جهاز كشف الكذب حقيقته وهل يمكننا خداعه؟ ما هو تاريخ تقنيات كشف الكذب؟ وما هو اساس عمل جهاز كشف الكذب؟ وكيف أثبت فشل الجهاز؟ وما هي التقنيات الجديدة في الآفاق لكشف الكذب؟

في الصين القديمة (حوالي 1000 سنة قبل الميلاد)، كان على من يشتبه في أنه يكذب أن يمضغ مسحوق الأرز ويبصقه. فإذا كان المسحوق جافا، يعتبر المشتبه به كاذبا، فحسب اعتقادهم، الكذب يزيد من الخوف ويقل تدفق اللعاب كاستجابة للخوف. وخلال محاكم التفتيش، كان على المشتبه بهم مضغ الخبز والجبن،. فإذا اختنقوا أثناء تناول الطعام، -بسبب جفاف الحلق الناتج عن الخوف- فهذا دليل على أنهم كاذبون. ففكرة الاستجابة الفسيولوجية للكذب التي جرى الكشف عنها بواسطة اختبار بسيط، هي فكرة قديمة وتبدو همجية وبدائية بالنسبة لنا. إذ يكفي إضافة بعض الأسلاك الكهربائية وبعض المصطلحات التي تبدو تقنية، كي تصبح فكرة كشف الكذب عن طريق الاستجابة الفسيولوجية فكرة “علمية”.

أصبحت اختبارات كشف الكذب رمزا ثقافيا شهيرا –من الأعمال الدرامية حول الجريمة إلى الأعمال الكوميدية والإعلانات—فصورة قلم جهاز كشف الكذب وهو يتذبذب بعشوائية أصبحت رمزا يسهل التعرف عليه. وقد جادل الأخصائي النفسي ليونارد ساكس (Leonard Saxe) فكرة أنه يمكننا الكشف عن صدق الشخص من خلال مراقبة التغيرات النفسية والفيسيولوجية واعتبرها خرافة أكثر منها حقيقة. فحتى مصطلح “كشف الكذب” الذي يستخدم للإشارة إلى اختبار جهاز كشف الكذب، هي تسمية خاطئة. وينطوي ما يسمى بـ”كشف الكذب” على استنتاج الخداع من خلال تحليل الاستجابات الفسيولوجية لسلسلة منظمة ولكن غير موحدة من الأسئلة.

وفي عام 2003، وجدت الأكاديمية الوطنية لتقرير العلوم بأمريكا، أنه قد كان هناك نقص حاد في ما يتعلق بدقة أجهزة كشف الكذب تحت ظروف مختلفة. وقدرت هذه الدراسة أن دقة أجهزة كشف الكذب كانت حوالي 75 ٪، ولكن يمكن أن تبلغ 99 ٪ أو تنخفض إلى 55 ٪ حسب عدة عوامل. وتشمل هذه العوامل خبرة الشخص الذي يقوم بالاستجواب، ووضع الاختبار (تجريبي أو قضائي)، وشكل الاستجواب الذي تم توظيفه.

تتألف الأداة المستخدمة عادة لإجراء اختبارات كشف الكذب من مسجل فيسيولوجي، يُقَيِّم ثلاثة مؤشرات للإستثارة اللاإرادية: معدل ضربات القلب / ضغط الدم، والتنفس، وموصلية الجلد. ويستخدم معظم المُستنطِقين اليوم أنظمة تسجيل محوسبة. ويتم قياس معدل وعمق التنفس بواسطة مخطاطات الحركات التنفسية (pneumograph) التي تكون ملفوفة حول صدر من يخضع للفحص. ويتم تقييم نشاط القلب والأوعية الدموية بواسطة كُفَّةِ ضغط الدم. وتُقاس موصلية الجلد من خلال أقطاب كهربائية مثبتة على أطراف أصابعه.

طبيعة اختبار سؤال التحكم (Control Question Test) في جهاز كشف الكذب

تستخدم عادة تقنيات استجواب عدة في اختبارات كشف الكذب. والاختبار الأكثر شيوعا واستخداما مع الأشخاص الذين يجري التحقيق معهم في الحوادث الجنائية، هو اختبار سؤال التحكم (CQT). وخلاله تتم مقارنة الأجوبة مع أسئلة “ذات صلة” (على سبيل المثال، “هل قتلت زوجتك؟”)، مع أسئلة التحكم تلك. وصممت أسئلة التحكم للسيطرة على المتغيرات، نظرا لتأثير طبيعة التهديد العامة للأسئلة المتصلة بالحادث. تتعلق أسئلة التحكم بالأعمال السيئة المشابهة لتلك التي يجري التحقيق بشأنها، ولكنها تشير إلى ماضي الشخص، وعادة ما تكون واسعة النطاق. مثلا: “هل سبق أن خنت شخصاً وثق بك؟”.

