وهم العمل التطوعي: الـ (مجاناً) لها تسعيرة أيضاً

ثمن الـ مجاناً
ثمن الـ مجاناً

يبدو ان الـ (مجانا) لها سعرها لدى الناس. فكما يقول الاقتصاديون (لايوجد غداء مجاني). تجارب كثيرة أثبتت هذا الأمر. التجارب عن طلب مساعدة أشخاص بنقل أثاث بصورة تطوعية او دفع سيارة من دون مقابل او مساهمة المحامين بالترافع المجاني، كلها أدت إلى نتائج رائعة، وقد تقول لنا أننا جنس أخلاقي بكل تأكيد. لكن مع عرض مبلغ صغير، اختلفت النتائج، فالمحامون رفضوا الترافع مقابل مبالغ ضئيلة في نفس الوقت الذي يوافقون فيه على الترافع المجاني او الترافع مقابل مبالغ ضخمة. تخيل لو ان هذا المبلغ سيكون كبير جدا جدا.

قام كل من دان آريلي و جيمس هايمان بعمل تجربة اجتماعية وكانت هذه التجربة متمثلة بوجود برنامج حاسوبي يتضمن دائرة ومربع يقعان في طرفي شاشة الحاسوب. ومهمة عينة الدراسة (الفئة المستهدفة) هي سحب الدائرة ووضعها داخل المربع، وهكذا تظهر دائرة جديدة وايضا يتم سحبها ووضعها داخل المربع وهكذا. لمدة خمس دقائق فقط، كانت عينة الدراسة هي ثلاث مجاميع:

المجموعة الأولى ستحصل على خمسة دولارات لقاء المشاركة في التجربة القصيرة.

المجموعة الثانية ستحصل على 50 سنتا وفي تجربة أخرى 10 سنت لقاء المشاركة.

اما المجموعة الثالثة فالعمل مجانا، فقط هم علموا ان هناك تجربة لعلماء وطلب منهم العمل مجانا ولبوا الدعوة بكل سرور.

وكانت النتيجة ان مجموعة الخمس دولارات، أي تلك التي تقبض أعلى سعر كانت قد سحبت في المعدل (159) دائرة، أما الذين استلموا 50 سنتا فقد سحبوا في المعدل (101) فماذا كانت نتيجة من عمل مجانا ؟ ربما الإجابة البديهية ستكون بأنهم أقل المجاميع، لان البديهة تقتضي أن المجاناً ان لم يكن قيمة خالية فهو بكل تأكيد أقل من أي مبلغ يعطى لأي عينة تشارك في دراسة إجتماعية.

الا ان الامر خلاف هذا فقد اظهرت الدراسة ان المجموعة التي عملت مجانا سحبوا كمعدل (168) دائرة. ذلك الرقم أكبر بكثير من مجموعة الـ 50 سنتاً وأكثر بقليل من مجموعة الخمس دولارات.

إذن، ما هو تفسير الـ (مجاناً) في هذه التجربة؟ هل فعلا ان العمل التطوعي يؤتي بنتائج أكثر من العمل بسعر معقول. وليس فقط سعراً مرتفعاً جدا. لاني على يقين لو ان التجربة شملت مجموعة رابعة مقابل مبلغ من المال لقاء كل دائرة فالحافز هنا سيؤدي إلى عمل دؤوب أكثر لوضع أكبر قدر ممكن من الدوائر داخل المربع.

لم يعمل أحد على حد علمي تجربة كهذه، أي عرض مبلغ ضخم، لكنني شخصيا جربته على عينات لا بأس بها. (لم استخدم أسلوب الاستبيان لمعرفتي بان أجوبة العراقيين تختلف عن سلوكياتهم بل قمت بإجراء مقابلات ولم أوحِ للطرف الاخر اني اقابله، وقياس المقابلة وإزالة نسبة الخطأ مذكور في المقال الأصلي) والان ساشرح التجربة والمغزى منها. بمثال خيالي لكن نتيجة المثال حقيقية من التجارب السابقة.

تخيل لو انك تسير في الشارع وعرض عليك صاحب سيارة أجرة ان تساعده في دفع سيارته التي تعاني من عطل وبالطبع ستساعده دون مقابل فقط سيقدم لك عبارة شكر. إجابتك ستكون بالتأكيد متجهة غالباً نحو مساعدة سائق السيارة. تخيل لو عرض عليك دولاراً مقابل مساعدته وقال ادفع معي واعطيك هذا الدولار (ألف دينار عراقي). هنا أغلب الإجابات ستتجه نحو رفض مساعدة الشخص، لكن تجربتي لا تقف هنا، فالسؤال الآخر، ماذا لو أعطاك 1000 دولار أو 10000 دولار؟ أغلب الإجابات هنا اتجهت نحو الموافقة على مساعدته ثانيةً، إذن اخلاقياتنا تقبل العمل المجاني وترفض العمل مقابل دولار واحد وتقبل الألف دولار. الـ (مجانا) إذاً، سعرها اعلى من دولار واحد لكنها اقل من الألف دولار. هل يمكن معرفة كم تساوي الـ (مجانا) بالضبط ؟ نعم يمكن ذلك لكن نحتاج إلى تجارب دقيقة ومدروسة بعناية.

