بعد عقد من الآن ستصبح الكهرباء أغلى ثمناً وستزداد رقعة المناطق المعرضة لانقطاعات مستمرة في العالم. وبعد عقدين قد يصبح الأمر أكثر تفاقماً خصوصاً في المنطقة العربية حيث نلاحظ أن حكوماتنا متقاعسة عن الاستثمار بالطاقة البديلة في وقت ينفذ فيه النفط وتصبح فيه الحضارة بشكلها الحالي على المحك. بالمقابل فإن مجرد النوم أو الجلوس في بلدان كالعراق والسعودية وليبيا ومصر والجزائر يعد صنفاً من المعاناة التي تتطلب مقدار كبير من الطاقة وكلفة عالية جداً لكي يستطيع الأشخاص العيش ضمن معدل الراحة الحرارية للإنسان. لكن هناك حلول يمكن أن يقدمها العلم.
أجرى باحثون عراقيون من الجامعة المستنصرية في بغداد تجربة عام 2013 قاموا فيها بقياس درجات الحرارة تحت الأرض طيلة أيام السنة. قام الباحثون بقياس الحرارة بعمق متر، الى ثلاثين متراً ولاحظوا أن درجة الحرارة تتغير بمقدار قليل أكثر أو أقل من 25 درجة مئوية طيلة أيام السنة تحت عمق خمسة أمتار من سطح الأرض أي درجتين أو ثلاث أقل أو أكثر، فيما تتراوح بين 17 و31 تحت ثلاثة أمتار. إن مقدار الكهرباء الذي تستهلكه العائلة الواحدة في المناطق الحارة يجعل أمراً مثل هذا خياراً مطروحاً في مستقبل لن تكون فيه الكهرباء متوفرة بذات الشكل[1].
تكلف الكهرباء للعائلة الواحدة في العراق مبالغ قد تصل إلى آلاف الدولارات سنوياً بين قوائم الكهرباء واشتراكات المولدات وكلف البطاريات والخلايا الشمسية. وفي بلد تصل الحرارة فيه في الصيف إلى أكثر من 50 درجة مئوية، لا يمكن العيش فوق الأرض دون استخدام مقدار كبير من الطاقة الكهربائية فيما يعاني البلد ـ مثله مثل كثير من البلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ـ من انحسار القدرة على سد حاجة الناس للكهرباء. تزداد درجة حرارة الكوكب في نفس الوقت ولا يبدو أن هناك أي حل حاسم وبديل للنفط في ظل تزايد الأزمات حوله ونفاده في أماكن من العالم وارتفاع كلفة وتعقيد البدائل.
لكن تقنيات التبريد موجودة المشكلة فقط في الحكومات التي تفشل في توفير الخدمات؟
ان تقنيات التبريد تكلف الكثير من الطاقة وتدريجياً مع الزمن ومع ارتفاع التعداد السكاني تصبح قدرة الحكومات على توفير الكهرباء أقل. على سبيل المثال فإن مصر في السنوات الأخيرة أصبحت تعاني من انقطاعات للكهرباء وهذا لم يحدث في تاريخها من قبل. كما أن لبنان تعيش دون كهرباء في آخر سنوات والعراق لم يتمكن قط من الحصول على كهرباء دائمة منذ عام 1990. الأمثلة كثيرة في العالم ويمكن لأي شخص أن ينتظر لحكومته أن تقوم بما ينبغي لكي يستطيع تشغيل وحدات التبريد لكن على الأمد البعيد فإن هذا الحل ليس مستداماً.
إن العيش في أماكن تزيد فيها الحرارة عن 45 درجة مئوية لبضعة أشهر يتجاوز حد الراحة الحرارية للإنسان بدرجة كبيرة ويخلف اثار كبيرة على الصحة النفسية والجسدية مما يصل الى حالات خطرة جداً في بعض الأحيان. وفي ظل التراجع المستمر للخدمات فإن من غير المنطقي السعي لتقنيات تكلف الكثير من الطاقة فقط من أجل الحصول على الراحة بحدها الأدنى. إن تقنيات التبريد تستهلك مقداراً عالياً من الطاقة فيما يجب أن يكون كل شخص قادراً على العيش براحة دون استهلاك كميات كبيرة من الطاقة والتي قد لا تدوم كما نرى انها تصبح أكثر شحة وأغلى ثمناً.
