اللغة الكيميائية للخلايا: كيف تتواصل الخلايا مع بعضها

التواصل بين الخلايا

من أجل أن تعمل الخلايا بطريقة صحيحة، فأنها تحتاج للتواصل مع بعضها البعض، مثلما يحتاج العمال في مكان واحد للتواصل، وإستقبال أوامر العمل من الإدارة. التواصل بين الخلايا في جسم الإنسان يتم بشكلين الشكل الأول هو ما يتعلق بالإشارات التي يرسلها الجهاز العصبي للخلايا، وهي إشارات تتميز بسرعتها الفائقة، ثم تتوقف الإشارة مباشرة بعد زوال المحفز، أو التكيف مع أستمرار وجوده، وتحدث هذهِ الطريقة من التواصل عن طريق  الإشارات الكهربائية ومواد كيميائية خاصة تُسمى النواقل العصبية تنتقل من خلية عصبية إلى أخرى عن طريق نقاط التشابك بين الخلايا العصبية، أو ما يُسمى بالمشبك العصبي (synapse). أما الشكل الثاني من التواصل بين الخلايا فهو التواصل الكيميائي عن طريق الغدد التي تُفرز وسائط كيميائية أو هرمونات.

في كل عملية لنقل الإشارة (signal transduction) هناك خلية مُرسِلة للرسالة الكيميائية، وخلية هدف أو مستقبلة لتلك الرسالة؛ أحياناً تكون الخلية مُرسلة ومستقبلة في ذات الوقت، أي “إفراز ذاتي” تُنتج الخلية مادة كيميائية لتعمل في داخل الخلية نفسها، وأحياناً يكون الإفراز للخلايا المتصلة ببعضها أو الخلايا القريبة دون الحاجة إلى دخول الرسالة إلى مجرى الدم، وفي حالات أخرى تحتاج الرسالة أو الإشارة الكيميائية المرور بمجرى الدم محمولة على البروتينات الموجودة في البلازما من أجل أن تصل إلى خلية بعيدة، لتوجهها لفعل شيء ما وهو ما يُعرف بالأفراز الصمّي، يختلف نوع الإشارة التي تنتج من الإفراز الصمي عن عمل الإشارات العصبية بكونها يمكن أن تنتشر على مساحة أوسع،  كما أنّها تتميز بالبطء في التحفيز، والبطء في إختفاء الإشارة مقارنة بالإشارات العصبية .

مراكز الإشارة البعيدة هي الغدد الصماء، يحتوي الجسم على عدة خلايا صم، يتحكم بها عن طريق الدماغ في منطقة ما تحت المهاد (الهايبوثلامس = Hypothalamus)، إذ تعمل هذهِ المنطقة من الدماغ على تنظيم أهم الوظائف الجسدية من توازن الماء حتى الرغبة الجنسية، أغلب نشاطات ما تحت المهاد يتم عن طريق تحفيز غدة صغيرة مرتبطة بهِ وهي الغدة النخامية (قطرها 1.3 سم، يزداد حجمها إلى النصف خلال فترة الحمل)، تتكون الغدة النخامية من ثلاث فصوص: أمامي، وسطي، وخلفي، لا يوجد لدى الإنسان سوى الأمامي والخلفي منها ويكون الخلفي مُكملاً لما تحت المهاد ومكوناً من نسيج عصبي، بينما الجزء الأمامي مكون من نفس نسيج الغدد وهو مسؤول عن أفراز ستة أنواع من الهرمونات، مسؤولة عن تحفيز غدد صماء أخرى في الجسم، بينما لا يفرز الفص الخلفي سوى الهرمون المضاد للتدرر وهو هرمون مهم للغاية في حفظ توازن الماء والأملاح في الجسم، وهرمون الاوكسيتوسين أو كما يُعرف شعبياً بهرمون الحب والذي هو في الأساس هرمون يساعد على تقلص خلايا الرحم خلال عملية ولادة الطفل ليدفعه خارجاً، بينما يحفز إدرار الحليب من ثدي الأم بعد ولادة الطفل، وهذا طبعاً لا ينفي أنّه يرتفع بالفعل في حالة الإثارة الجنسية في دم كلا الجنسين.

