كيف تعمل الجينات؟

الجينات

تشبه الجينات الى حدٍ ما صندوق المفاتيح الكهربائية لبناية ما، لكن وظيفتها ليست للتحكم بشئ ما، بل هي دليل لصناعة الأحماض الأمينية المختلفة التي تتكون منها البروتينات الهامة في أجسامنا. إذاً لنقل أن الجينات وهي الوحدة التي يتناقل البشر بواسطتها الصفات الوراثية هي كتاب لوصفات البروتينات. لكن ما هو دور الأحماض الأمينية أو البروتينات في أجسامنا؟

الكثيرين ربما لم يسمعوا بالبروتينات والأحماض الأمينية إلا في نطاق الكلام عن التغذية والنمو وبناء الأجسام، لكن وإلى حدٍ ما تمثل البروتينات الجزء الأهم في الكائن الحي فلو جئنا للون البشرة ولون العينين مثلاً لوجدنا أنهما يرتبطان بنسبة الميلانين في الجسم، والميلانين يتكون بدوره من أكسدة الحامض الأميني المعروف بالتيروسين (Tyrosine)  (الذي يأتي هو الآخر من تحول حامض أميني آخر) والذي تتم صناعته عبر التيروسيناز (Tyrosinase) الذي يتحكم به الجين المسمى TYR والموجود في الكروموسوم الحادي عشر في الإنسان (للمزيد من التفاصيل حول مصطلحات كروموسوم، جين، نيوكليوتيد راجع مقالنا المنشور في نوفمبر 2011 – ما هي الجينات في موقع العلوم الحقيقية).

العملية تبدو معقدة مع هذا المثال لكننا وصلنا في النهاية إلى ارتباط لون البشرة بأحد الجينات، ولا يعني ذلك أن هذه السلسلة هي المؤثر الوحيد على لون البشرة لكننا لن ندخل بالتفاصيل هنا فكل عملية كيميائية تحدث لتكوين هذه المواد لها ارتباطات بمواد أخرى ولتلك المواد قصص أخرى. لنأخذ مثالاً آخر:

لماذا نتكلم بشكل منطقي فيما لا تتكلم حيوانات أخرى توصف بالذكاء بقدر طفل بعمر بضعة سنوات مثل الدولفين والببغاء والقرد؟ قد تعتقد أن الأمر يعتمد على أدوات النطق، لكن الببغاء ورغم وجود ارتباط بين الكلمات التي يقولها وبين بعض ما يجري حوله لكنه لا يعرف معاني ما يقول. نحن نمتلك جين يسمى FOXP2 وكذلك تمتلكه الكثير من الحيوانات كالذئاب والكلاب والطيور والفئران، لكن الفرق أن طفرة وراثية حدثت في هذا الجين قبل 500 الف سنة وكان الجيد بنسخته الحالية موجوداً لدى كل من الانسان العاقل (Homo sapiens) – الإنسان الحالي – وكذلك إنسان النياندرتال. فما الذي حدث؟

مقالنا (جين اللغة) المنشور في يناير 2012 (إعداد: أثيل فوزي) يشرح أن ما نمتلكه من قدرات لغوية لا تعتمد على قدرة النطق فحسب بل على المهارات الإدراكية التي يوفرها هذا الجين. فماذا عن البروتينات المرتبطة بهذا الجين؟ لن يكون الأمر بهذه البساطة فمجموعة الجينات المعروفة بتسمية (FOX) لا تعمل على توليد البروتينات بشكل مباشر فحسب، بل أن هذه البروتينات المعروفة ببروتينات فوكس (FOX proteins) لها دور تنظيمي لتنظيم عمل مئات الجينات الأخرى وما الكلام إلا جزئية بسيطة ترتبط بجينات وبروتينات أخرى. اما البروتينات ذات الصلة بالكلام والتي ينظم جين اللغة لدى الإنسان العاقل صناعتها فهي تعرف ببروتينات رأس الشوكة P2 (forkhead box protein P2) وتلعب دوراً هاماً في تشكل أجزاء الدماغ المسؤولة عن اللغة اثناء تكون الأجنة[1].