لماذا لا نبني فوق الأرض ونستخدم العوازل الحرارية؟
خيار العزل الحراري أفضل بكثير من البناء الرخيص المتبع في المناطق الحارة في العالم حالياً، لكن لا شيء يضمن العيش بدرجة حرارة أقل من درجة الحرارة في الأعلى مثل العيش تحت الأرض. إن درجة الحرارة تحت الأرض تكون أقرب لمعدل درجة الحرارة السنوية للمكان، والذي يكون أكثر برودة كلما اتجهنا إلى الداخل في المناطق الحارة مثل بغداد (تحت 5 – 6 أمتار بتفاوت قليل أكبر أو أقل من 25 درجة مئوية).
ماذا عن الأثر النفسي للحياة تحت الأرض؟
تظهر الإحصائيات عن الإسكان أن نسبة الحياة في الشقق تفوق أغلبية السكان في بعض البلدان في العالم. الحياة في الشقق هي مثال على نمط حياة لم يكن مقبولاً على الإطلاق من قبل لكنها أصبحت مقبولة لاحقاً. تظهر دراسات كثيرة عوامل تجعل البشر أكثر تقبلاً للحياة في الشقق وبعضها ينطبق على الحياة تحت الأرض. تظهر إحدى الدراسات مثلاً أن مساحة الشقة تؤثر على قبول السكن فيها بدرجة أكبر ويمكن أن ينطبق ذلك على الحياة تحت الأرض.[2] وجدت دراسة في أحمد آباد في الهند أن طبيعة المناظر والمرافق الموجودة في المكان وجودة المصاعد جعلت السكن في الشقق مقبولاً أكثر. [3] في هذه الحالة ربما يكون العيش في مكان بارد في الصيف الطويل الشديد الحر ودون دفع كلف عالية للكهرباء أمراً مغرياً للعيش تحت الأرض، وهو ما أظهره ساكنو الشقق تحت الأرض في بريطانيا، ولاسيما تفضيلهم للاستقرار الحراري طيلة العام[4].
إن الكثير من المنازل والشقق في المناطق الحارة اليوم ونظراً للاكتظاظ السكاني وازدحام المباني لا تمتلك أي مشهد يمكن النظر إليه في الخارج، كما لا يمكن عملياً فتح النوافذ سواء للتهوية أو للاستمتاع بالمنظر، وبالتالي فإن هذا لم يعد معياراً للمفاضلة من الأساس. سنأتي لموضوع الإضاءة الذي يعد حاسماً في الأثر النفسي للحياة تحت الأرض.
اقرأ: ما هي الحرارة التي يجب أن يعيش فيها الإنسان؟
تطرح دراسات كثيرة عن التصميم الداخلي ما يمكن أن يجعل المنظر من الداخل جميلاً ومقبولاً. كثير من مبادئ التصميم الداخلي تسهم في وضع نفسي أفضل. مثال ذلك النباتات الداخلية وأنماط الإضاءة الأكثر راحة والألوان المستخدمة في اللوحات والأثاث وغير ذلك. يمكن لعوامل مثل هذه أن تساهم في قبول الحياة في شقق أو منازل مغلقة تماماً، أو في السكن تحت الأرض أو في أي نوع من المساكن.
إن الحياة في المناطق الحارة مجهدة من الأساس ولا يجب أن تكون مجهدة مادياً ومكلفة من حيث الطاقة في زمن تنخفض فيه الطاقة بمعدل كبير. النزول تحت الأرض قد يكون خياراً جيداً لكن هناك بعض التحديات التي تعد معالجتها أسهل وأرخص من نصب أجهزة التكييف التي قد لا تستمر بالعمل كالسابق مثلما يعاني سكان العالم من شحة الكهرباء في كل مكان.
ماذا عن الصرف الصحي والمياه في السكن تحت الأرض؟
إن معظم الوقت الذي يقضيه الإنسان في البيت لا يتضمن الجلوس في الحمام أو الاغتسال. ومع ذلك فإن هناك حلولاً علمية وهندسية لمعالجة الصرف الصحي وتجهيز المياه تحت الأرض، إذ من الممكن تصميم البيت بحيث تكون هذه الوحدات في الأعلى. الأمر يتعلق بالكلفة فحسب.
