المحامية نور جواد الدليمي
في عام 2024، وقف رجل بالغ أمام محكمة الأحوال الشخصية في إحدى اقضية محافظة ديالى/جمهورية العراق وهو يحمل في يده دعوى غير مألوفة، لا في توقيتها ولا في موضوعها. كان يطلب من المحكمة أن تثبت نسبه إلى رجل توفي عام 2006، وأن تحكم له بان المرأة الحاضرة في قاعة المحكمة بوصفها والدته التي أنجبته على فراش الزوجية، لكنه لم يُسجَّل – قد تكون الاوضاع الامنية المتردية في ذلك الوقت سبباً في عدم تسجيل هذا الابن – كابن لذلك الزوج قبل وفاته. وبغياب الوثائق التقليدية التي تثبت البنوة، وجدت محكمة الاحوال الشخصية في هبهب صعوبة في قبول الدعوى، فحكمت بردّها، معتبرة أن الإثبات غير ممكن ضمن الوسائل المتاحة. بدا الأمر – وفق أدوات الإثبات القديمة – مغلقاً من الأساس.
غير أن القضية تغيّرت تماماً عندما وصلت إلى محكمة التمييز الاتحادية، حيث رأت المحكمة – وهي جهة طعن بالاحكام عليا بالاحكام التي تصدر من المحاكم الادنى مثل محكمة الاحوال الشخصية – أن ما قامت به محكمة الاحوال الشخصية غير صحيح، لأن التقرير الطبي العدلي المرفق في اضبارة الدعوى أشار صراحةً إلى إمكانية إجراء فحص البصمة الوراثية باستخدام نموذج مأخوذ من بقايا المتوفى نفسه، وتحديداً قطعة من عظم الفخذ بطول 15 سم، وأربع أسنان علوية خلفية، وهي عينات كافية لإجراء فحص وراثي يمكن أن يحسم صلة النسب بشكل علمي قاطع. وبناءً على ذلك قررت محكمة التمييز الاتحادية نقض الحكم واعادة الدعوى الى المحكمة لاجراء لاتباع ما ورد في قرارها، وهو ارسال الابن والعينات للفحص الوراثي وهكذا أعادت محكمة التمييز الاتحادية فتح بابٍ ظنّ الكثيرون أنه أغلق إلى الأبد.[1]
هذه القضية ليست مجرد واقعة قانونية؛ إنها مثال حي على كيف أصبحت المعلومات حول الجينات تفرض حضورها داخل المحاكم، وكيف يمكن للعلم أن يعيد تشكيل الحقيقة بعد سنوات طويلة من وفاة الأشخاص الذين تدور حولهم الدعاوى.
ولكي نفهم كيف وصلت قاعات المحاكم إلى هذا الحد من الاعتماد على البيولوجيا، علينا أن نعود إلى عام 1984، عندما طور العالم البريطاني أليك جيفريز تقنية البصمة الوراثية، وهي التقنية التي أحدثت ثورة في علم الوراثة الجنائي. فقد لاحظ جيفريز أن أجزاء معينة من الحمض النووي تختلف بصورة كبيرة بين البشر، خصوصاً في المناطق غير المشفرة (Non-coding regions) من الكروموسومات، وأن هذه الاختلافات يمكن استخدامها لتمييز الأفراد بدقة تقارب اليقين التام، حتى بين أفراد العائلة الواحدة، وحتى من خلال بصيلة شعر واحدة أو جزء صغير من نسيج العظم. ومنذ ذلك الوقت تحولت تقنية البصمة الوراثية إلى واحدة من أقوى الأدلة العلمية في إثبات النسب ونفيه، وفي تحديد هوية الجثث، وفي كشف الجرائم، وفي حلّ نزاعات طال انتظارها.[2]
لكن السؤال الأكثر تعقيداً الذي يواجه الناس والمحاكم اليوم هو: كيف يمكن إثبات النسب بين شخص حي وشخص ميت منذ سنوات طويلة؟ وكيف يمكن استخراج معلومة وراثية موثوقة من عظم مدفون أو أسنان تعرضت لسنوات من الرطوبة والحرارة؟ والجواب يكمن في فهم نوعي الحمض النووي الموجودين في الجسم. فالحمض النووي في نواة الخلية أو ما يعرف بالحمض النووي الجسماني (اقرأ كيف يعمل فحص الحمض النووي؟) هو المصدر الأهم لتحديد الهوية لأنه يحمل المادة الوراثية القادمة من الأب والأم، وإذا توفرت عينة من عظم أو سن أو نسيج للمتوفى فإن استخراج هذا الحمض يكون ممكناً، ومقارنته بعينة من الشخص الحي يعطي نتيجة دقيقة للغاية. وقد يحصل أن تكون لدى أهل المتوفى أدوات شخصية تركها قبل وفاته، مثل فرشاة أسنان أو ماكينة حلاقة أو ملابس تحتوي على خلايا جلد، وهذه يمكن أن تعمل كمرجع وراثي مباشر. فإذا تطابقت البصمة الوراثية بين العينة المستخرجة من المتوفى وتلك الموجودة في أدواته، يصبح إثبات النسب أو الهوية أمراً محسوماً علمياً.