سالت احدى المؤسسات بعض المحامين ان كانوا يستطيعون توفير خدمات ارخص لمتقاعدين بحاجة لها مقابل 30 دولار للساعة فرفض المحامون العرض. ولكن مدير برنامج هذه المؤسسة خطرت في باله فكرة بارعة فسأل المحامين ان كانوا سيوفرون خدمات مجانية للمتقاعدين فوافق المحامون بنسبة ساحقة.

فكيف يكون الصفر من المال أكثر جاذبية من 30 دولار وأعلى سعرا بحيث يكون مقياس لبذل جهد هؤلاء المحامين.

تجربة لدان اريلي سال المارة ان كانوا سيساعدونه في تحريك أريكة من شاحنة. الناس كانوا مستعدين للعمل مجانا ومستعدين للعمل بأجر معقول ولكن ما ان تم عرض عليهم مبلغا صغيرا حتى كانوا يتركونه ويذهبون.المبلغ الكبير يعتبر أجراً مقابل خدمات تقدم لصاحب المبلغ، اما لو كان المبلغ تافهاً فالأمر ينظر اليه من زاوية اخرى.

في السبعينات أجرى الباحثون دراسة وتجربة وعرفوا من خلالها ان الناس التي تتبرع بالدم تكون أكثر استجابة للتبرع حينما يكون التبرع مجانا ولكن حينما يقدم لهم اعطية صغيرة لقاء تبرعهم بالدم يتجهون للتبرع بدم اقل. الأعطية حولت العمل النبيل من الإحسان إلى طريقة مؤلمة للحصول على بضعة دولارات.

سالت أشخاص كثيرون إذا ما وجدوا مبلغاً داخل سيارة وكانوا يعرفون ان صاحبه قد نزل من السيارة منذ فترة طويلة. هل سيأخذون المبلغ؟ وفق هذه المعطيات البسيطة الاغلبية قالوا أنهم سيبحثون عن صاحب المبلغ او سيسلمون المبلغ لصاحب السيارة ليتكفل به. حصلت على نفس الإجابة حينما قلت ان المبلغ هو 10 الاف دينار عراقي (ما يساوي أقل من 10 دولارات وما يساوي أقل من كيلو لحم تقريبا). لكن الإجابة اختلفت حينما وصل المبلغ الى المليون دينار واختلفت جدا حينما وصل المبلغ الى الخمسين مليون دينار.

النتيجة ان اخلاقنا لها سعر معين كمحصلة وانا هنا لا اعمم لاني حصلت على إجابات من اشخاص رفضوا اخذ المبلغ مهما كان كبيراً (ربما ينتظرون خروج الكاميرا وبرنامج الصدمة!).

الأشخاص الذين يبحثون عن صاحب المال بمجهولية المال. ومن ثم يقل عددهم حين يعلمون كم المال الموجود ومن ثم ينخفض عددهم كثيرا حينما تزداد قيمة المال الموجود ومن ثم لايبقى أحدٌ تقريبا الا القليل جدا، حينما يكون المبلغ هو (مبلغ العمر) ومصطلح مبلغ العمر هو ذلك المبلغ الذي يقلب حياتك بحيث لاتحتاج إلى أي أموال بعده طيلة حياتك. توفر لك بيت وسيارة وجواز عابر للقارات والخ. الآن نعلم لماذا بعض الاشخاص كان يتعفف ولا يأخذ أي أموال حينما كان موظفا بسيطا، وبقي هكذا حينما تسلم مهام إدارية صغيرة، لكنه يختلس حينما يتعامل مع مبالغ كبيرة، منظومته الأخلاقية لا يمكنها ان تتعامل مع مبلغ اكبر منها. لو كانت منظومته لا تتجاوز المليار فلا يمكن ائتمانه على العمل بموازنة فوق المليار دولار إلا مع منظومة رقابية صارمة تأخذ نتيجة هذا البحث بعين الاعتبار.

بالتالي ان أخلاقياتنا ومنظومتنا التي تخطيء وتصوب الأشياء لها قيمة محددة. تتعامل مع اموال قليلة ولا يمكن ان تعمل مع اموال كبيرة جدا. الا القليل من الناس. من حسن الحظ انه يمكن تغير هذا الامر من خلال معرفة كم سعر الاخلاق لديك وزيادة السعر الى حد عالي جدا بوسائل كثيرة، لا تشمل تلك الوسائل الوعظ والإرشاد او لافتات واعلانات الرقابة الضميرية منها او التأنيب الأخلاقي، لأن الأخلاق لاتفقد انما تتحول إلى شيء بمقياس جديد فلا السارق يقول عن نفسه أنه غير أخلاقي ولا مفجر أسواق الكادحين بل طرق لزيادة الأخلاق بالتدريب على التعامل مع مبالغ كبيرة شيئا فشيئا مثل التدرج الوظيفي وازدياد الأخلاق بواسطة منظومة قوية وصارمة من طرق الرقابة والنزاهة، واقتراحي هنا ليس ان النظام الرقابي يمنعك من السرقة، بل يحصنك منها ونحن بلا قانون يعامل الجميع سواسية، أحياناً نحن أقرب إلى إنسان الكهف إلا ما استثني من الأشخاص الرائعين والذي لايخلو منهم مجتمع.

