا العصبية هذه المادة في التواصل مع بعضها البعض، حيث تؤدي مادة الدوبامين إلى تغيرات قد تكون طويلة المدى على الخلايا العصبية التي تعمل عليها، ولكن مادة الدوبامين نفسها لها تأثير مختلف باختلاف جزء الجسم المخطط المراد فحصه، فتأثير الدوبامين على الجزء المرتبط بالسلوك الموجه  يكون محفزًا، أي أنه ينشئ تغيرات في هذه الخلايا ويجعلها أكثر عرضة للاستثارة و أسرع استجابة عندما تصل إليها الإشارات العصبية في المرة التالية، وهو تأثير مختلف عن عندما يؤثر الدوبامين على المناطق الخاصة بسلوك العادات، ويعود هذا الاختلاف في التأثير إلى أن المستقبلات العصبية التي يعمل عليها الدوبامين في كلا المنطقتين مختلفة و بالتالي يختلف تأثيرها على تلك الخلايا3 ، ووجود الدوبامين هنا يطرح لنا بعدًا آخر لرؤية السلوكين الموجه و الاعتيادي، وتحديدًا في التحول من السلوك الموجه إلى السلوك الاعتيادي.

في تجربة كريستوفر آدامز، وجدنا أننا عندما ندرب الفأر 100 مرة فإن السلوك يكون موجهًا، ولكن حين نستمر في التدريب  إلى المرة ال500 يتحول التدريب من موجه إلى اعتيادي، وقد تحمل مادة الدوبامين تفسيرًا للغز هذا التحول، فأولًا من المعروف أن الجسم يفرز مادة الدوبامين حينما يظن أن شيئًا جيدًا قد حدث ( مثل أن يأكل الفأر قطعة من السكر أو يكتسب المرء مبلغًا من المال) وبالتالي هذا ما يحدث في الجسم تتم مكافأته على سلوك معين، ثانيًا وجدنا أننا عندما نحقن الفئران بمادة تمنع الدوبامين عن العمل، يتوقف الفأر عن القيام بالسلوك الموجه حيث لا يستطيع أن يسعي إلى هذه المكافأة نظرًا لغياب الدوبامين في جسده، ولكن حين نمنع مادة الدوبامين من العمل في المراحل الأخيرة من التدريب حينما يكون الفأر قد اكتسب السلوك الاعتيادي، نجد أن الدوبامين لا يحمل تأثيرًا على هذا النوع من السلوك إطلاقًا، وبالتالي يحمل الدوبامين دورًا متناقصًا أثناء التعلم و التحول من السلوك الموجه الذي تتحكم فيه الجائزة التي يحصل عليها الفأر إلي السلوك الاعتيادي الذي يتم تلقائيًا لدى الفأر لمجرد رؤية المنبه ( او الزر في تجربة أدامز) دون السعي إلى هدف محدد، ويمكن تفسير ذلك بأن الدوبامين يعمل الدوبامين على تقوية الدوائر العصبية المسؤولة عن طريقة التعلم المسماة ب”منبه-استجابة” التي تعمل أثناء السلوك الاعتيادي ويجعلها أكثر استجابة للمنبه في المرة التالية التي يرى فيه الفأر هذا المنبه، ومع ازدياد تقوية هذه الدوائر يصبح احتياجها للدوبامين أقل فأقل، حتى تصل لمرحلة لا تحتاج فيها هذه الدوائر أي محفز آخر لتعمل غير رؤية ذلك المنبه (أو المقبض في تجربة أدامز) ويتوقف اعتمادها على الدوبامين، وتصبح استجابة الفأر لرؤية المقبض غير معتمدة على المكافأة ، اي يصبح سلوكه اعتياديًا5.

وفي الحقيقة أن فهم السلوك الموجه والسلوك الاعتيادي وفهم المواد الكيميائية المرتبطة بكل منهما والمناطق الدماغية المسؤولة عنهم سيوفر لنا مفتاحًا لفهم الكثير من الأمراض مثل اضطراب الوسواس القهري كما سيساعدنا في فهم الإدمان بشكل أفضل، حيث أنه يمكن أن يكون الإدمان ذا بعدين، بعدٌ موجهٌ حيث يسعى المدمن للمكافأة التي تشعره بها المادة التي يتعاطاها وبعدٌ اعتيادي حيث يعود المدمن إلى التعاطي بمجرد أن يذهب للأماكن التي تعاطى فيها قبلًا كنوع من العادة صعبة التغيير.

*الجسم المخطط: Corpus Striatum

**النواة الذنبية: Caudate Nucleus

***البطامة: Putamen

المصادر

  1. CD Adams, “Variations in the Sensitivity of Instrumental Responding to Reinforcer Devaluation”: https://journals.sagepub.com/doi/10.1080/14640748208400878
  2. Sean B. Ostlund and Bernard W. Balleine, “On habits and addiction: An associative analysis of compulsive drug seeking “: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2891067/
  3. Henry H. Yin and Barbara J. Knowlton, “The role of the basal ganglia in habit formation”: https://www.nature.com/articles/nrn1919
  4. Jeffery R. Wickens, Jon C. Horvitz, Rui M. Costa, and Simon Killcross, “Dopaminergic Mechanisms in Actions and Habits”: http://www.jneurosci.org/content/27/31/8181

عدد القراءات (331)

التعليقات

التعليقات

About عبدالرحمن عبدالخالق 1 Article
شابٌ مصري يدرس الطب نهارًا والرياضيات ليلًا ولي اهتمام باللغة وعلم النفس و علوم الأعصاب والفيزياء النظرية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.