ما مدى فاعلية العلاج بالضغط العالي للأوكسجين ؟

العلاج بالضغط العالي للأوكسجين
العلاج بالضغط العالي للأوكسجين

فيديو عربي مترجم لتقرير إسرائيلي حول طريقة العلاج بالضغط العالي (Hydrobaric Oxygen Treatment) للأوكسجين عبر لقاء مع أحد رواد طريقة العلاج هذه وهو الدكتور شاي ايفراتي (Shai Efrati). شكل المكان وحجم المعدات يوحي بمختبر فاخر، أجهزة المراقبة والقياس المختلفة وشاشات العرض، حيث يجلس الناس في أنبوب يبدو كأنه مظهر لمحرك نفاث من الخارج، معدات ضخمة مجاورة لضخ الأوكسجين وفي داخل هذا الأنبوب هناك بضعة كراسي وتتدلى أمامها أقنعة للأوكسجين التي يرتديها الجلوس بينما يقضون إحدى الجلسات العلاجية التي قد تصل للعشرات. لكن لعلاج ماذا؟

العلاج بالضغط العالي للأوكسجين هو تعريض الجسم إلى أوكسجين صافي، بخلاف الهواء الذي نتنفسه الذي يغلب عليه النيتروجين وتصل نسبة الأوكسجين فيه الى 20.9[1]  وبضغط عالي جداً قد يزيد عن ثلاثة أضعاف الضغط الجوي[2]. ويعود تاريخ العلاج به الى عام 1879 حينما استخدم الجراح الفرنسي  فونتاين (Fontaine)  اولى غرف الضغط العالي الجوالة، وفي عام 1928 كان هناك مستشفى على شكل كرة حديدية أنشأت من قبل أحد المختصين بالتخدير، ثم تم الغاء العمل في المستشفى بعد عامين بسبب ضعف الدليل العلمي. وتتراوح المزاعم في تاثير هذا العلاج بين شفاءه للإصابات الدماغية كما يزعم الدكتور ايفراتي إلى معالجة الجروح. مع تقدم الفيديو بدأ تعداد المعجزات التي يقوم بها هذا العلاج بالزيادة، وهنا يأتي السؤال النقدي الذي يجب ان نسأله جميعا عندما تتعدد المعاجز العلاجية لطريقة ما ، هل نحن امام علم زائف ؟ وما هي قوة الدليل العلمي لهذه الطريقة حتى تصبح اكسير الشباب الاسطوري الذي يعيد العجوز ذي ال60 عاما الى ريعان شبابه ، ويعالج الاختلالات الدماغية ومرض السكري والجروح والغرغرينة ؟
هل هذه الطريقة نافعة حقاً ام نحن امام خدعة ، وكما قيل ليس كلما يلمع ذهباً ؟!.

في الواقع إن العلاج بالضغط العالي للأوكسجين له فوائد ملموسة حددتها أبحاث معينة لكنه ليس العلاج السحري وأكسير الشباب والسر للجسم اليافع السليم. بل إنه أيضاً لا يخلو من اضرار. كما أنه ليس بالثورة الحديثة في العلاج حتى نبني عليه آمالاً كبيرة بل وصل الأمر بالعلاج بالضغط العالي للأوكسجين أن تباع حجرات صغيرة يقتنيها الناس في بيوتهم للتعرض للضغط العالي وتأثيراته الشفائية. نذكر من فوائده ما ذكرته بعض الأبحاث[3]:

  • معالجة داء الغوص (decompression sickness) الذي يصيب الغواصين نتيجة تكون فقاعات من النيتروجين في الدم والأنسجة بسبب الضغط العالي وتتراوح أعراضه بين بعض الآلام وقد تصل إلى الشلل وحتى الوفاة، وقد عرف العلاج بالضغط العالي للأوكسجين كعلاج أساسي لهذه الحالة التي تحدث نتيجة الغطس المتكرر أو الغطس العميق جداً في إحدى المرات، كما يصيب داء الغوص رواد الفضاء ايضاً.
  • إنسداد الأوعية الدموية الغازي (Arterial Gas Embolism) حالة مشابهة للحالة السابقة حيث تحدث نتيجة وجود فقاعات غازية في الأوعية الدموية، وتعالج بالأوكسجين ذو نسبة 100% ولا يشترط بالعلاج وجود الضغط العالي[4].
  • التسمم بأحادي أوكسيد الكاربون (Carbon monoxide poisoning) يحدث نتيجة استنشاق أحادي أوكسيد الكاربون بنسبة كثيرة وتصل خطورته الى الوفاة، وتعد 20 دقيقة من العلاج بالضغط العالي للاوكسجين كافية لعلاج حالة التسمم به.
  • معالجة مضاعفات العلاج بالإشعاع على العظام (Osteoradionecrosis) ومنعها.
  • يحسن علاج حالات ترقيع الجلد التي تحدث بعد الحروق أو الجروح الشديدة.

