أشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية: 

 

النفط في طعامنا: خطر محدق بالبشرية

بواسطة | مارس 16, 2026 | الارض والبيئة, علم الاحیاء | 0 تعليقات

مهما سمعت حول ارتفاع درجة حرارة الكوكب بفعل النشاط الصناعي البشري، فإن ذلك ليس سوى جزء بسيط من الصورة حول الطريقة التي نستخدم بها الوقود الأحفوري، وعلى رأسه النفط. غذاؤنا يعتمد بشكل أساسي على النفط، والنفط معرض لتفاعلات سياسية عديدة، وأيضاً هو معرض للنفاد مثلما نفد في أنحاء كثيرة من العالم. هذا المقال يشمل قراءة وعرضاً للحقائق التي ذكرها عالم الجيولوجيا الأمريكي “ديل ألين فيفر” (Dale Allen Pfeiffer) في كتابه: “أكل الوقود الأحفوري: النفط والطعام والأزمة القادمة للزراعة”.

مرت الزراعة خلال آخر مئتي سنة بمرحلتين؛ أولاهما تمثلت في استخدام المكننة في الزراعة في القرن التاسع عشر، والذي احتاج وقتاً طويلاً لينتشر في جميع أنحاء العالم. ثم ما يعرف بالثورة الخضراء في الستينات، حيث دخلت مكائن أحدث تعتمد على النفط في عملها. دور النفط في ذلك كان أكبر بكثير من مجرد ذكره في الثورة الزراعية؛ فكثير ممن يقرؤون هذه السطور لم يكن لهم وجود، مثلما لم تكن الأجهزة التي يحملونها ويقرؤون فيها لتوجد لولا النفط. النفط ليس وسيلة لتسيير الطائرات والسيارات وتوليد الكهرباء فحسب، بل لإحداث ثورة كبرى في الزراعة أدت إلى زيادة كبرى في تعدادنا السكاني.

يستخدم النفط في تشغيل المكائن الزراعية، وفي توليد الكهرباء لسحب المياه الجوفية أو توجيه المياه وضخها نحو الأراضي الزراعية أو رشها. ويستخدم النفط أيضاً في صناعة الأسمدة التي لا يمكن أن تتم الزراعة دونها في كثير من الأراضي في العالم. كما يستخدم النفط في عمليات الحصاد ونقل الطعام والطهي والتبريد والتخزين والتعليب. في معظم دول العالم لا تزال كل هذه الخطوط الإنتاجية والمسارات معتمدة كلياً على النفط. وقد شهد العالم كوارث زراعية حين انتهى وجود النفط فجأة في بلد ما.

كانت كوريا الشمالية تتلقى حصة يسيرة من النفط من الاتحاد السوفيتي تمكنها من تشغيل المكائن الزراعية وتصنيع الأسمدة. حين سقط الاتحاد السوفيتي، كان الفرد في كوريا الشمالية يستهلك من الطاقة أكثر مما يستهلك الصيني، وبقدر نصف ما يستهلك الياباني. كانت هناك مصادر قائمة على الفحم أو على المصادر الكهرومائية، غير أن جانباً مهماً من الطاقة التي تستهلكها كوريا الشمالية كان يأتي من النفط السوفيتي الذي توقف. صارت كوريا الشمالية تحصل على 40% فقط من النفط الذي كانت تحصل عليه سابقاً، وقللت الصين مما كان يعرف بـ “حبوب الصداقة” من 800 ألف طن إلى 300 ألف طن. لم يبقَ جانب من النقل أو التصنيع أو تشغيل المعدات الزراعية إلا وتأثر بذلك الانخفاض. بين سقوط الاتحاد السوفيتي وعام 1996، مات حوالي ثلاثة ملايين كوري شمالي. لم تتعافَ كوريا الشمالية بإنتاجها الزراعي أو بتعداد سكانها حتى بعد أن استطاعت الحصول على قدر أكبر من النفط. أما كوبا، التي كانت حالتها أقل سوءاً، فقد انخفض فيها ما يتوفر للفرد يومياً من 2700 سعرة حرارية إلى 1800 سعرة حرارية  لكنها كانت مثالاً وقدوة في سياساتها الزراعية التي اتبعتها بعد تلك الازمة.

يؤثر النفط على قدرتنا على الزراعة؛ فحينما افتقرت كوريا الشمالية إلى النفط، صار الناس يعملون بأنفسهم في الحقول، وبالتالي احتاجوا إلى المزيد من الطاقة للعمل وكانت كفاءتهم في الإنتاج أقل. كما يزداد عدد الأشخاص المطلوب عملهم في الزراعة، مما يؤدي إلى تراجع كبير في قطاعات أخرى تحتاجها الدول الحديثة. وحين يؤثر النفط على الزراعة، فهو يؤثر في تعداد سكاننا. شهدت التسعينات فترة انخفاض في معدل النمو السكاني لكوريا الشمالية من 1.4% إلى أقل من 0.5% في عام 2002. كما أن انخفاض النفط يعني انخفاض القدرة وارتفاع كلفة النقل الذي تعتمد عليه التغذية في الكثير من بقاع العالم.

