الانسان ليس مثل الحاسوب فهو لا يخزن المعلومات فقط بل المشاعر أيضاً. وكذلك الحال حين ننتبه الى ما حولنا فالنظر يتم توجيهه بسرعة بناءاً على استجاباتنا العاطفية. يسمي العلماء هذا الأمر بالسياق العاطفي. مثلا حين تسمع أمراً يثير الخوف تتوسع حدقة عيناك وتتجه ببصرك الى اتجاه الصوت، أو قد تنظر يمينا ويسارا وتنظر الى الخلف او الى الأعلى والاسفل. تسمى حركة العين هذه بحركة العين الرمشية (saccadic eye movement). حتى حين لا نشعر بتلك الحركة وهي تحدث فحين ننظر الى جسم ثابت نقوم بمسحه بالحركة الرمشية حيث تتحرك العين الى الأعلى والاسفل ويمينا ويسارا وهي تستكشف الجسم او الشيء. هذه العلاقة بين السياق العاطفي وحركة العين الرمشية هي جزء أساسي في طريقة استيعابنا للعالم. لكن في هذه الآلية أيضاً قد يكون هناك سر يمكن أن يساعدنا في معالجة مشاعرنا تجاه أشياء حدثت في الماضي وما زالت تؤلمنا.
حين نتابع الاعصاب التي تقود كل من حركة العين السريعة واسترجاع السياق العاطفي نجد أن كلا من هاتين تلتقيان في جزء يعرف باللوزة الدماغية. واللوزة الدماغية معروفة للعلماء بدورها في معالجة الاستجابات العاطفية، أي ما الذي نشعر به او ما العاطفة التي نستجيب بها حين نرى شيئاً ما على سبيل المثال. وهي كذلك جزء مهم في معالجة الذكريات واتخاذ القرارات. تتكون اللوزة الدماغية من فصين في كل من الجانب الأيمن والايسر للدماغ.
لاستكشاف تلك العلاقة قام مجموعة من العلماء بإجراء تجربة على القرود[1]. قام العلماء بحقن مادة توقف عمل احد فصي اللوزة الدماغية الأيمن أو الأيسر فوجدوا أولاً ما كانوا يتوقعونه وهو توقف حركة العين الرمشية في الاتجاه المعاكس لفص اللوزة الدماغية الذي تم إيقاف عمله. كان الإيقاف مؤقتاً فقط. اطلع العلماء على معلومات من أبحاث سابقة بأن اللوزة الدماغية تتحكم بالتحديق والحركة الرمشية من خلال تحكمها بالإشارة الخارجة من العقد الخارجية في الدماغ (basal ganglia) وهي منطقة قريبة من اللوزة الدماغية وهي المسؤولة في الأساس عن حركة العينين. وحيث أن اللوزة الدماغية ليست جزءاً رئيسياً من مناطق الدماغ التي توجه حركة العين فإن تلك الإشارات تمر بها حتى لدى فاقدي البصر.[2]
ذلك التدخل من اللوزة الدماغية يحدث خصيصاً لجلب معلومات السياق العاطفي في حين أن العقد الخارجية تجلب المعلومات المتعلقة بالجسم الذي يتم النظر اليه. وقد وجد العلماء أن التحفيز العاطفي للقرود في التجربة كان مرتبطاً بتفعيل اللوزة الدماغية وأن تفعيل حركة العين يمكن أن يحدث عبر اللوزة الدماغية في الحالات التي يتواجد فيها سياق عاطفي. وجد العلماء مثلاً أن هناك المزيد من النشاط في اللوزة الدماغية وفي حركة العين حين تم تعريض القرود لمشهد فيه بعض الخطورة بالمقارنة مع حالة الأمان.
من هنا ننطلق الى مبدأ مهم من مبادئ العلاج المعرفي السلوكي، وهو المنهج النفسي العلمي الأبرز لمساعدة الناس لتحسين حالتهم المزاجية وصحتهم النفسية. ينص المبدأ على العلاقة بين الأفكار، المشاعر والسلوك. حيث أن الأفكار تولد مشاعر ومن ثم تولد هذه سلوكاً. ثم يقوم السلوك بتعزيز الأفكار ليتم خلق حلقة. أحد أهداف العلاج المعرفي السلوكي هو بكسر تلك الحلقة من أحد أركانها الثلاث هذه وبالتالي يتم عكسها.[3] هناك دراسات عديدة في العلاج المعرفي السلوكي تدرس انخفاض التحفيز في منطقة معينة مسؤولة عن مشاعر التهديد مثل اللوزة الدماغية في ظل القيام بأفعال تخفض من مستوى الشعور بالتهديد. لكن هذا الأمر قد اثبتته دراسات أخرى حول الاتجاه المعاكس أي انخفاض الشعور بالتهديد ومن ثم انخفاض القلق أو الخوف من أفكار معينة نتيجة لحركة العين الرمشية يميناً ويساراً.
في تجربة أخرى وجد العلماء تثبيط نشاط اللوزة الدماغية مع حركة العين السريعة. [4] وهذا يعزز دور السلوك في تخفيض حدة المشاعر ومن ثم تخفيض أثر الفكرة التي تثير مشاعر الخوف من الأساس. وفي الوقت الذي قد تمثل هذه الدراسات العصبية مدخلاً لفهم المزيد حول دور حركة العين في معالجة الذكريات، نجد العلاج بإزالة التحسس عبر حركة العين السريعة (EMDR) نشطاً منذ عقود وقد ثبتت فعاليته عبر دراسات عديدة بمعزل عن آلية عمله.
تخيل أن تستطيع تذكر شيء يسبب لك الألم في كل مرة، لكن عبر حركة العين يميناً ويساراً بسرعة وتذكر نفس الذكرى فإنها تصبح غير مؤلمة. هذا ليس خيالاً بل هو حقيقة وأسلوب علاجي يطبق في مختلف أنحاء العالم. مع العلم، لا تحتاج البشرية لأن تمر في نفس مسار المعاناة.
المصادر
[1] Maeda, Kazutaka, et al. “Primate amygdalo-nigral pathway for boosting oculomotor action in motivating situations.” Iscience 23.6 (2020).
[2] Burra, Nicolas, et al. “Amygdala activation for eye contact despite complete cortical blindness.” Journal of Neuroscience 33.25 (2013): 10483-10489.
[3] Applying the CBT Model of Emotions, cogbtherapy.com
[4] de Voogd, Lycia D., et al. “Eye-movement intervention enhances extinction via amygdala deactivation.” Journal of Neuroscience 38.40 (2018): 8694-8706.
