تاريخ الزيف في براءات الاختراع الطبية الأمريكية: زيت الثعبان وعلاجات الهنود الحمر

العلاجات الزائفة وبراءات الاختراع

على الرغم من أن براءات الاختراع تعتبر امرا اساسيا في الولايات المتحدة، إلا أنها لم تنشأ هناك بل نشأت في المملكة المتحدة. وليس من المعروف من هو أول شخص حصل على ملكية براءة اختراع لمركب طبي، لكن براءة الإختراع الثانية منحت لاكسير أنتج من قبل ريتشارد ستافتون (Richard Stoughton) في عام 1712.

في منتصف القرن الثامن عشر تضمنت قائمة براءات الاختراع حوالي 202 مركب دوائي. والقضية حول براءات الاختراع هذه أن المركبات الدوائية الحاصلة على براءة اختراع لا يتوجب عليها بالضرورة الكشف عن مكوناتها، إذ يكفي ذكر العلامة التجارية. وبذلك، أصبح مصطلح “دواء حاصل على براءة اختراع” مصطلحاً يشمل كل العلاجات الزائفة والغير فعالة.

وخلال حرب الإستقلال الأمريكية توقفت شحنات الأدوية الحاصلة على براءة اختراع القادمة من الخارج، فاغتنم أصحاب المشاريع الأمريكية الفرصة لسد طلب السوق. أما في فترة ما بعد حرب الاستقلال فساعدت حملات الترويج للمنتجات الوطنية على ذلك، بالإضافة إلى رخص الأدوية غير المستوردة على ترجيح كفة الباعة الأمريكيين على حساب الموردين الإنكليز.

ومن ابرز باعة الادوية الحاصلين على براءة اختراع من النساء والرجال كان كل من بيري ديفيس (Perry Davis)، الذي اشتهر من خلال مرهمه الذي يدعى “قاتل الآلم” خلال تفشي وباء الكوليرا عام 1849، وانتشر بعدها في جميع انحاء العالم من خلال المبشرين الذين استخدموه كعلاج لجميع المصابين. وكذلك ليديا بينكهام (Lydia E. Pinkham) التي قامت بإنتاج مرهم نباتي رسمت عليه صورتها، الذي تم تسويقه لأول مرة في عام 1875، وهذا ما جعلها المرأة الامريكية الاكثر شهرة في يومها. في حين أن الأخوين كيلمر، أندرال وجوناس (Andral and Jonas Kilmer)، اللذان انتقلا إلى بينغهامتون، نيويورك، في عام 1879، سرعان ما بدءا ببيع مرهم حساء الجذور للكلى والكبد (Swamp Root kidney and liver medicine) وغيره من العلاجات العائلية من مبنى فخم يتكون من ثمان طوابق. كما قام كل من أوليفر وبيكلو بإنشاء شركة كيكابو للطب الهندي (Kickapoo Indian Medicine Company) في عام 1881. وكذلك السيدة فيوليت بلوسوم (Violet Blossom)، التي كانت تدير عرضا طبيا مع زوجها في أوائل القرن العشرين، وأصبحت تعرف بأسم “ملكة الإعلانات الطبية”.

وكان من أكثر الباعة المتجولين شهرة هو القس فليتشر ساذرلاند (Fletcher Sutherland) وبناته السبعة، حيث كان اجمالي طول شعرهن 37 قدم. وكانت تقوم الفتيات بأداء حفلات غنائية وموسيقية في عدة أماكن مثل معرض اتلانتا خلال عام 1881، وبحلول عام 1884 لاحظ فليتشر خلال عروض بيلي وبارنيوم أن طول شعر الفتيات هو الذي يجذب الجمهور بشكل أكبر من قدرتهن الموسيقية. وهذا ما قاده لإنتاج “مرهم الراهبات السبعة” وهو مزيج بين الكحول والزيوت النباتية والماء. وعندما توفت الابنة الخامسة بشكل غير متوقع في عام 1893 كانت أعمالهم جيدة لدرجة أن قامت الاخوات باستئجار فتاة بديلة للأخت المتوفية، حفاظاً على المظهر. وبشكل عام جلب هذا المنتج وغيره من المنتجات ذات الصلة لعائلة فليتشر حوالي 2.75 مليون دولار على مدى 38 عام.