يعمل ما تحت المهاد  (الهايبوثلامس) كما لو كان جهاز تحسس دقيق للغاية، يتحسس أي تغير في بيئة الجسم الداخلي، وما إن يحدد حاجة الجسم إلى تغيير ما فإنّه يقوم بإنتاج رسالة كيميائية (هرمون) يوجهه إلى خلية معينة لتقوم بالتعديل الملائم في عملها من أجل التكيف مع ذلك التغيير، وإعادة الجسم إلى الوضع المثالي، ما إن يصل الهرمون إلى الخلية فسيكون بوسعه الدخول مباشرة إذا كان مكوناً من مادة دهنية إذ لا يحتاج لواسطة للعبور خلال غشاء الخلية الدهني، ليجد داخل الخلية مواد مُستقبلة توصله مباشرة إلى الحمض النووي الموجود داخل للنواة، فيتم تنشيط أو تثبيط جزء من الحمض، حسب الرسالة. إما فيما لو كانت الرسالة بهيئة عنصر كيميائي غير دهني كأن يكون بروتيناً مثلاً، فإنه يحتاج إلى المرور عبر بوابة معينة، وعلى سطح الغشاء الخلوي العشرات إن لم يكن المئات من تلك البوابات، وكل بوابة (أو ما يُعرف بإسم المُستقبِل = receptor) تكون مخصصة لاستقبال إشارة كيميائية معينة، ما إن تحط الإشارة في المكان الملائم لها (المُستقبل) حتى تتحفز في داخل الخلية سلسلة من الإشارات التي تؤدي في النهاية إلى الوصول للحمض النووي وإجراء تعديل معين عليه من أجل إنتاج أو أيقاف إنتاج مادة ما، في سبيل إعادة التوازن للجسم.

من أهم الغدد الصماء في الجسم هي الغدة الدرقية التي تعمل على تنظيم الأيض، الحرارة، وضغط الدم، والغدة جار الدرقية التي تعمل على تنظيم مستوى الكالسيوم في الجسم، والبنكرياس الذي يقوم بإفراز العديد من الهرمونات والمواد الكيميائية الخاصة بالهضم أهمها الأنسولين الذي يخفض سكر الدم بتسريع دخوله إلى الخلايا، والكلوكان الذي يرفع سكر الدم بسحبه من الخلايا، الغدة الكظرية والتي تقع فوق الكلى لها أهمية بالغة كذلك فهي لا تقتصر على إفراز الأدرينالين المسؤول عن غريزة النجاة أو ما يُعرف بالهرب أو المواجهة، فهذهِ الغدة التي تتبع في أساسها للجهاز العصبي (جزء من جار الودي = البارسمبثاوي) إذ تتكون من خلايا عصبية خاصة تكيفت لتختلف عن الشكل التقليدي للخلايا العصبية بحيث فقدت جذعها وتفرعاتها الشجيرية، قشرة الغدة الكظرية وحدها تقوم بإفراز أكثر من 25 هرمون، وهناك بالتأكيد الأعضاء الجنسية لكلا الجنسين والتي تعمل بدورها كغدد صماء.

من الجدير بالذكر أنّ الإشارات الكيميائية للتواصل بين الخلايا لا تقتصر على الكائنات متعددة الخلايا كالإنسان وغيره، بل حتى البكتريا وهي كائن وحيد الخلية يستفاد من الإشارات الكيميائية للتواصل مع البكتريا الموجودة في محيطه كذلك على شرط أن تكون من السلالة ذاتها، إذ تفرز البكتريا مادة كيمائية خاصة تتحسس المحيط الخاص بها في المستعمرة المكونة من عدد كبير من البكتيريا من السلالة ذاتها، وقد تفرز إشارة خاصة بالتقليل من الانقسام لمقاومة الظروف الصعبة، أو تحفز البكتريا الواقعة على محيط المُستعمرة من أجل أن تبدأ بإفراز مواد خاصة تزيد من ارتباط البكتريا ببعضها، وتكوين محيط هلامي يجعلها أشد مقاومة للمواد المضادة للبكتريا في محيطها، وذلك ما نشاهده مثلاً عندما يتكون الشريط البكتيري (film) على الاسنان ليشكل ترسبات وبقع (البلاك) يصعب التخلص منها بسهولة.

 

المصادر:

– Charlotte Pratt & Kathleen Cornely: Essential biology.(2012) 3rd edition.

– Kenneth Saladin & Leslie Miller: Anatomy and physiology. (2013)

 

عدد القراءات (218)

التعليقات

التعليقات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.