اشتهر مؤخراً شخص صيني يُعرف بالبروفيسور جيانغ، واسمه الحقيقي شيويه تشين جيانغ (Xueqin Jiang)، وقد أطلق عدة تنبؤات، منها هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ودخول القوات الأمريكية إليها برياً، وضرب المسجد الأقصى وهدمه من قبل الإسرائيليين مع إلقاء اللوم على إيران. لكن لماذا نناقش هذا في موقع العلوم الحقيقية؟ السبب هو أن جيانغ لا يطرح رؤيته كتحليل سياسي، بل كـ ‘نظرية علمية’ مستنداً إلى نظرية الألعاب، وإلى الهيئة التي يطرح فيها توقعاته وأقواله بأنها ضمن بيئة أكاديمية. وهو بذلك اما ان يكون اكاديمياً أو باحثاً أو عالماً أو أنه يطرح تخميناته معطياً إياها صبغة اكاديمية او علمية زائفة.
من هو البروفيسور جيانغ؟
بالنظر إلى صفحته الشخصية على موقع “لينكد إن” (LinkedIn)، نجد أن شيويه تشين جيانغ درس الأدب الإنجليزي في جامعة “ييل” في نهاية التسعينيات، ثم عمل مدرساً في مدارس عديدة في الصين، ومحرراً في فرع “نيويورك تايمز” بالصين لمدة سنة واحدة. وفي مقال يعود لعام 2014، نجد أنه مُعرَّف كمختص في شؤون التعليم في الصين، دون أي إشارة لكونه خبيراً سياسياً أو بروفيسور.[1] يذكر المقال أيضاً أنه هاجر مع والديه إلى كندا منذ صغره، ويقول هو إنه عاش هناك منذ كان في السادسة من عمره، رغم أن لهجته لا تبدو كلكنة شخص كندي.
في مقال ويكيبيديا عن جيانغ مكتوب أنه صور فيديوهات لصالح قناة أمريكية بما يخالف التعليمات في الصين فتم اعتقاله ليومين ثم اطلق سراحه. يبدو أنه عاد للصين بعد ذلك بشكل طبيعي، ثم يبدو أنه خرج وصار معارضاً حيث لديه مقال على موقع CNN يصف فيه الاعلام الصيني بأنه يتسبب بالطغيان والفساد.[2] في احدى محاضراته يقول أن الشيوعية هي مؤامرة رأسمالية ولا ندري إن كان لذلك صلة بمواقفه من الصين.
مبدئياً، ليس البروفيسور جيانغ بروفيسوراً وهو لا يحاضر في جامعة وإن كان له باع في مجال فهو التعليم حيث عمل في التدريس والمدارس لقرابة 20 سنة. معظم الفيديوهات التي يقدمها أو “المحاضرات” هي لثلة من اتباعه وليست ضمن مؤسسة اكاديمية كما يحاول أن يعطي انطباعاً.
علامات المحتال في التنبؤ السياسي
اشتهر جيانغ بعد نشره فيديو في عام 2024 ادعى فيه عودة ترامب للسلطة ومحاربته لإيران. لفتت هذه “النبوءة” أنظار مواقع مؤثرة إليه، وهو أمر يركز عليه جيانغ أكثر من تفاصيل أطروحاته. يزعم جيانغ أنه يفهم التاريخ للتنبؤ بالمستقبل، واضعاً لقناته على يوتيوب عنوان “التاريخ التنبؤي” (Predictive History).
قدم جيانغ تنبؤات بـ نعم أو لا حول أحداث كبيرة رئيسية لا جواب ثالث لها، فمع كل التصعيد الذي تقوم به الولايات المتحدة ضد إيران لأكثر من عشرين سنة يمكن أن يطرح السؤال عشرات المرات ويمكن الإجابة عنه في كل مرة بنعم أو لا. وهكذا الحال حول صعود ترامب للرئاسة فنحن لم نكن نتحدث عن 50 مرشحاً بل عن الاختيار بين ترامب وكامالا هاريس. هذه لا تعتبر تنبؤات في معايير السياسة. يمكن أن نأتي بأي شخص لا يعلم أي شيء أو مجرد أن نرمي قطعة معدنية ونقرر بمجموعة من لا ونعم حول مجموعة من الاحتمالات. استخدام لغة فضفاضة ومعايير أكثر فضفاضة مثل من سينتصر في هجوم أمريكا على إيران يعطي لجيانغ مخارج كثيرة.
