الوسواس القهري: حياة أسوأ أخطار أقل!

OCD
بواسطة Michael Showalter

إحصائيات: يحظى الاضطراب الوسواسي القهري OCD بالقليل من الاهتمام نظريا وسريريا. وفقا للمؤسسة الأميركية لعلم النفس APA ، أكثر من نصف المصابين بهذا الاضطراب (59.9%) لا يتلقون أي علاج (2011)، هذا بالإضافة إلى أن المرض في الواقع غالبا يُهمل تشخيصه [1]. حوالي 2.3% من الناس في سن 18-54 عاما شُخصوا بهذا المرض. معدل الإصابة يُقدَّر بـ 1 من كل 40-50 مصابٍ بشكل من أشكال OCD. في أميركا، قرابة 3.3 مليون (وفي بعض الدراسات 6 مليون) يعانون من هذا الاضطراب. من غير الشائع  تشخيص هذا الاضطراب بعد سن الأربعين. كغيره من الأمراض النفسية (أمراض القلق)، الاضطراب الوسواسي القهري أكثر شيوعا في البلدان المتطورة (2005) [2]. ذروة حدوث هذا الاضطراب في السنوات 10-19 سنة ثم 20-29 سنة (2011). ينتشر الاضطراب الوسواسي القهري بنسبة 1% بين الأطفال والمراهقين (1999). معظم المرضى (90%) لديهم اهتمام ضعيف بالذات. 75% لديهم علاقات عائلية ضعيفة. 66% عانوا من عدم القدرة على الاحتفاظ بالصداقات، من ضعف الأداء الدراسي ومن تدنِّي الطموح المهني. 40% لم يستطيعوا العمل لمدة عامين. 15% انتحروا (1996). نسبة إصابة النساء أعلى بعد سن البلوغ ونسبة إصابة الرجال أعلى في الطفولة. الأشخاص في سن المراهقة، غير المتزوجين، المدمنون أكثر عرضة للإصابة (2008) [1].

الوساوس: هي أفكار ودوافع وتصورات عقلية متكررة تسبب القلق. مثل: الخوف من الجراثيم والتلوث، أفكار جنسية أو دينية غير مرغوبة، أفكار مُعادية للنفس أو الآخرين.

الأفعال القهرية: هي سلوكات مكررة يجد الشخص الحاجة لفعلها استجابةً لأفكار وسواسية. مثل: الإفراط في النظافة وغسل اليدين، المبالغة في ترتيب الأشياء بطريقة معينة [3].

في 1999 نُشرت [4] ورقة علمية بعنوان “فرضية تطورية للاضطراب الوسواسي القهري: جهاز مناعي نفسي؟” تحاول إيجاد تفسيرات تطورية لهذا الاضطراب. تفترض هذه الدراسة أن الجهاز العصبي الحيوي في حالة الـ OCD يعمل كمنتج لسيناريوهات لا إرادية متعلقة بالخطر بحيث يحمي المتعضِّي من المرور بأخطار جسدية واجتماعية، لكنه بدلا من إنتاج هذه السناريوهات في الوقت المناسب (وقت الخطر) ينتجها في الحالات الآمنة تماما.

من المفترض أن الظواهر الوسواسية هي عملية غير مباشرة off-line لتجنب الخطر مستقبلا، لذا تختلف عن القلق والظواهر المرتبطة به التي تعمل بشكل مباشر on-line لتجنب خطر حاليّ [*].

تجادل هذه الفرضية بأن الأسلاف الذين اكتسبوا هذه الصفة (الوسوسة) تحسنت لياقتهم التكاثرية أكثر من الآخرين الذين لم يكتسبوها. فالذين تمتعوا بهذه المزيَّة استطاعوا أن يتعلموا تجنُّب الأخطار الشائعة بدون التعرض لها في الواقع بخلاف الذين لم يتمتعوا بها.

