الاعجاز العلمي وسلبيات الخلط بين العلم والدين

الاعجاز العلمي

الاعجاز العلمي صار في العقود الأخيرة أيقونة لتصدير الادعاءات الخاطئة التي يستند اليها كثيرون كنمط أخير من المعجزات الحديثة. لن يكون هذا المقال مهاجمة لدين معين أو انتقاصاً منه ولكنه موجه ضد اولئك الذين يحملون النص الديني ما لا يحتمل ويلوون أعناق الجمل والعبارات ليجعلوها تواكب ما يريدون.

لن نُناقش في هذا المقال مفردات تلك الإدعاءات فأقواها تم تفنيده مراراً وتكراراً في كتب ومنشورات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب خالد منتصر (وهم الإعجاز العلمي). كما لن نتناول في هذا المقال آراء رجال الدين المعارضين للإعجاز ولكن سنتناول الموضوع من ناحية منهجية قائمة على أساس منهج العلم ومنهج الدين.

الخلط بين العلم والدين

مما لا شك فيه في اين دين من بين آلاف الأديان في العالم أن هناك قيمة عالية لليقين لاسيما تلك الأديان التي تتبنى الادعاء بقدرتها على تقديم التفسيرات الشاملة لشؤون الحياة، لا يمكن أن تكون غير موقن بحقيقة من حقائق الدين الأساسية وتكون في الوقت نفسه مقبولاً كشخص تابع أو منتمي لذلك الدين. بإختلاف العبارات يقين أو إيمان أو تصديق محض فوجود درجة عالية من التصديق مطلوبة جداً وأيضاً بغض النظر عن عواقب ذلك التصديق أو عدم التصديق[1].

من جهة أخرى تتصدر الخطوط الأساسية للمنهج العلمي[2] ما يُعرف بقابلية التخطئة. ليس الإدعاء مقبولاً علمياً ما لم يكن قابلاً للتخطئة. أن تدعي وجود كائن خرافي يدور في مدار كوكب في مجرة أندروميدا فإن ذلك ليس إدعاءاً قابلاً للتخطئة لا يُمكننا بأي شكل من التحقق من صدق هذا الإدعاء، أو أن عملية التحقق هي عملية شبه مستحيلة، تصريحات ومزاعم كهذه تُعد غير مقبولة في المنهج العلمي. بينما إدعائي بأن جميع الإوزات بيضاوات هو إدعاء قابل للتخطئة ويُمكنك أن آتي بأي إوزة سوداء لتُفند إدعائي.

على صلة بموضوع قابلية التخطئة هناك أمر بالغ الأهمية في الكشف العلمي وهو الإختبار، في العلم لا تُقدم التصريحات جُزافاً بل تُقدم وفق متسلسلة من الإثبات الذي قد يكون منطقياً، رياضياً، مختبرياً، أو مشاهدة مباشرة. يُمكن القول أن قابل للتخطئة في العلم لا يعني فحسب أن الأمر قابل لأن يكون خاطئاً بل أنه قابلٌ للقياس. إدعائي بأن جميع الإوزات بيضاوات ليس صحيحاً لكن عبارتي ليست خاطئة علمياً.

لا يُشترط بما هو غير مقبول بالمنهج العلمي أن يكون خاطئاً فكثير من الحقائق الإقتصادية لا تخضع للمنهج العلمي ليس لأنها غير منطقية بل لأن قياسها بشكل شامل حاسم غير ممكن وكذلك الحقائق من علم الإجتماع. التسويق ليس علماً لكن العمل به يعود بالكثير من الأمور الصحيحة التي تُطبق بنجاح.

الآن ما موقع منهج الدين من المنهج العلمي؟

لا يمكنك أن تكونَ غير مؤمنٍ بأمور كثيرة في الدين وتكون منتمي بشكل صحيح لذلك للدين.

لا يُمكن أن تطرح حقائق غير قابلة للتخطئة وتكون في نفس الوقت علمي المنهج.

يقول الدكتور خالد منتصر [3]: “إن مزج الدين مع العلم يضر كلا المنهجين سوية، فالدين منهج اليقين والعلم منهج الشك”. فالدين مع العلم يخضع للتشكيك والتخطئة والقياس لأمور لا تنوي مقاصد الدين أن تُشكك بها. وفي الوقت نفسه فإن العلم مع الدين عليه أن يضيف مفهوماً لليقين، لا يُمكن إخضاع العلم لليقين أو الدين للشك.

لكن ما الذي سينعكس على العالم لو قبلنا بالإعجاز أو برفض التطور أو بجيولوجيا الطوفان أو الإعجاز العددي في القبالاه او القرآن أو الإنجيل؟ في واقع الأمر هناك أمور كثيرة تنعكس على قبول هذه المزاعم نُلخص أبرزها أن ترويج الاعجاز العلمي لا يتوقف عند هذا الحد فمعظم مروجي الاعجاز العلمي يحملون مزاعم مرفقة بعلاجات غير علمية دينية المنشأ ونرى أن الاعجاز العلمي غالباً ما يأتي مرفقاً بتلك الوصفات السحرية للعلاج. يتجاوز الأمر ذلك الى جعل النص الديني بديلاً عن العلم وليس حتى مرادفاً موازياً له.

سمات العلم الزائف في الاعجاز العلمي

من أبرز سمات العلم الزائف التي يُمكن أن نجدها في ادعاءات الاعجاز العلمي:

  • وقت طويل مع ادعاءات غير متغيرة: غالباً ما يُلاحظ على العلم الزائف وجود ادعاءات تحمل مزاعم العلم الجديد او الاكتشاف لكنها خالية من أي ملامح للتجديد. الباراسايكولوجي مضى عليه قرن من الزمان وهو يراوح في المدخل، يسعى لأي دليل أو اي اثبات دون جدوى. كذلك الاعجاز العلمي من المحال أن نجده يحيد عن القاعدة السائدة في كونه يأتي بعد الاكتشاف وينسبه للنص.
  • الاستناد للحوادث غير المثبتة: في حال أراد العلم الزائف أن يثبت شيئاً فإنه يرجع الى أحداث غير موثوقة. ايان ستيفينسون مثلاً يستند في رواياته عن تناسخ الأرواح الى قصص قديمة يستحيل التحقق منها والى روايات اشخاص من مستشفى الأمراض العقلية. الأمر ذاته في حالات الاستشهاد بأحداث لم تحدث بعد أو احداث قادمة في الاعجاز العلمي مثلاً من يزعم أن القرآن قال بتفكك الماء الى هيدروجين واوكسجين تحت تأثير الصوت عند النفخ في الصور.
  • ضعف او عدم وجود قابلية التخطئة.
  • عدم قبول النتائج المعكوسة. لو كان هناك اعجاز علمي يثبت صحة كتاب معين. هل سينتفي الكتاب اذا كان هذا الاعجاز خاطئ؟ كلا بالتأكيد.
  • التفسيرات الادبية وعدم دقة الطرح العلمي.
  • عدم وجود تجارب، إثباتات، براهين أو أي نوع من أنواع الاثبات العلمي.

مصادر

[1] (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة وبالآخرة هم يوقنون) – البقرة – القرآن، (أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ) – الكتاب المقدس

[2] كارل بوبر – منهج الكشف العلمي

[3] خالد منتصر – وهم الإعجاز العلمي

عدد القراءات (1038)

التعليقات

التعليقات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.