“كيف يعمل الكون؟” – الجُزء الأول: الإنفجار العظيم

الجزء الأول: الإنفجار العظيم

(The Big Bang)

يُوجد مليارات المليارات من النجوم، حقاً إن الكون واسعُ جداً، بحيث لا نستطيع أن نتخيل حتى ما تُعنيه هذه الأرقام. لكن مُنذ 14 مليار سنة لم يَكن هناك شئ موجود، إلى أن حدث الانفجار العظيم.

وجديرُ بالذكر أن العالِم البلجيكي جورج لومتر (George Lomter) هو الذي قدّمَ الفرضية، التي أصبحت بعد ذلك نظرية الإنفجار العظيم.

الإنفجار العظيم هو أصل الفضاء، وأصل الزمن نفسه. هو الحدث النظير للكون نفسه وما به. أنا، أنت، الحيوان، الطائر، النبات، الجماد، الماء، النجوم، الكواكب، الذرات، وكلُ شئ في الكون مصنوع من المادة التي نشأت عن الإنفجار الكبير.  

وسوف نأخذ رحلة خلال الفضاء والزمن من لحظة الإنفجار، حتى نهاية الكون نفسه. رحلة خارج نطاق النظام الشمسي، ومجرة درب التبانة، رحلة في عُمق الفضاء إلى بداية الزمن نفسه. يقول عالِم الفيزياء النظرية ميتشيو كاكو (Prof. Michio Kaku) “بداية الكون -الإنفجار العظيم-، هي الكأسُ المُقدسة للفيزياء. لماذا حدث الإنفجار؟، ما هو الإنفجار؟، ماذا كان هُناك قبل الانفجار؟.” وللإجابة على هذه الأسئلة تم بناء آلة -تعد أضخم آلة في العالم-، تُحاكي ظروف نشأة الكون، وتم أيضاً بناء مرصاد فضائي للنظر عميقاً في الماضي.

في سيرن بسويسرا -بلد أكبر آلة في العلم-، توجد آلة بحجم مدينة، عرضها 12 قدم في نفق خرساني، حول 17 ميل، بطول خمسة طوابق، ووزن 7 آلاف طن. تم هندستها لإنشاء نفس الظروف التي حدثت في الثواني الأولى بعد الانفجار الكبير. تُسمى هذه الآلة “كوليدر”، وتقوم آلية عملها تجعل الجزيئات الصغيرة للمادة ترتطم ببعضها البعض، فخلال جزء صغير من الثانية تولد تلك الاصطدامات طاقة نفاثة مُشابهة للانفجار العظيم، بعد ذلك تتحول الطاقة النقية إلى مادة سريعاً. وعلى صعيد آخر يسمح لنا مرصاد هابل الفضائي ذو الدور الهام بالرؤية عميقاً في ماضي الكون، وقريباً من لحظة الإنفجار.

 

يقول عالِم الفيزياء النظرية الشهير ستيفن هوكينج (Prof. Stephen Hawking) “نحنُ نقترب من إجابة الأسئلة القديمة. لماذا نحنُ هنا؟، من أين أتينا؟، هل حقاً للكون بداية ونهاية؟، وإن كان كذلك، فكيف ستكون؟. إذا وجدنا الجواب لهذه الأسئلة، قد يكون الفوز النهائي للفضول الإنساني”.

 

إن المصدر وراء الانفجار العظيم هو اللغز الأعظم في كُل الأزمان، وكلما عرفنا أكثر، أصبح اللغز أعمق. يجب أن نعتقد أن كوننا فريد، على كُلٍ قد لا يكون هذا صحيحاً، قد تكون هناك أكوان مُتعددة، قد تكون هُنالك انفجارات عظيمة متعددة، قد يكون لا نهاية لها. رُبما يحدُث واحدٌ منها الآن، رُبما هُناك حضارات اُخرى، لكننا على يقين بشئ واحد، وهو وجود كوننا، ومحاولة فهم هذا الكون صعبة بما فيه الكفاية.

 

مُنذُ أواخر العشرينات انقلب  كُل ما عرفناه عن الكون رأساً على عقب، حيثُ كان العلم القديم يقول أن الكون ثابت وسرمدي، حتى جاء الفلكي إدوين هابل (Edwin Hubble) عام 1929 ليأتي بأول دليل على الإنفجار العظيم، وهو أن المجرات ليست ثابتة في مكان مُحدد، ليس فقط أنها تتحرك، بل إنها تُحلق بعيداً عنا بسرعات مُذهلة جداً.