اختبار سؤال التحكم، ليس اختباراً موحداً بشكل كبير، كما أنه عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي تجمع بين تقنيات الاستجواب والتسجيل الفيسيولوجي. وتختلف هذه الإجراءات في طبيعة الاستجواب، كيف وضعت الأسئلة ورتبت، وكيف سجلت النتائج وفسرت.

لا يمكننا أن نطلب من شخص أن يجيب عن سؤال له صلة بالأعمال السيئة المزعومة، لعدم وجود إجابة فيسيولوجية مميزة مرتبطة بالكذب (على سبيل المثال، “هل طعنت فلان؟”)، وأن نسجل ردود فعل الجهاز العصبي، ونقدم تقريرا للصدق. وقد حاول جهاز كشف الكذب التحايل على هذه المشكلة عن طريق إضافة سؤال مقارنة مستخدم أيضا لإثارة ردود أفعال سيكولوجية، ارتباطا بالسؤال “الذي له صلة بالواقعة”. (عادة النشاط الكهربي، وضغط الدم والتنفس). واستخدمت أولى اختبارات كشف الكذب ما كان يسمى بالأسئلة غير ذات الصلة. المرتبطة بالمواضيع التي تتناول الحقائق غير المهمة، والمعروفة من جانب كل من المُختبِر والمشتبه به (مثال، هل أنت جالس؟’، “هل اليوم الثلاثاء؟”). فإذا استجاب المشتبه به بشكل أقوى إلى السؤال الذي له صلة بالواقعة، اتضح الذنب، في حين أن استجابات مماثلة الحجم لكلا النوعين من الأسئلة تدل على البراءة. لأن الأسئلة ذات الصلة أكثر حظا في أن تكون مثيرة من الناحية الفسيولوجية من الأسئلة غير ذات الصلة حتى بالنسبة لشخص بريء.

من المفترض أن يخاف الشخص الذي يقول الحقيقة من أسئلة التحكم أكثر من الأسئلة ذات الصلة. وذلك لأن أسئلة التحكم مصممة لإثارة قلق الشخص الذي يخضع للاختبار، حول صدقه فيما يخص ماضيه، بينما تستفسر الأسئلة ذات الصلة عن جريمة يعرف الأشخاص أنهم لم يرتكبوها.

هناك إجراء بديل لكشف الكذب يسمى اختبار معرفة المذنب (Guilty Knowledge Test). ويعتمد هذا الاختبار على طرح خيارات متعددة أثناء الاختبار، متعلقة ببعض المعارف التي لن يعرفها إلى المشتبه به المذنب. يمكن أن يشتمل اختبار كشف كذب متهم بالسرقة على سبيل المثال على أسئلة مثل “هل المبلغ الذي سرق هو 500دولار أم 1000 أم 5000دولار؟” إذا كان المشتبه به المذنب وهو الوحيد الذي يعرف الإجابة الصحيحة، فسيظهر عليه الخداع نتيجة تغيرات فيسيولوجية واسعة تجاه الجواب الصحيح.

لا يتم توظيف اختبار معرفة المذنب على نطاق واسع، ولكن هناك اهتمام كبير للقيام بذلك. وما يجعل الاختبار محدودا هو إمكانية استخدامه فقط، عندما تكون مع المحققين معلومات لا يعرف إجابتها إلا المشتبه به المذنب. كما أن تفسير “عدم وجود خداع” يمكن إرجاعه أحيانا إلى عدم معرفة المذنب للمبلغ الذي سرقه وليس بالضرورة دليلا على براءته.