استخدم الباعة المتجولون العديد من الحيل لجذب الجماهير حولهم. حيث يدخلون بموكب من عدة عربات تتضمنه عروض راقصة وعروض تتضمن استخدام السكاكين، كما أنهم يرسلون عدة رجال يبشرون الناس بقدومهم. والآن تستخدم التقارير المسجلة المكتوبة (حيث زاد الطلب ليصل على الراديو). وكثيرا ما يرتدي مساعديهم زي القساوسة البروتستانت ويسيرون بين الحشود ويقومون بمدح المنتجات، لكونهم محترمين بين الناس. كما تم تجنيد الكثير من السكان الأصليين (الهنود الحمر) للترويج لفكرة الطب الطبيعي، والذي تم اعطاءه العديد من الأسماء مثل الحبوب النباتية الهندية، وبلسم سيمينول (احدى قبائل الهنود الحمر) لعلاج السعال، وعلاجات الكيكابو (احدى قبائل الامريكيين الأصليين).

كان أحد المكونات الرئيسية لهذه العلاجات هو شراب مقوي، بالإضافة إلى الكحول. فخلال فترة الاعتدال في شرب الخمر كان يعوض بشرب الأدوية الحاصلة على براءة اختراع “للأغراض الطبية”، وهذا ما تبين من خلال التحذيرات التي قدمها منتجو مرهم الدكتور كوفمان من المنتجات المنافسة لهم بالقول: “لا تستخدم مشروبات الرم الرخيصة [الرم أحد المشروبات الكحلولية] ومن ثم تطلق عليها مسميات طبية”. لم يقم المصنعون بالكشف عن محتوى الكحول في منتجاتهم. وبسبب تأثير الكحول، وكذلك البلاسيبو “الإيهام بالعلاج”، غالبا ما يقوم المشترون بمدح المنتجات، حيث كانوا يؤمنون بهذه العلاجات أكثر من كونهم ضحايا الغش.

خلال فترة محددة أصبح العلاج الزائف يعرف باسم “زيت الثعبان”. أحد المصادر يؤكد على أنه “لا يوجد شيء اسمه “زيت الثعبان”، على الرغم من بيع آلاف الزجاجات التي تحتوي على مواد يطلق عليها زيت الثعبان، تم بيعها إلى الزبائن الساذجين خلال المهرجانات في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين”. في الواقع، لا يحتوي زيت الثعبان على أي الفوائد الطبية المنسوبة له. على سبيل المثال، ذكر مقال صحفي أن رجلا من ولاية بنسلفانيا “كان صياد شهيرا حيث يقوم بصيد الثعابين الجرسية، وكان يعرف باسم جون كير (John Geer)” وكان يقوم بقتل الثعابين الجرسية ومن ثم يستخرج “الزيت من اجسادها”. وهذا الزيت صالح للاستعمال ويباع بذ دولار للأونصة. كما يدعي أن له فوائد طبية عظيمة.

كما أن هنالك راعي بقر يدعى كلارك ستانلي (Clark Stanley)، والذي يطلق على نفسه اسم “ملك الأفاعي الجرسية”، وكان يقدم زيت الثعبان على أنه مفيد للإنسان والحيوان. ففي عام 1893، وخلال المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو، قام ستانلي بتحشيد الناس حوله عن طريق لبس ملابس غربية ملونة، وقام بذبح مئات الأفاعي، وتجهيز الزيت من اجسادها.

وقد وصفت إحدى الإعلانات التي تعود إلى عام 1890 زيت الثعبان الذي يقدمه ستانلي بأنه “مركب يقتل الألم”. كما ذكر “انه من أقوى العلاجات فعالية لمعالجة الآلام والضعف. ويكون للاستخدام الخارجي فقط”. كما أنه فعال في معالجة “الروماتيزم، الآلام العصبية، عرق النسا، آلام الظهر، تقلصات الظهر، التقلصات العضلية، ألم الأسنان، الالتواء، التورمات، وغيرها من الآلام”. كما ان الأعلان ذكر “أنه يشفي الآلام المرافق لقرصات البرد، ونزلات البرد، التهاب الحلق، وعضات ولدغات الحيوانات والحشرات والزواحف”. أي أنه مفيد لكل شيء تقريبا، وكان يباع بخمسين سنتاً للزجاجة.

وادعى ستانلي أنه حصل على الوصفة من أحد الأطباء الهنود المنتمين لقبيلة موكي بويبلو. (ويقال أن بعض الأمريكيين الأصليين، بما في ذلك قبائل الشوكتاو، قاموا بمعالجة الروماتيزم وغيرها من الامراض باستخدام زيت الافاعي). وفي عام 1917، كشف اختبار أحدى الشحنات المصادرة من زيت الثعبان أنه يحتوي على 1% زيت معدني وزيت حيواني (زيت لحم البقر في الغالب) بالإضافة إلى الفلفل الأحمر (الذي يعطي شعور مهدئ للجلد) والقليل من زيت التربين والكافور (الذي يعطيه رائحة مناسبة).