 

يقول عالِم الفيزياء النظرية/ لورانس كراوس (Prof. Lawrence Krauss): “كُل المجرات من حولنا تتحرك بعيداً عنا، والأغرب من ذلك أن تلك البعيدة بضعف المسافة، تتحرك بضعف السرعة، وتلك البعيدة بثلاثة أضعاف المسافة، تتحرك بثلاثة أضعاف السرعة، وهكذا كُل شئ يتحرك بعيد عنا”.

أصبح الأمرُ معروفاً باسم “قانون هابل”

 

والجديرُ بالذكر أنه في عام 1964 اكتشف العالمان أرنو بانزيس (Arno Allan Penzias) وروبرت ويلسن (Robert Wilson) أثار الإنفجار العظيم، مما يؤكد وبشدة على حقيقة الإنفجار العظيم من جهة، وعلى اكتشاف هابل من ناحية اُخرى.

لكن السؤال المطروح هو متى حدث الإنفجار العظيم ؟

نظرياً، توسُّع الكون لابُد أن يبدأ من نقطة واحدة، وبقياس مدى سرعة هذا التوسع تمكن الفلكيون من الإجابة على هذا السؤال، وهو أن الإنفجار حدث منذُ 13.7 مليار سنة.

لكن الناس يسألون “كيف تعرف أن عُمر الكون 13.7 مليار سنة؟!، أنت لم تكُن هُناك قبل 13.7 مليار سنة !.” الإجابة عندما نشاهد فيديو على التلفاز، ثُم نضغط على زر الإيقاف عندما نُشاهد إنفجاراً ما، ومِن ثَمَّ نستطيع إعادة المشهد للخلف ومُشاهدة متى تَشكَّل الإنفجار. الشيء نفسه يحدث في عِلم الكونيات. العُلماء قادرون على إعادة شريط الفيديو للخلف، وحساب متى حدث الانفجار. ليس ضرورياً أن تكون فلكياً لترى ما حدث في السابق، إذا حدّقت بعيداً في السماء سترى نجوماً بعيدة عنا بملايين السنين الضوئية، بمعنى أن الضوء الصادر من تلك النجوم يستغرق ملايين السنين حتى يصل إلينا، بالتالي لو نظرت بعيداً كفاية سيكون بإمكانك رؤية بداية الكون.

وكما ذكرنا، فمرصاد هابل الفضائي يسمح لنا بالرؤية عميقاً في ماضي الكون، وقريباً من لحظة الإنفجار. لكن بالنسبة للعُلماء، فإن لفّ عقارب الساعة للخلف -إلى الإنفجار العظيم- لم يكن سوى الخطوة الأولى.

ثُم تأتي أسئلة مثل:

  • أين وقع الإنفجار؟، هل وقع هُنا، هُنا، أم هُناك؟. في الحقيقة لقد وقع الإنفجار في كُل مكان، وذلك لأن الكون نفسه كان صغيراً جداً.
  • ما الذي جاء قبل الإنفجار العظيم؟. الفلاسفة قديماً كانوا يقولون “كيف لشيء أن ينشأ من لا شيء؟”، والأمرُ المُدهش هو أن قوانين الفيزياء سمحت بحدوث ذلك فعلاً. ولكي نستوعب نظرية الإنفجار العظيم علينا أن نقبل بالفرضية التي تقول: “شيء جاء من لا شيء”.

إنه لمن المستحيل وصف لحظة الخلق بلغة البشر!. لكن البداية كانت مرحلة كثافة، وحرارة، وعنف غير محدودين. لحظة الإنفجار كان كُل شيء صغيراً بشكل لا نهائي. جزء من مليون مليار جزء من السنتيمتر الواحد، كُل شيء كان مضغوطاً بداخل مكان كثيف وحار بشكل لا يُصدق، حتى لم تكن مادة قد تكونت بعد، إنما مُجرد نقطة من الطاقة النقية الهائجة. كل القوى التي نعرفها اليوم كانت واحدة ومتشابهة. كان الكون نفسه غير منتظم، ولم يكن له هيكل بنائي. في تلك اللحظة من الخلق كل القوانين الفيزيائية التي هندست كوننا بدأت تتشكل. والجديرُ بالذكر أن أول قوة أساسية ظهرت كانت الجاذبية. فمصير الكون، حجمه، تركيبه، وكل شيء فيه تم تقريره في تلك اللحظة. كان الحظ حليفُنا، حيث جاء الإنفجار العظيم بالكمية الصحيحة من الجاذبية.