قصة جين اللغة معقدة بشدة فالجين ينظم إصدار عدد من البروتينات التي تكون مسؤولة عن نمو اجزاء معينة في الدماغ أثناء نشوء الجنين، أما عائلة هذا الجين فهي تتشابك مع العديد من الجينات الأخرى وتنظم عملها من خلال تلك البروتينات ضمن ما يعرف بعامل النسخ (transcription factor) أي أن البروتين له دور في نسخ خيوط الدنا. مما يعني أن عائلة هذا الجين ليست مسؤولة عن توليد بروتينات تؤدي وظائف محددة فحسب بل هي مسؤولة عن جينات أخرى أيضاً[2].

مثال أخير وأكثر بساطة لشرح آلية عمل الجينات. هل سمعت بفصيلة الدم؟ فيما لو لم تكن قد تعرفت عليها جيداً يُمكنك الإطلاع على مقالنا (لماذا تتفاعل مستضدات فصيلة الدم O عندما يكون هو المستلم ولا تتفاعل عندما يكون هو الواهب؟، رمزي الحكمي، 11 مارس, 2017). المولد المضاد أو المستضد الموجود في الدم والموجود بصنفين (A,B) يقوم بتصنيف دماءنا إلى أربع أصناف بحسب وجود أحد المستضدين أو كلاهما أو عدم وجودهما. ما يحدد نوعية المستضدات هو ما يُعرف بالجليكوسيلتراسفيرس (Glycosyltransferase) والذي هو أنزيم (معظم الانزيمات هي بروتينات) يقوم بتكوين مستضدات مختلفة الأنواع بحسب نوعه ولكل شخص نوع من هذا الإنزيم. والجين المسؤول عن توفير وصفة إعداد هذا الانزيم هو جين يحمل نفس تسمية نظام تصنيف الدم (ABO) ويتواجد في الكروموسوم التاسع للإنسان. أما عن فائدة هذه المستضدات فلها دور مناعي لا مجال لشرحه في هذا المقال[3].

كيف تصنع البروتينات؟

لعملية صنع البروتين في الخلية مراحل عديدة، لكن دور الحمض النووي والجينات فيه يتركز في ما يُعرف بمرحلة النسخ أثناء إعداد البروتين، حيث يقوم الرنا المراسل (mRNA) بالالتصاق بالحمض النووي (DNA) للخلية بعملية تشبه النسخ (يُمكن الإطلاع على التفاصيل بشكل أفضل في هذا المقال: كيف تبني خلايانا البروتين؟، أنا أصدق العلم، مارس 2015) ويمثل الحمض النووي في هذه الحالة ما يُشبه الورقة الأصلية التي يُراد استنتساخها موفراً المعلومات الوراثية المطلوبة لتكوين البروتين.

وبذلك وعبر هذه العمليات يُمكن فهم العلاقة بين صفاتنا والجينات ويُمكن فهم آلية عمل الجينات بشكل موجز.

مصادر

[1] forkhead box protein P2 isoform III [Homo sapiens], NCBI Reference Sequence: NP_683697.2

[2] Geetu Tuteja and Klaus H. Kaestner, “Forkhead Transcription Factors I”, cell.com, September 21, 2007 ©2007 Elsevier Inc. DOI 10.1016/j.cell.2007.09.005

[3] Dean, L. “Blood Groups and Red Cell Antigens [Internet]. Bethesda (MD): National Center for Biotechnology Information (US); 2005. Chapter 2, Blood group antigens are surface markers on the red blood cell membrane.”

عدد القراءات (544)

التعليقات

التعليقات

About Omar 180 Articles
مهتم بعلم النفس والعلوم الاجتماعية والتقنيات واللغويات يمكن التواصل معي عبر البريد الالكتروني: omar [at] real-sciences.com

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.