ماذا عن المياه الجوفية؟
إن البحث في أنظمة العزل المائي الخارجي وأنظمة التصريف يرينا أن هناك حلولاً كثيرة تجعل من الأبنية تحت الأرض في مختلف أنحاء العالم خياراً وارداً وصائباً للسكن. إن حلول العزل المائي للسراديب ليست اختراعاً حديثاً، وإن الأراضي التي تحتوي على مياه جوفية ليست خاصة بمنطقة معينة. كما أن الأبنية تحت الأرض ليست بذاتها اختراعاً حديثاً. مثلما يتطلب البناء فوق الأرض متطلبات معينة، فإن للبناء تحت الأرض متطلبات معينة تتمثل بالعزل وإيصال الضوء. ربما يمكن الكلام عن كلفة أمر مثل العزل حين ننظر إلى مقدار التدهور المستمر في البنى التحتية للكهرباء وأسعارها السنوية المرتفعة.
ماذا عن الإضاءة؟
يمكن إيصال الإضاءة الطبيعية إلى الغرف الواقعة تحت الأرض مع ضمان العزل الحراري للنوافذ عبر إنشاء فتحات إضاءة توصل الضوء إلى مساحة معينة تحت الأرض بشكل جميل. كما يمكن استخدام ما يسمى بأنفاق الشمس وهي أنابيب بسيطة تتضمن بعض المرايا وتوصل ضوء الشمس الطبيعي إلى داخل مساحات لا تكون متصلة بشكل مباشر بالأرض فوقها.
استخدام أنفاق الشمس (Solar Tubes) يوفر ضوءاً طبيعياً بطيفه الكامل (Full Spectrum)، وهو ضروري لتنظيم الساعة البيولوجية للإنسان وإفراز هرمون الميلاتونين، مما يلغي الأثر النفسي السلبي لعدم وجود نوافذ تقليدية.
أنفاق الشمس
فتحة اضاءة
ما هو العمق الأنسب للعيش تحت الأرض لدرجة حرارة مثالية؟
ربما يُعتقد أن العمق الأمثل هو خمسة الى ستة أمتار اذا ما اخذنا الدراسة السابقة وحالة بغداد بنظر الاعتبار. لكن ذلك يختلف بحسب المكان، يعتمد ذلك على معدل الحرارة السنوية في المدينة. تصل الحرارة في ذلك العمق إلى معدل يقارب المعدل السنوي للحرارة (25 مئوية في بغداد مثالاً). إن الحرارة تحت عمق خمسة الى ستة أمتار ليست مستقرة عند 25 درجة كما اوضحنا لكنها اقل تبايناً أي أكثر أو أقل من ذلك بدرجتين أو ثلاث بحسب الموسم.
إن سبب انخفاض درجة الحرارة هو أن العمق الأكبر تحت الأرض يحتاج وقتاً أطول للتبادل الحراري مع سطح الأرض الذي يبرد أو تزداد حرارته بسرعة وبالتالي فإن التبادل الحراري الوحيد في السكن تحت الأرض يكون من منفذ الدخول والخروج ويقلل بذلك فرصة دخول الحرارة المرتفعة من سطح الأرض.
يجب أيضاً الأخذ بنظر الاعتبار أن الأشخاص الذين يجلسون في الغرفة سيزيدون من الحرارة وإن كان بمعدل منخفض. وبالتالي فإن الغرفة التي يبلغ عمقها ثلاثة أمتار وتصل فيها الحرارة إلى 29 أو 30 فقد تزداد ببضعة درجات مع وجود الأشخاص فيها. لذا فإن النزول إلى عمق خمسة – ستة أمتار يتيح مجالاً أكبر من حيث درجات الحرارة. كما أن مساحة الغرفة وارتفاعها وعدد الأشخاص المخطط لهم الجلوس فيها يؤثر على ذلك. يؤثر في ذلك أيضاً نظام التهوية المتبع.
أجريت دراسة في العراق حول درجة الحرارة طيلة العام في احد الطوابق تحت الأرض بعمق 2.5 فوجد أن الحرارة وصلت 33 في الطابق تحت الأرض في الوقت الذي كانت فيه 38 في الأعلى. تقول الدراسة ان حمل التبريد المطلوب أقل للطابق تحت الأرض من الطابق فوق الأرض نظراً للعزل الجيد للطابق تحت الأرض. [5] في دراسة مصرية بطابق تحت الأرض بعمق 2.7 كان فارق الراحة أقل من الطابق فوق الأرض مع عدم وجود أي تبريد.[6] إن الحرارة التي تفوق 31 تتجاوز الراحة الحرارية لذا يفضل أن يكون السكن بعمق أكبر من ذلك.
