التحفيز العصبي هو تسمية للتقنيات التي تغير من نشاط عصب معين أو منطقة معينة في الدماغ من خلال الاستهداف بمحفز كهربائي أو كهرومغناطيسي. كان آخر ما سمعنا به من هذه الأجهزة على نطاق واسع في الإعلام هو شريحة نيورالينك حيث كانت تلك المرة الأولى التي يتعرف بها كثيرون على تقنية كهذه. غير أن للتقنية تاريخ طويل يرجع إلى الخمسينات وهناك استخدامات عديدة لها سواء على المستوى البحثي أم على المستوى العلاجي.

في عام 2010، زُرع جهاز صغير في الحبل الشوكي لرجل يعاني من مرض تشاركوت-ماري-توث Charcot-Marie-Tooth، وهو مرض يصيب الجهاز العصبي المحيطي ولا سيما الاعصاب في الاطراف السفلى مسبباً آلاماً دائمة. عمل هذا الجهاز على تحفيز الحبل الشوكي مؤديًا إلى قطع اشارات الألم قبل أن تصل إلى الدماغ واستبدالها باشارات أخرى مشابهة والتي لن يفسرها الدماغ على أنها ألم. تحسن الرجل كنتيجة لذلك وتحسنت حالته وانخفض الألم لديه إلى حد كبير نتيجة لتلك التقنية.[1]

لا ترجع الفكرة بتلك التقنية لتلك السنة، بل إلى عام 1965 ضمن ما يعرف بنظرية البوابة (gate theory)، والتي تنص على أن المحفز غير المؤلم من الممكن أن يغطي على المحفز المؤلم حيث توجد حالتان وفق هذه النظرية وتبعاً لذلك فقد تم تطبيق الفكرة لأول مرة على مرضى السرطان الذين وصلوا لحالات انتشار واسعة للمرض في أجسامهم ونجح ذلك التطبيق في حينها. [2]

الصنف الآخر الشهير من التحفيز العصبي والذي بدأ في التسعينات هو تحفيز العصب التائه (vague nerve) (أو المبهم). والعصب التائه تنطبق تسميته على مساره في الجسم حيث يعد العصب الوحيد الذي ينطلق من خارج الدماغ حتى الجهاز الهضمي. وينقل العصب التائه إشارات هامة تخص أمور كثيرة كالنبض وحركة الأمعاء والنطق والتعرق. ونظراً لطبيعة العصب التائه من حيث تعدد وظائفه العصبية ومساره الآتي من الدماغ الى أجزاء الجسم دون المرور بالحبل الشوكي فقد كان من الممكن تجربة أمور عديدة لتحفيزه مثل معالجة نوبات الصرع (رغم أن التفاصيل حول ذلك كثيرة حول مدى نجاح الحل)[3]، وحالات الاكتئاب التي تعذر علاجها بالأدوية[4] والطنين [5]. كما تؤثر بعض الأفعال مثل حبس الأنفاس وتغطيس الرأس بالماء المثلج على عمل العصب المبهم (لعل هذا يستخدم كبوابة للكثير من الادعاءات غير المثبتة حول طرق معينة للمساج والتنفس).

الرؤية الاصطناعية (visual prosthesis) هي مجال آخر من مجالات التحفيز العصبي والتي يتم التحفيز فيها ببعض الحالات على القشرة البصرية (visual cortex) (في حالات أخرى يجري العمل على الشبكية). هناك مبادئ عديدة وتجارب وطرق مختلفة للتحفيز العصبي للقشرة البصرية كما أن هناك تجارب ناجحة كثيرة وممارسات وإجراءات قيد الموافقة لدى الهيئات الطبية العليا مثل هيئة الدواء والغذاء الأمريكية.