تم إجراء تجارب لدراسة تأثير الجاذبية في تشكيل الكون، وذلك بوضع كون إفتراضي داخل حاسوب ضخم، ثُم وضع كميات مُختلفة من الجاذبية. عندما كانت الجاذبية أقل مما هي عليه بالواقع، كانت النتيجة كارثية، كُل شيء تطاير إلى أشلاء، ولم تتكون المجرات. وعندما كانت الجاذبية أكثر مما هي عليه بالواقع كانت النتيجة -أيضاً- كارثية، انتهى الأمر بكل شيء إلى ثقوب سوداء.

 

إن زمن الانفجار كان ضئيلاً لدرجة جعلت وصفه صعباً للغاية، وأدى ذلك إلى ابتكار وحدة زمنية صغير جداً تُسمَى زمن بلانك، وتُساوي تقريباً 5.4 ضرب 10 مرفوعة لأُس ناقص 44.

وكما نعلم فهذا أسرع من سرعة الضوء بكثير!. لكن أليس هذا مُخالفاً لقوانين الفيزياء؟!. لايُمكنك أن تُسرع أسرع من سُرعة الضوء، حتى الأطفال يعرفون هذا. حسناً، هُنالك ثغرة لطيفة توضح حلاً للمُعضلة، وهي “أن لا شيء أسرع من الضوء”، وفي الحقيقة لا وجود لشيء مثل فضاء فارغ!.

عند الإنفجار حدثت معركة رهيبة جداً بين (المادة المُضادة) -التي تستطيع تدمير الكون حتى قبل أن يبدأ-، وبين المادة العادية. فإذا كانت المادة العادية تمتلك شُحنة ما، فالمادة المضادة تمتلك الشُحنة المُضادة، وعند تلامسهما معاً، ينسفان بعضهما في إنفجار نووي ضخم. ومِن ثَمَّ كان مصير الكون مُعلقاً في ميزان هذه المعركة الملحمية، فكمية متكافئة من المادة والمادة المضادة سوف تنسف بعضها البعض. لكن هذا ليس جيداً، حيث أن كون بكمية متكافئة من المادة والمادة المضادة يُعنى أنه سيكون كون بلا مادة!، والسبب أنه سوف تنسف بعضها البعض، وتعود أشعة كونية مرة اُخرى.

لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك، حيث أن كُل مليار جزيء من المادة المضادة، يوجد مُقابله مليار وجزيء واحد من المادة العادية. وتلك كانت لحظة الخلق، فالجُزيء الإضافي من كل مجموعة من المادة العادية ينجو ليشكّل كوننا الحالي. ينجو كفاية ليشكّل كل المادة التي نراها اليوم في النجوم والمجرات. صدق أو لا تُصدق، ذرات جسدك ما هي إلا بقايا من هذا الإصطدام القديم بين المادة والمادة المُضادة.

صورة للإلكترون والبروتون، ومضاد الإلكترون (البوزيترون) ومضاد البروتون

عندما ننظُر إلى السماء -حرفياً- نستطيع رؤية مليارات من السنوات في الماضي، ونعتقد أنها هكذا دئماً. لكن في الواقع أنه بعد 380000 سنة من الانفجار العظيم بدأ الكون يتخذ شكله الحالي، لكن قبل ذلك كان الكون لبَني، كان حساءاً شفافاً من الإلكترونات الفضفاضة. الكوون الحديث وَجَب عليه أن يبرُد قليلاً؛ لجعل الإلكترونات تتباطئ وتلتحم إلى ذرات جديدة.

 

أطلقت وكالة الفضاء العالمية (NASA)  قمراً صناعياً يُسمى “المُتصفِح الكوني الخلفي” (Cosmic Background Explorer)، أو”كوب” (COBE)؛ من أجل إلتقاط صورة حديثة لقياس اختلافات الحرارة الموجودة بالفضاء، وبالفعل صنعوا أول صورة للكون المُبكر -الكون الرضيع-، عندما كان عُمره 380000 سنة فقط. كانت أسماء الصور تُدعى وجه الإله. لكن المشكلة أن الصور الناتجة لم تكن جيدة كفاية، حيث كانت ضبابية، لذا؛ أطلقت ناسا قمراً صناعياً آخر عام 2001 يُدعى “دبليو ماب”، أو”مسبار ويكسلون مجس التباين الميكرويفي”، ومِن ثَمَّ حصولنا على صور أكثر وضوحاً وتفصيلاً.

أحدث الصور تفصيلاً للكون المُبكر

الأحمر والأصفر هي المناطق الدافئة، أما الأزرق والأخضر فهي المناطق الباردة.