يشرح فيليب تيتلوك، في كتابه عن المتنبئين الخارقين (superforecasters)، خصائص تلك الفئة. وفيليب تيتلوك مختص بعلم النفس السياسي تم تكليفه كجزء من مجموعة علماء بإعداد برنامج لتحسين تنبؤات ضباط وكالة المخابرات الأمريكية. وهو مدير مشروع الحكم الجيد (the good judgement project) المختص بصقل مهارات التنبؤ. فما هو التنبؤ الذي يتكلم عنه فيليب تيتلوك؟ فيما يلي نقاط بسيطة يمكن من خلالها معرفة من يتنبأ سياسياً بشكل جيد (من تفوق نسبة صحة توقعاتهم الـ 60%)[3]:
- يجب أن يعطي المتنبئ نسبة لما يرى أنه سيحدث. يقول تيتلوك أن كل من يتكلم بقطعية (100%) لم يكن ضمن المتنبئين الجيدين وكان من بين الاسوء. المتنبئين الجيدين في أجهزة المخابرات يعطون نسب. يقول مثلاً إن المحلل الذي حدد موقع أسامة بن لادن كان يعطي مجموعة من النسب لفترة حول تحليله بأنه في المكان الفلاني حتى تجاوز التسعين بالمئة وتم ضربه. المحلل الجيد يجب أن يعطي نسباً وأن يكون قادراً على شرحها بشكل دقيق.
- يجب أن يشرح المتنبئ ما يقوله وفق أسس واضحة خاضعة للقياس لا أن يرهن مصداقيته “اذا لم تضرب إسرائيل الأقصى فلا تتابعوني ولن أتكلم بالسياسة” كما يقول جيانغ. يجب أن يشرح المتنبئ مثلما يجب على الطالب شرح طريقة الحل في الفيزياء والكيمياء بدلاً من كتابة الاجابة. تجزئة القرار الكبير إلى أجزاء صغيرة وإلى احتماليات هو ما يقوم به هؤلاء. لا نرى أي من ذلك لدى جيانغ. تخيل أنك تشتري بنطالاً فيشرح لك أحد البائعين عن جودة القماش بالتفصيل ويقدم لك أدلة على كلامه، مقابل بائع يقول لك لا تشتري مني مرة أخرى ان حدث شيء لبنطالك، لكن أعدك فإن هذا افضل بنطال في العالم.
- التنبؤ السياسي ليس مثل نبؤات العرافين فالمتنبئين الخارقين الذين تعرف عليهم تيتلوك لم يكونوا يستمعون لصوت الكون أو لصوت كائن اعلى يوجههم مثل جيانغ، بل يقوم هؤلاء بوضع قوائم وجداول ومنطق لكل تنبؤ يقومون به ويقومون لاحقاً بالمراجعة لماذا فشلوا ويضمنوا معايير خطأهم في الحسابات القادمة. عقلية النمو (growth mindset) هي جزء من سلوك المحللين الجيدين.
- وجد تيتلوك أن هناك صفة للمتنبئين الخارقين وهو أنهم يعاملون تحليلاتهم بذهنية منفتحة لا بتعجرف وتمسك بالقرار. كما يغير هؤلاء تحليلاتهم باستمرار وفقاً للمعطيات. لنقل أن جيانغ كان صائباً، فما كانت معطياته حين تنبأ بالحرب على إيران؟ هناك الكثير من الترهات حول التنظيمات السرية التي يتكلم عنها لكن لا تحليل حقيقي يقول لنا لماذا إيران.
- الاعتماد على البيانات والأرقام جزء أساسي من المتنبئ الجيد في السياسة.
الهراء لدى البروفيسور جيانغ
أحد من لفتوا الأنظار لجيانغ مع صفة “خبير” هو بيرس مورغان. وبيرس إعلامي بريطاني مثير للجدل لكنه ليس بمقام أن يعطي مكانة لشخص بأن يصبح خبيراً بنظرية الألعاب. يذكرنا هذا بالشهرة التي أعطاها جو روغان لجوردان بيترسون حتى أن شهرة بيترسون الإعلامية رفعت من قيمة كتاباته أكاديمياً. (إقرأ: جوردان بيترسون ذو الأوجه المتعددة للتضليل) هل نحن امام ظاهرة مشابهة؟ ربما اسوء بكثير.