أما تحفيز مناطق معينة في الدماغ فهو ما يعرف بالتحفيز الدماغي العميق (deep brain stimulation) فهو المجال الأكثر صعوبة وتعقيداً وسعة فيما لو قارناه بالممارسات السابقة. في العام 1966 أجريت تجربة بسيطة حول مرضى الباركنسون وكانت لتحديد الضرر في الدماغ ولم تكن مطابقة للمفهوم الذي نصفه الآن حول التحفيز العصبي، لكنها مع ذلك تعتبر الأولى من هذا النوع. ثم جرت في السبعينات تجارب عديدة للتحفيز الدماغي العميق لأمراض الحركة وللصرع، حينها كانت طريقة توصيل التيار الكهربائي تتم عبر الجلد وتضفى سطحياً على القشرة الجبهية كما كانت تأتي بنتائج جيدة للمرضى، لكنها تركت بعد حين إذ لم يثبت عبر التجارب المعماة أنها تأتي بنتائج حقيقية. ثم كانت أبرز نتائج التحفيز العصبي العميق قد طبقت وتم إقرار استخدامها في التسعينات لاسيما في منظم ضربات القلب.[6]

إحدى الحالات البارزة للتحفيز الدماغي العميق تتمثل بتحفيز النواة الأمامية للمهاد (Anterior Nucleus of the Thalamus) ويختصر (ANT) لمعالجة حالات الصرع (تحديداً لتخفيف نشاط النوبات).[7] كما نجد تطبيقات عديدة لمعالجة الرعاش (Essential Tremor) الباركينسون، خلل التوتر العضلي (dystonia)، متلازمة توريت، وحتى الاكتئاب.

من بين أسئلة كثيرة حول التحفيز العصبي مثل آلية عمله بالضبط، وآخر ما وصلنا إليه في كل تقنية، والمحددات بوجه تقنيات التحفيز العصبي، سنحاول أن نركز على الأخيرة فحسب، حيث نجدها أكثر فائدة في كبح المزاعم الباطلة وتصحيح التصورات حول توجهات العلم وطبيعة عمله وهذا يعد أقرب لعملنا في موقع العلوم الحقيقية. أول تحدي للتحفيز العصبي العميق لمعالجة المتلازمات النفسية وغيرها من المشكلات في الدماغ هو التداخل والتشعب بين الدوائر المختلفة في الدماغ. التحدي الثاني هو صعوبة الحصول على المرضى الذين يوافقون أو توافق الجهات الصحية على انخراطهم في التجارب لتطوير تلك الأساليب العلاجية، ففي حالة بعض الأمراض التي تستعصي معالجتها بالأدوية مثلاً هناك صعوبة في الحصول على تعريف موحد يضع المريض ضمن تلك الفئة مما يستدعي طرق جديدة لمعالجته. أيضاً فإن بعض الحالات قد تكون متباينة بشكل كبير مثل الاكتئاب فليس لها أماكن محددة واضحة في الدماغ ليتم استهدافها. فضلاً عن تلك التحديات فإن هناك الحواجز الأخلاقية التي تمنع القيام بالعديد من التجارب وهناك المخاطر أيضاً فنحن لا نتعامل هنا مع شيء يمكن التراجع عنه أو تصحيحه إذا ما حل خطأ ما.

المراجع:

[1] Skaribas, Ioannis M., and Stephanie N. Washburn. “Successful treatment of Charcot-Marie-Tooth chronic pain with spinal cord stimulation: a case study.” Neuromodulation: Technology at the Neural Interface 13.3 (2010): 224-228.

[2] Gupta, Mayank, et al. “A retrospective review of lead migration rate in patients permanently implanted with percutaneous leads and a 10 kHz SCS device.” Pain Research and Management 2021 (2021).

[3] Zagon, Aniko, and Andras A. Kemeny. “Slow hyperpolarization in cortical neurons: a possible mechanism behind vagus nerve simulation therapy for refractory epilepsy?.” Epilepsia 41.11 (2000): 1382-1389.

[4] Sackeim, Harold A., et al. “Vagus nerve stimulation (VNS™) for treatment-resistant depression: efficacy, side effects, and predictors of outcome.” Neuropsychopharmacology 25.5 (2001): 713-728.

[5] De Ridder, Dirk, et al. “Safety and efficacy of vagus nerve stimulation paired with tones for the treatment of tinnitus: a case series.” Neuromodulation: Technology at the Neural Interface 17.2 (2014): 170-179.

[6] Perlmutter, Joel S., and Jonathan W. Mink. “Deep brain stimulation.” Annu. Rev. Neurosci. 29 (2006): 229-257.

[7] Kerrigan, John F., et al. “Electrical stimulation of the anterior nucleus of the thalamus for the treatment of intractable epilepsy.” Epilepsia 45.4 (2004): 346-354.

راجعه علمياً: عصام منير

عدد القراءات (1418)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.