ومع نهاية العربات التي تجرها الخيول، أصبح بيع الأدوية الحاصلة على براءة اختراع كبيراً جدا، وكذلك كان ضحيتها المواطنين الأمريكيين. وجاءت أول ردة فعل هي عبارة عن حملة أطلقتها مجلة كولير في عام 1905، والذي اطلقت عليه “الاحتيال الأمريكي العظيم”، وقد اثبتت أن اللوبي الخاص بالأدوية الحاصلة على براءة اختراع في الكونغرس الأمريكي قوي (كما هو الحال في اللوبي الخاص بالتبغ)، وكان المد في نهاية المطاف قد تغير وصدر القانون الفيدرالي للغذاء والدواء في 1 يناير 1907.

وبكل تأكيد، لم تكن جميع تلك المنتجات هي علاجات زائفة. فبعضها مشتق من علاجات منزلية تم اختراعها من خلال التجربة والخطأ، ففي بعض الأحيان تكون علاجات فعالة. وشملت بعض الكتب على وصفات ضمن قسم كبير يدعى العلاجات المنزلية. فمن ضمن اسلافي كان هنالك أطباء شعبيين من شرق كنتاكي وهم جيمس هاريسون ميرفي (James Harrison Murphy) وزوجته مارثا بيكر (Martha Baker)، الذي استخدموا هذه الادوية. وقد جمع هاري الأعشاب والجذور واستخدمها للعلاج، والتي شملت “منشط للدورة الدموية” (الذي كان يخمر، ويضاف له السكر، ومن ثم يخلط مع الكحول)، جنبا إلى جنب مع الشاي. كما أن مارثا قامت ببيع عقار سري التركيب يتضمن غلي بعض المواد وكسرات العظام.

والأدوية الحاصلة على براءة الاختراع تحضر بعدة طرق، منها وصفات شبه دوائية، والوصفات الشعبية، ووصفات يزعم معدوها انها من أطباء الهنود الحمر، وكذلك هنالك مصادر اخرى. فعلى سبيل المثال، يوم فليتشر ساذرلاند (Fletcher Sutherland)، بالاعتماد على الإلهام فقط. وقامت السيدة ماتسون (J. H. R. Matteson) من بوفالو، نيويورك، بالتقدم خطوة، حيث قدمت (وفقا للزجاجة منقوشة في مجموعتي) “علاج استبصاري”. ثم كان هنالك تقليد بسيط: انتشار المركبات الحاوية على الكرفس. هذا ما دفع الشركات الاخرى لتقديم مستخلص الكرفس ومركب ماء الكرفس، وبسكويت الكرفس، بالإضافة إلى منتجات أخرى حاوية على الكرفس.

أجبر قانون الغذاء والدواء الفيدرالي العديد من المنتجين على الخروج من السوق في حين أجبر الآخرين على تغيير الدعاية أو محتوى المنتج أو كليهما. ولكن استمر بيع الأدوية الحاصلة على براءة اختراع والأدوية المسجلة، بما في ذلك العلاجات النسائية التي تنتجها لدكتورة ووردن (والتي تستخدم لأجل “أمراض النساء ومشاكلهن، واضطراب وضعف الجهاز التناسلي”)، وهو منتج يدعى (Vin Vitae) (أو “Wine of Life” وهو يتكون من “النبيذ وأوراق الكوكا، والقليل من الكوكايين”)، وعلاج الدكتور مكبين (“منظف ومنقي الدم”). تم بيع هذه المنتجات عن طريق شركات الطلب عبر البريد، وكذلك عن طريق المعالجين ومتاجر التجزئة الأخرى، والباعة المتجولين.

اليوم، يتم تنظيم الأدوية التي تباع بدون وصفة بشكل دقيق، ولكن هنالك شكلا جديد من زيت الثعبان في ازدياد، في الطب البديل، حيث يتضمن علاجات تثير الشك والغريبة، من الوخز بالإبر إلى العلاج بالأوزون. فيتم بيع زجاجة حاوية على بعض النسخ الجديدة من الزيوت العطرية مثل زيت الثعبان و العلاجات المثلية (أي العلاج بنفس المادة التي تسبب المرض).

المصدر:

Joe Nickell, “Peddling Snake Oil“, Skeptical Briefs Volume 8.4, December 1998

 

عدد القراءات (244)

التعليقات

التعليقات

1 Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.