 

رسم بياني للخلفية الميكرويفية للكون

بعد مليار سنة من الإنفجار العظيم تشكَّلت المجرات الأولى، وفي الثمانية مليار سنة التالية تشكلت أعداد لا تُحصى من المجرات، وتقريباً بعد خمسة مليار سنة في زاوية هادئة من تلك المجرات بدأت الجاذبية بسحب الغُبار والغاز، وتجمعهم تدريجياً معاً  لتنتج ولادة شمسنا، ثُم بعد  تسعة مليار سنة من الإنفجار بزغ نظامنا الشمسي الصغير إلى الحياة ومعه كوكب الأرض.

صورة زمنية عن الكون

في الواقع إن كوننا مازال يتمدد، لكنه لن يستمر بالتمدد فقط، فكوننا له بداية وسيكون له نهاية أيضاً. الفضاء واسع جداً بمساحة 150 مليار سنة ضوئية على الأقل. رُبما الكون لا نهائي!، حرفياً قد يكون يتمدد إلى لا نهاية. فمن حيث المبدأ قد يكون الكون لا نهائي، ولا يوجد ما يُسمى خارج الكون. رُبما أيضاً كوننا واحد من بين طابور طويل من الأكوان.

صورة عن التمدد الكوني

   

إن الكون لا يُبطيء في تسارعه، بل على العكس فإن التسارع يزيد، ويعتقد الفيزيائيون بأن هُناك شيئاً ما يُدعى الطاقة المُظلمة -طاقة اللا شئ-، والتي تدفع المجرات بعيداً، وتقتل الكون ببطء.

صورة توضح نسبة الطاقة المُظلمة في تركيب الكون

Dark Energy

نحن لا نرى الطاقة المُظلمة المُدمِرة تلك، وليس لدينا فكرة لما هي موجودة!. لكنها قد تُعنى نهاية كُل شيء قد أوجَدهُ الإنفجار العظيم، إذا استمرت في دفع المجرات بعيداً عن بعضها ستُمزق الكون. يتوقع العُلماء أنه بعد مائة مليار سنة من الآن، كثير من المجرات المُجاورة سوف تختفي من الأنظار، النجوم سوف تنطفئ، حتى الذرات ستتمزق أشلاء. لكن موت الكون سوف يستغرق إلى الأبد تقريباً.    

صورة توضح التسارع الكوني نتيجة الطاقة المُظلمة

يقول الفيلسوف العظيم/ وودي آلن (Woody Allen) “الخلود وقت طويل جداً ومُخيف، خاصةً نحو النهاية”.

كما أن معرفة كيفية انتهاء الكون، إنما هو غموض، مثله مثل الإنفجار العظيم. قد ينهار على نفسه مثل البالون عندما يُفرَّغ من الهواء، قد ينتهي بإنسحاق عظيم على عكس الإنفجار العظيم، أو قد ينتهي بالتمدد بعيداً جداً حيث يصبح بارداً مظلماً. لا نعرف على وجه التحديد.

فحقاً إذا أردنا أن نفهم أنفسنا ومهمتنا الأساسية في هذا الكون، فيجب علينا أن نفهم الإنفجار العظيم.

صورة رائعة لتاريخ الكون منذ الانفجار حتى الآن
صورة رائعة لتاريخ الكون منذ الانفجار حتى الآن

 

المصادر:

  • NASA. NASA, n.d. Web. 28 Apr. 2017.
  • CosmoLearning. “Part 1: How The Universe Works: Big Bang | CosmoLearning Astronomy.” CosmoLearning. N.p., n.d. Web. 22 Apr. 2017.
  • Wollack، E. J. (10 December 2010). “Cosmology: The Study of the Universe”. Universe 101: Big Bang Theory.
  • Wright، E. L. (9 May 2009). “What is the evidence for the Big Bang?”. Frequently Asked Questions in Cosmology. UCLA, Division of Astronomy and Astrophysics.
  • Overbye، Dennis (17 March 2014). “Detection of Waves in Space Buttresses Landmark Theory of Big Bang”.
  • Overbye, Dennis. “Space Ripples Reveal Big Bang’s Smoking Gun.” The New York Times. The New York Times, 17 Mar. 2014. Web. 28 Apr. 2017.

عدد القراءات (1198)

التعليقات

التعليقات

About محمد فاروق 20 Articles
مهووس بالفيزياء والرياضيات.

1 Comment

  1. كيف تدور الكواكب حول نفسها، من اين تستمد الطاقه التي تجعلها تدور حول نفسها،

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.