تلك هي النقاط التي لخصها عدة باحثون عام 1998، وقد يقول أحدهم أن ذلك التقييم قديم نوعاً ما، لكن مع جولة في بعض البحوث الجديدة نجد أيضاً:

  • تحسين حالات الموت الخلوي في الجلد (Necrobiosis lipoidica) الشائع كثيراً لدى مرضى السكري[5].
  • ويذكر موقع جون هوبكنز للطب التابع لكلية الطب في جامعة جون هوبكنز أن العلاج بالضغط يساهم في علاج إصابات الانسجة اللينة وبعض الحروق وحالات ترقيع الجلد والجروح المتعلقة بالسكري. كما ويحذر من مخاطر الضغط العالي على الأذن والأنف وكذلك قصر النظر وحالات التسمم بالأوكسجين كما ويحذر من الإصابة بداء الغوص الذي يعاني منه الغواصون والذي تعد طريقة العلاج بالضغط العالي طريقة معروفة لعلاجه[6].

بالمقابل فلن نجد أبحاثاً معتبرة أو حاسمة القول في الكلام عن فعالية للعلاج بالضغط العالي للأوكسجين لتحسين الإصابات الدماغية أو التوحد أو عسر القراءة أو الكتابة أو حالات العته. ذكرت إحدى الدراسات التي أجريت على 168 من المصابين بإصابات الرأس المغلق (Closed head injury) عولجوا بالضغط لمدة اسبوعين وتمت متابعتهم لسنة لاحقة، لاحظ الباحثون أن المصابين الذين تعرضوا للعلاج بالضغط تحسنت نسب نجاتهم بنسبة أكبر عن الذين لم يتعرضوا للعلاج، لكن بالمقابل لم تصنف الدراسة أي من الذين خضعوا للعلاج على أنهم تحسنوا بشكل ملحوظ، وفقاً لتصنيف الدراسة (تعافي بمستوى جيد) و (إعاقة معتدلة) حيث لم يؤثر العلاج بالأوكسجين على هذه التقييمات قبل وبعد الدراسة[7].

يستنكر موقع “الطب القائم على العلم” (Science based medicine) إستخدام العلاج بالضغط على أطفال التوحد، حيث يقول بيتر ليبسون “أن العلاج بالضغط العالي للاوكسجين هو علاج طبي حقيقي، لكن من الحماقة والخطورة أن يتم استخدامه بهذا الشكل على مرضى التوحد” في سياق نقده لظاهرة تبدو منتشرة إلى حدٍ ما عبر حجرات الضغط العالي المنزلية التي يتم شراؤها للأغراض العلاجية[8].

أما وكالة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) فهي لم تعتمد العلاج بالضغط العالي حتى الآن وكتبت في موقعها مقالاً بعنوان “لا تنخدع بالعلاج بالضغط العالي للاوكسجين”، وتذكر “العلاج بالضغط العالي للاوكسجين ليس مثبتاً بشكل سريري ليكون فعالاً لعلاج السكري أو السرطان أو التوحد” كما عددت الكثير من الحالات التي تنتشر بعض المزاعم لعلاجها بالضغط العالي مثل الإصابات الدماغية والشقيقة والايدز والسكري والربو والاكتئاب وأمراض القلب والتصلب المتعدد والباركينسون والجلطات وغيرها[9].

بإختصار، العلاج بالضغط العالي للاوكسجين لن يحسن ذهنك ولن يكون إكسير الشباب المنتظر من الكثيرين كما لن يعالج أي من الحالات المستعصية وأبرز نتائجه تقتصر على علاج بعض الحالات الجلدية والتسمم بأحادي أوكسيد الكاربون ومرض أنخفاض الضغط والفقاعات الدموية وبعض الآلام والإصابات في الأنسجة اللينة. ومن هنا نحذر مرة ثانية من كل علاج يحاول أن يحقق صعوداً تجارياً من العزف على آمال المرضى بالأمراض المستعصية، كما أن رؤية شخص يذكر شهادته في التلفاز على تحسن حالة معينة كان يعاني منها ليس له قيمة في العلم على الإطلاق.

راجعه: علي البهادلي

المراجع

[1] Mallory Malesky, “Minimum Oxygen Concentration for Human Breathing”, sciencing.com, May 31, 2017

[2] Hyperbaric oxygen therapy, mayoclinic.org

[3] Leach, R. M., P. J. Rees, and P. Wilmshurst. “ABC of oxygen: hyperbaric oxygen therapy.” BMJ: British Medical Journal 317.7166 (1998): 1140.

[4] Alfred A. Bove, MD, PhD, Professor (Emeritus) of Medicine, “Arterial Gas Embolism”, Lewis Katz School of Medicine, Temple University, July 2017, msdmanuals.com

[5] Bouhanick, B., et al. “NECROBIOSIS LIPOIDICA\T: TREATMENT BY HYPERBARIC OXYGEN AND LOCAL CORTICOSTEROIDS.” Diabetes 110897.107387b (2017).

[6] Hyperbaric Oxygen Therapy for Wound Healing, hopkinsmedicine.org

[7] Rockswold, Gaylan L., et al. “Results of a prospective randomized trial for treatment of severely brain-injured patients with hyperbaric oxygen.” Journal of neurosurgery76.6 (1992): 929-934.

[8] Peter Lipson, “Is there no end to unscientific treatments for autism?”, October 14, 2008, sciencebasedmedicine.org

[9] Hyperbaric Oxygen Therapy: Don’t Be Misled, FDA

عدد القراءات (298)

التعليقات

التعليقات

About Omar 168 Articles

مهتم بعلم النفس والعلوم الاجتماعية والتقنيات واللغويات يمكن التواصل معي عبر البريد الالكتروني:
omar [at] real-sciences.com

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*