إذا إستطعنا كتابة معادلة لقياس الأخلاق لدى البشر، بهذا يمكننا ان نعرف من يمكنه تحمل مسؤولية العمل وفي ذمته الإدارية المبلغ الفلاني الذي يعمل به كل يوم ولا يمكن ان يعمل مع مبالغ اعلى لان منظومته الأخلاقية لا تكفي ومن يمكنه ان يتحمل منصباً ادارياً يتعامل مع مبالغ طائلة تقدر بإمكانيات الدولة ويمكننا ان نعرف المرشحين للدورات الانتخابية هل هم صادقون بأنهم يمثلوننا على أموالنا؟.

إذن لماذا نستجيب مع المجانا بصورة أكثر حافزية من المبالغ الصغيرة وبصورة دؤوبة ان كان المبلغ يستحق ؟

يمكن تقديم نظريتين للإجابة عن هذا التساؤل :-

النظرية الأولى :- نظرية ثنائية السوق والمجتمع وذكرها دان آريلي في كتابه لاعقلانية متوقعة الفصل الرابع:

يقترح كل من مارغريت كلارك، وجدسون ميلز، والان فيسك أننا نعيش في عالمين مختلفين، الأول حيث تسيطر معايير المجتمع والثاني تصنع معايير السوق القواعد، تتضمن معايير المجتمع تلك الطلبات الودية التي يقوم بها بعض الناس للبعض من قبيل سؤالهم هل تساعدني في تحريك أريكة؟ هل تساعدني في تغيير العجلة؟ فهذه المعايير الاجتماعية موجودة في طبيعتنا الاجتماعية وفي حاجتنا للجماعة وهي في العادة دافئة وناعمة، ورد الجميل ليس مطلوبا حتى، فحينما تساعد شخصا في تغيير عجلة سيارته لايعني ان تنتظره يوما ليساعدك بصورة مباشرة، انه مثل فتح الباب وتقديم شخص آخر ليعبر قبلك فهذا السلوك يعطيك تلك المساعدة الآنية. والعالم الثاني محكوم بمعايير السوق (دراسة التكاليف ومعرفة المنافع) فلا شيء دافئ وناعم فيه، فالتبادلات مطلوبة كالرواتب والأسعار والايجار والفائدة والكلف والمنافع. علاقات سوق كهذا ليست شريرة بالضرورة فهي تتضمن الاعتماد على النفس والإبداعية والفردانية ولكنها تؤدي إلى منافع وأجور اجلة.

يرى أصحاب هذه النظرية ان المبلغ حينما يكون كبيرا فإننا ندرسه بواسطة معايير السوق وليس بواسطة معايير المجتمع.

النظرية الثانية : نظرية الضمير وهي اضافة للنظرية الأولى ولا تعارضها، واميل شخصيا لهذه النظرية كإضافة مهمة للاولى، وملخصها ان العمل المجاني هو عمل نابع من ضمير حر للمبادرة لمساعدة شخص ما، وحينما يقدم لنا مبلغا تافها فإن هذا يمثل تشويه لضميرنا وارداتنا المنفردة لتقديم العون للآخرين، ويعتبر الامر بمثابة إهانة لسولكياتنا وهذه الأمور المعنوية داخل نفسيتنا لها سقف ما، فحينما يتحول المبلغ من مبلغ تافه الى مبلغ معتد به فإننا سنبادر للقبول كمعدل ليس كعقد أخلاقي بل كعقد لتبادل الخدمات بالنقود.

مصادر التجارب في هذه الورقة.

  1. كتاب لاعقلانية متوقعة :القوى الخفية التي تشكل قراراتنا، تأليف دان آريلي ترجمة حيدر راشد (الفصل الرابع )
  2. كتاب الاقتصاد العجيب : تأليف ستيفن د.ليفيت.
  3. تجارب اجتماعية مع اشخاص اصدقاء وغرباء بواسطة أسلوب دراسة الحالة والمقابلة غير المعلنة.

عدد القراءات (680)

التعليقات

التعليقات

About محمد عبدالزهرة 3 Articles

من مؤسسي العلوم الحقيقية، درس القانون واللغة العربية وله اهتمام بالعلوم والمنهج العلمي ومساهم في ترجمة وتنسيق الكثير من الوثائقيات والمقالات.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*