أضاف جيانغ لتوقعاته لاحقاً بأن أمريكا ستخسر في الحرب وأن إسرائيل ستضرب المسجد الأقصى مستشهداً بفكرة نشرها رجل دين متطرف إسرائيلي يدعو لضرب الأقصى ثم لوم إيران على ذلك. لكن أين التنبؤ في كل ما يقوله جيانغ وما هو الأساس الذي يجعله، كما يدعي، شخصاً مختلفاً عن العرافين وعن من يرمي النرد ليحزر ما سيحدث؟ مبدئياً يستند جيانغ إلى طريقة خيالية وهي التاريخ النفسي (psychohistory) وهي مبدأ ذكره إسحاق عظيموف في قصة خيالية عن طريقة للتنبؤ بالمستقبل وليس تخصصاً أكاديمياً. في الحقيقة إن جيانغ لا يزعم حتى أنه يحلل المعلومات بل أنه يرمي التخمينات مستمعاً لصوت الكون أو لصوت أعلى ينقله للناس في محاضراته.
“كل ما تم تعليمه لك في المدرسة هو خطأ”، “هناك تاريخ سري” كيف عرفت به يا جيانغ؟ “التاريخ الروماني ملفق” لكنه يستند إلى التاريخ الروماني في إثبات ما يقول! ينفي جيانغ مثلاً الحروب البونية وغزوة حنيبعل من تونس إلى روما رغم الأدلة التاريخية حولها لكنه يفتقر حتى للمعرفة بتلك الأدلة. بالنسبة لجيانغ أيضاً “نظرية التطور خاطئة”. فضلاً عن مزاعمه بأنه متصل بقوة عليا! لا يتعامل جيانغ بتحليل تاريخي للأحداث والحقائق بل بتحليل تخميني (speculative analysis) على حد قوله. “الكون يتواصل معي لكي أستطيع التواصل مع الآخرين”. [4]
ينخرط جيانغ بعالم من التفسيرات حول الآلهة القديمة ورمزياتها والعلوم الزائفة حول الأهرام ويدمجها بمعلومات زائفة من علم النفس. فمثلاً يستغرق بالشرح كيف أن الفرعون يتم التحكم به من خلال الكهنة في شيء لم يذكره أي دليل ولا أي نص ولا أي عالم في مجال المصريات مهما تباينت آراءهم واختلفوا.
أما حديث جيانغ عن نظرية الألعاب فهو هراء آخر. لو قرأت اساسيات نظرية الألعاب فستجد هناك أطر معينة وقواعد لا يلتزم بها جيانغ ولا يشرحها. أول شيء في نظرية الألعاب هو النمذجة الرياضية. لا يمكن أن تقول أنك تتكلم بنظرية الألعاب وليس لديك أي أرقام تتحدث عنها. كل ما يفعله جيانغ هو وصفه لبعض المعايير غير القابلة للقياس مثل “الغرور” أو “العصبية” وهذه من أسس تحليله والتي لا ضير من مناقشتها لكن ليس أن نقول أنها نظرية الألعاب. هذا تزييف آخر.
ربما إن مستوى الهراء على الطرف الآخر: الإدارة الأمريكية، وجهل الدوافع التي تحرك القرارات والحروب هي السبب في صعود دجالين مثل جيانغ وكأن ذلك مستوى من الهراء هو لغة العالم حالياً. وربما يجب أن نتساءل أيضاً في عالم تخضع فيه السوشيال ميديا لحكم أطراف معينة بدلاً من حكم خوارزميات المشاهدة: لماذا ظهر جيانغ ولماذا اشتهر؟
[1] Ian Johnson, Solving China’s Schools: An Interview with Jiang Xueqin, April 8, 2014 https://www.nybooks.com/online/2014/04/08/china-school-reform-jiang-xueqin/
[2] Jiang Xueqin, China’s media enables tyranny and corruption, CNN, November 23, 2017
[3] Tetlock, Philip E., and Dan Gardner. Superforecasting: The art and science of prediction. Random House, 2016.
[4] Archaeology with Flint Dibble, “Debunking the Fake Historian Taking Over the Internet: Professor Jiang’s Predictive History”, URL: https://www.youtube.com/watch?v=tSiS-8Msn1I