السبب الذي يجعلنا نقول أن الجهاز لا علاقة له بكشف الكذب، هو أنه يقيس التغيرات في ضربات القلب، وضغط الدم والتنفس، وكل هذا يمكن أن تسببه عوامل أخرى. العصبية، والغضب، والحزن والخجل والخوف، كلها عوامل يمكنها أن تؤدي إلى تغير معدل ضربات القلب وضغط الدم أو معدل التنفس. والحاجة إلى الذهاب إلى الحمام يمكن أن تكون سببا في ذلك. وهناك أيضا عدد من الحالات المرضية، مثل الرشح والصداع، والإمساك، أو المشاكل العصبية والعضلية التي يمكن أن تسبب التغييرات الفسيولوجية التي يقيسها جهاز كشف الكذب. فالادعاء بأن للخبير القدرة على معرفة إذا ما كانت التغيرات ناتجة عن الكذب أو إذا ما كانت راجعة لعوامل أخرى، لم يثبت قط. حتى إذا كان الجهاز يقيس العصبية، فلا يمكن للمرء أن يجزم أن سبب العصبية هو الخوف من أن ينكشف كذبه. فبعض الناس قد يخشون من أن يشير الجهاز إلى أنهم يكذبون بينما يقولون الحقيقة، وأن يتهمون زورا بالكذب.

مشكلة أخرى تضاف لما سبق، هي أن جهاز كشف الكذب يشبه تأثير الوهم أو الغفل (فالشخص الخاضع للتجربة يؤمن بفعالية الإجراء) وبالعلاقة الفعلية بين الخداع واستجاباتهم الفيسيولوجية. وأحد الأسباب التي تجعل اختبارات كشف الكذب تبدو دقيقة، هو أن الأشخاص الذين يعتقدون أن الاختبار يعمل حقا، وأنه يمكن أن يكشف أمرهم، قد يعترفون أو يكونون جد قلقين أثناء استجوابهم. فإذا كان هذا الرأي صحيحا، من الأجدر تسمية جهاز كشف الكذب بجهاز كشف الخوف.

وعلاوة على ذلك، فحتى أشد المدافعين المتحمسين عن جهاز كشف الكذب، يجب أن يقروا بأن الأشخاص الكاذبين يمكن أن ينجحوا أحيانا في اجتياز اختباراتهم. ويكفي المرء أن يتذكر الجاسوس أندريش أميس (Aldrich Ames)، الذي اجتاز اختبار كشف الكذب مرات عدة مع وكالة المخابرات الأمريكية (CIA).

وعلى الرغم من عدم وجود بحوث جيدة للتحقق من صحة اختبارات كشف الكذب ، فالجهود مستمرة لتطوير وتقييم مقاربات جديدة. ومن بين المقاربات المدروسة هو اعتماد جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي من أجل تحديد الكذب، اعتمادا على تصوير التغيرات الحاصلة في الدماغ.

جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي

يقول شون سبنس (Sean Spence)، أستاذ الطب النفسي العام للراشدين في جامعة شيفيلد في انجلترا: “من المعروف أن المرضى النفسيين لديهم مستوى محدود من القلق، ما من شأنه أن يسمح لهم بخداع جهاز كشف الكذب. لكن التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، صور العمليات الفعلية المشاركة في الخداع.

ويضيف سبنس أن التكنولوجيا ليست جاهزة للاستخدام على نطاق واسع في التحقيقات الجنائية، مشيرا إلى أن هناك فرقا كبيرة بين تحديد الخداع في حالات غير مؤذية (مثل ما إذا كان شخص ما قد شرب فنجان قهوة صباح ذلك اليوم) وفي الجرائم الجدية. ولم يمنع ذلك عشرات السجناء من الاتصال به على أمل أن يساعدهم أسلوبه في إثبات براءتهم.

ولكن سبنس يحذر من أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي بشكل دقيق لتحديد الشخص المذنب أو البريء في قضية جنائية.

وقد ولدت اختبارات كشف الكذب جدلا علميا وشعبيا كبيرا. ومعظم علماء النفس وعلماء آخرون يتفقون على أن هناك أساس ضئيل للصحة في اختبارات كشف الكذب. ويؤكدون أن جهاز كشف الكذب الحقيقي غير ممكن، على الأقل بالنظر إلى الوضع الراهن للتكنولوجيا النفسية. ومن الصعب إيجاد تقنية تكشف التغيرات الفيسيولوجية الناتجة عن الكذب، والكذب تحديدا دون غيره من الحالات.

المراجع:

https://antipolygraph.org/articles/article-018.shtml

http://www.apa.org/research/action/polygraph.aspx

http://blogs.harvard.edu/billofhealth/2015/02/04/fmri-as-a-tool-of-lie-detection/


http://www.scientificamerican.com/article/lie-brain-fmri-polygraph/

http://skepdic.com/polygrap.html

 

عدد القراءات (3300)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.