يدعونا ذلك التفكير بعمق أكبر من أجل الاستقلال التام عن الحاجة الكبيرة للكهرباء وتحويل المصاريف بين ما هو مستدام وما هو غير مستدام أي الصرف على متطلبات السكن تحت الأرض بالعمق المناسب والعزل المائي المناسب. مع ذلك، فإن بعض الدراسات وجدت أن كون البيت تحت الأرض بنصف متر فقط قد قلل من استهلاك الطاقة بنسبة 25%.[7]
ماذا عن التهوية والرطوبة؟
ان التهوية امر لابد منه فوق الأرض أو تحتها. وقد تكون التهوية من الأمور القليلة التي تحتاج الى توليد كهرباء منخفض بما يكفي للتهوية. مع ذلك فإن هناك حلول تعتمد على مبادئ فيزيائية لا تتطلب استخدام الكهرباء مثلما يعرف بالتهوية السلبية للمداخن والتي تتمثل بانشاء ما يشبه المدخنة التي يتجه اليها الهواء الساخن تلقائياً. [8]
ان اعتماد التهوية السلبية مهم جداً لتقليل الرطوبة التي تزداد في السكن تحت الأرض. تساهم حلول العزل المائي الفعالة أيضاً في تقليل الرطوبة وهي شرط مهم وتمثل عامل الاستثمار المادي الأكبر في السكن تحت الأرض بالمقابل من الدفع الدائم للكهرباء عند السكن فوق الأرض.
من المخاطر التي لا يمكن تلافيها بسهولة حين الحياة تحت الأرض هي الفيضانات ما لم يكن هناك حسابات هندسية دقيقة وعزل دقيق يأخذ احتمالية الفيضان بنظر الاعتبار.
خاتمة
إننا بطرح الأسئلة المختلفة والمشاكل للحياة تحت الأرض لا نصمم حلاً بل نترك ذلك للمهندسين والمختصين. لكن نوضح ببساطة أن هناك حلول. الحلول لمشاكل الحياة تحت الأرض أبسط من الحلول للحياة فوق الأرض والمتمثلة بأجهزة التكييف الغالية الثمن والتي تتطلب طاقة أغلى ثمناً بكثير فضلاً عن تعقيدها اذ تتطلب صناعة معقدة لا تتوفر في بلداننا بالإضافة الى النقل المعتمد على مصادر الطاقة المؤقتة مثل النفط! إن كثير من البيوت والبنايات في العالم العربي اليوم لا تصلح للحياة البشرية في غياب وجود الكهرباء، لكن السكن تحت الأرض ممكن وكان هو الحل المتبع في فترات سابقة في غياب الكهرباء وهي على الرغم من تعقيدها ومتطلباتها لكن ذلك الاستثمار يحدث في البداية.
المصادر
[1] Kasim, Naseer K., F. Atwan Ahmed, and H. Shneshal Ala’a. “Calculation of underground soil temperature for the installation of ground heat exchange systems in Baghdad.” The 20th scientific conference of college of Education Al-Mustansiriyah University. 2013.
[2] Gallagher, Rachel, et al. “Do housing preferences reduce feasibility of densification? Perspectives of planning and development experts and residents.” Australian Planner (2025): 1-15.
[3] Soladhara, Tithi, and Nishant Kansagra. “Social Acceptability of High-rise Residential Buildings–A Case of Ahmedabad.” Calibrating Urban Livability in the Global South (2024): 614-625.
[4] Oliver Bennett, Basement ventilation: How to turn your downstairs space into a useable room, 30 December 2022
[5] Kharrufa, Sahar N. “Evaluation of basement′ s thermal performance in Iraq for summer use.” Journal of Asian Architecture and Building Engineering 7.2 (2008): 411-417.
[6] Hassan, Heba, and Daisuke Sumiyoshi. “Evaluation of Basement’s Thermal Performance Against Thermal Comfort Model at Hot-arid Climates, Case Study (Egypt).” International Journal of Environmental Science & Sustainable Development 1.2 (2017).
[7] Sakami, Naima, et al. “Comparison of shallow basement thermal performance for different regions of Morocco using a three-dimensional heat transfer analysis.” Cogent Engineering 6.1 (2019): 1602926.
[8] Basement ventilation, homebuilding.co.uk