وفي حال عدم توافر عينات شخصية للمتوفى، فإن الطريق الآخر هو المقارنة غير المباشرة، وهي الطريقة التي تشبه اختبارات الأبوة التقليدية، إذ تُقارن عينة الشخص الحي بعينات أشخاص يرتبطون بالمتوفى بيولوجياً، مثل الأم أو الإخوة أو الأخوات، وبذلك يمكن حساب احتمال النسب وفق مبادئ الوراثة. ومع أن هذا النوع من التحليل يعتمد على الاحتمالات، إلا أن النتيجة عندما تكون مرتفعة بما يكفي فإنها تُعدّ حاسمة قانونياً.
وفي الظروف التي تكون فيها الجثث قديمة جداً أو تعرضت لعوامل بيئية قاسية، يصبح الحمض النووي المأخوذ من نواة الخلية غير صالح للاستخدام، وهنا يأتي دور الحمض النووي للميتوكوندريا، وهو الحمض الذي تنتقل مادته الوراثية عبر خط الأم فقط. وجود هذه السلسلة المستمرة من النقل يجعل من الممكن تتبع صلة القرابة من خلال الأم حتى في العينات شديدة التلف. ورغم أن هذا الاختبار لا يقدم يقيناً مطلقاً مثل اختبار الحمض النووي لنواة الخلية، إلا أنه يصبح ذا قيمة كبيرة عندما يتكامل مع طرق أخرى.
ولأن نمط الوراثة في الذكور يتميز بوجود كروموسوم Y الذي ينتقل من الأب إلى الابن دون تغييرات كبيرة عبر الأجيال، فإن اختبار كروموسوم Y يمثل أداة إضافية لتأكيد صلة القرابة عندما يكون الطرفان ذكوراً، لكن بما أن الكروموسوم واي هو جزء من الكروموسومات الأخرى فليس له امتياز في حالات تحلل الحمض النووي لكنه مهم في اختبارات البنوة. وهكذا تتضافر هذه الطرق معاً لتشكّل شبكة متماسكة من الأدلة البيولوجية، قد تعتمد عليها المحاكم في أصعب القضايا.
إن أكثر ما يجعل البصمة الوراثية حاسمة اليوم هو أنها لا تتطلب جسداً كاملاً أو أنسجة من كائن حي؛ يكفي جزء صغير من عظم سليم، أو سن واحدة لم تتعرض للتلف، أو حتى بصيلة شعر محفوظة داخل رطوبة الملابس. وعندما تتدهور جودة الحمض النووي بسبب الزمن أو البيئة، فإن المختبرات الحديثة تجمع أكثر من اختبار في الوقت نفسه للوصول إلى نتيجة واحدة موثوقة. وفي حالات كثيرة، يكون استخدام فحص الحمض النووي الجسماني والميتوكوندريا وكروموسوم Y معاً هو الحل الذي يعيد الحقيقة إلى مكانها.[3]
ومن هنا تأتي أهمية القرار الذي أصدرته محكمة التمييز الاتحادية في الدعوى التي ذكرناها ابتداءً؛ إذ لم يكن مجرد تصحيح لحكم خاطئ، بل كان إقراراً بأن العدالة اليوم لا يمكن أن تُفصل بمعزل عن العلم، وأن أدوات الوراثة الحديثة أصبحت جزءاً من أدوات القضاء نفسه. فقد يكون رجلٌ بلا نسب قانوني طوال سنوات حياته، ثم تكشف عظمة واحدة – حُفظت من جسد رجل مات قبل 18 عاما – الحقيقة الكاملة وتنصفه أخيراً.
وهكذا يتأكد لنا أن العلم والقانون لم يعودا مجالين منفصلين، بل أصبحا شريكين في صناعة الحقيقة. وفي عالم تتداخل فيه الأدلة الوراثية مع القرائن القانونية، تصبح الخلاصة واضحة: طالما وُجدت عينة قابلة للتحليل، فإن الحمض النووي قادر على كشف الحقيقة، مهما مضى الزمن، ومهما تبدلت الروايات.
المصادر
[1] قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد 9105/هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2025.
[2] د. سالم خميس علي الظنحاني – حجية البصمة الوراثية في الاثبات الجنائي، ط1، المركز القومي للاصدارات القانونية، القاهرة، 2014، ص 141.
[3] Robert C.Shaler – crime scene forensics: A scientific method approach, crc press, USA, 2012, P 420.