يؤيد هذه الرؤية أن الأفكار الاقتحامية غير المرغوبة والطقوس القهرية هي ظواهر عالمية عبر الثقافات. الانتشار العالي نسبيا للاضطراب الوسواسي القهري طول العمر عند بعض الناس 2.5% ولمدة عام واحد عند بعضهم 1.6% يدعم الرأي القائل بأن هذا الاضطراب يمثل نهاية عنيفة لصفة تكيفية محتملة بدلا من كونه نتيجة طفرة جينية.

obsessive_compulsive_disorder_by_romulus71
رسمة ذكية: المصابون بالاضطراب الوسواسي القهري يركضون بعيدا عن الخطر!

البقاء للجسم المضاد أو الفكرة الأنسب: العملية الوسواسية تشابه بطريقة ما الأجسام المضادة antibodies التي ينتجها الجهاز المناعي. فإذا كانت الأجسام المضادة تحمي الجسد من الأخطار غير المرئية (البكتيريا، الفيروسات) فإن الأفكار الوسواسية تحمينا مبدئيا من الأخطار الخارجية في البيئة.

لتوضيح الصورة، دعونا نضرب مثلا: الشخص الذي لديه أفكار وسواسية (الخوف من الصعق الكهربائي) سيتجنب دائما كل ما له علاقة بالكهرباء (المولدات، الأسلاك، القوابس)، وهذا سيقلل خطر إصابته بالصعق في المستقبل، فكأنه امتلك “مناعة” ضد الصعق الكهربائي، بغض النظر عن التأثير السلبي لهذه الوسوسة على حياته (البعد عن التكنلوجيا).

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن الاضطراب الوسواسي القهري هو نظير المرض  المناعي الذاتي Autoimmune disease، فكما أن الجهاز المناعي في حالة المرض المناعي الذاتي يعمل في غياب الميكروب (كما في حالة التهاب المفاصل الروماتويدي)، فإن الجهاز العصبي الحيوي ينتج سيناريوهات الخطر في غياب الخطر فيكون له أثر تدميري للنفس.

تتنبأ هذه الدراسة بزيادة سيناريوهات الخطر وطقوس تجنب الألم في الأوقات الحرجة حيويا (بيولوجيا): بعد الولادة، عند البلوغ. وهناك أدلة على زيادة خطر الإصابة بالاضطراب الوسواسي القهري في النساء أثناء الحمل وبعد الولادة.

يتصف الأطفال بشكل طبيعي بالأفكار الوسواسية القهرية. التصرفات الطقوسية شائعة جدا بين الأطفال في سن 30 شهرا وتبدأ بالاختفاء عند السنة الثالثة وتختفي تماما عند الرابعة عندما تصبح الأشياء مألوفة لدى الطفل.

المراجع:

[1] www.neurosciencesjournal.org/pdffiles/Oct11/Obsessive20110263.pdf

[2] designedthinking.com/ocd/ocd-facts-and-statistics

[3] www.nimh.nih.gov/health/topics/obsessive-compulsive-disorder-ocd/index.shtml

[4] downloads.hindawi.com/journals/bn/1999/657382.pdf

[*] يرى عالم اللسانيات ديريك بايكرتون Bickerton أن هناك طريقتين للتفكير: الطريقة المباشرة On-line thinking وهي شائعة بين المتعضِّيات المعقدة كالإنسان ومصممة لحل المشكلات التي تواجهها مباشرةً (الفرار من عدو، مثلا). والطريقة غير المباشرة Off-line thinking التي صممت لمواجهة المشكلات المحتملة غير المباشرة (الوسوسة، مثلا).

عدد القراءات (646)

التعليقات

التعليقات

About رمزي محمد 34 Articles
كاتب علمي، أهتم بالطب النفسي التطوري وعلم النفس التطوري. لمتابعة دراساتي المنشورة: www.researchgate.net/profile/Ramzi_Hakami

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.