حسب باحثين في السويد، فإن المسافة التي قطعتها وجبة الإفطار بكل محتوياتها قبل أن تصل إلى السويد تعادل محيط الأرض. كل تلك الطاقة تأتي من النفط. حتى الآن، يعد قطاع النقل، وخصوصاً سفن الشحن، قطاعاً معتمداً بدرجة كبيرة على النفط. ليس هذا فحسب، بل تزايدت قدرة البشر على طهي الطعام كثيراً بفضل النفط؛ فحتى في الدول المتقدمة التي تستبدل النفط بنسب جيدة، لا يزال الغاز قيد الاستخدام في التدفئة والطهي.

وحيث أن هناك الكثير من الغذاء بحيث تكاثر البشر وأصبحوا أضعاف ما كانوا عليه قبل الثورة الزراعية فإن مستوى التغذية أو وفرة الغذاء أمر لم يحدث كنتيجة لذلك حتى في المناطق التي تنتج الغذاء بغزارة في العالم مثل الولايات المتحدة الامريكية. يقول ديل الين فيفير:

” على الرغم من زيادة عدد السكان بنسبة 70٪، فقد أدّت الثورة الخضراء إلى زيادة بنسبة 17٪ في عدد السعرات الحرارية المتاحة لكل شخص. وكان من الممكن أن يحصل كل فرد في العالم على ما لا يقل عن 2720 كيلو سعرة حرارية في اليوم لو تم توزيع الغذاء بالتساوي بين البشر. ومع ذلك، كان لا يزال هناك ما يُقدَّر بـ 798 مليون شخص يعانون من نقص التغذية في البلدان النامية خلال الفترة 1999–2000. وهذا يمثل انخفاضاً قدره 19 مليون شخص فقط مقارنة بتقدير الفترة 1990–1992.”

في الحقيقة وحتى في أكثر البلدان وفرة بالإنتاج الزراعي، فنحن لم نقض على سوء التغذية والجوع عبر الثورة الزراعية. يولد المزيد من البشر ليعانوا من الجوع وسوء التغذية. في الولايات المتحدة أكثر من 10% من العوائل لا تعتبر آمنة غذائياً ويصل التعداد الى ثلث العوائل حين تكون هناك أم عزباء في العائلة. نتكلم عن اكثر البلدان انتاجاً للغذاء في العالم.

لكل سعرة حرارية تستهلكها، يتم حرق 10 سعرات حرارية من الهيدروكربونات كالنفط. ازدادت حاجة الزراعة للطاقة بخمسين مرة عن السابق، حين كان البشر والحيوانات يقومون بالعمل مع بعض المكائن البسيطة. في بعض المناطق، ازداد استهلاك الزراعة للطاقة بمئة مرة بعد الثورة الزراعية. لم يصبح لدينا ضوء شمس أكثر أو أراضٍ أكثر، بل صارت هناك أسمدة ومبيدات ومعدات للري مكنت من زيادة الإنتاج، وكل ذلك برعاية النفط. وعلاوة على الطاقة المطلوبة لإنتاج الغذاء، فإن الطاقة التي تستهلكها العائلة الواحدة (لتحضيره) تفوق ما تحتاجه لإنتاجه بـ 48%، ومن ذلك 40% من الطاقة التي تستخدم في تجميد الأغذية.

لكل كعكة عيد ميلاد أو قطعة شوكولاتة أو وجبة في المطاعم، هناك نفط يحرق لتصل إليك. للفرد الأمريكي مثلاً، يتم حرق 400 غالون من الوقود سنوياً ليحصل على غذائه. إذا لم يكن لدينا نفط، فسيحتاج كل شخص (وفق نمط الغذاء الأمريكي) إلى ثلاثة أسابيع من العمل لكي ينتج الطعام الذي يأكله في يوم واحد! ومع الأخذ في الاعتبار أن استهلاك الأمريكيين للطاقة وللطعام أعلى، فإن هذا لا يغير من أن الواقع قد يكون مشابهاً في دول كثيرة بحسب نمط حياة الفرد.

لكن هل أصبحنا نأكل بشكل أفضل أو نزرع بشكل أفضل؟ كيف تؤثر الزراعة بتلك الكميات الضخمة على التربة؟ يتحدث الكتاب عن أراضٍ لم تعد صالحة للزراعة دون الأسمدة، في حين أن الحل الأفضل والأكثر استدامة هو “تدوير المحاصيل”، وهو أمر لا تطبقه سوى كوبا نظراً لعجزها عن توفير طاقة كافية لتصنيع الأسمدة. المياه الجوفية استُهلكت أيضاً إلى حد كبير في مناطق عديدة مثل شمال الهند (البنجاب تحديداً) والصين وشبه الجزيرة العربية. في الولايات المتحدة، يتم سقي 20% من الأراضي عبر ضخ المياه الجوفية، وهو ما يستهلك النفط أيضاً عبر المضخات.

الاستخدام الحالي للأرض بالاعتماد على الأسمدة والزراعة وتحويل أراضي الغابات لانتاج الغذاء كل ذلك يؤدي الى حالات تدهور في الأرض لا يمكن إصلاحها الا بعشرات السنين. نزرع كثيراً ونستهلك الطاقة والأرض لذلك لكن ليس أننا سنستخدم مصادر معرضة للنفاذ، بل أننا نعرض التربة والمياه والطاقة التي تحتاجها الأجيال القادمة للتلف بشكل دائم.

في السعودية وصل الانخفاض في المياه الجوفية في السعودية الى نسب تصل الى 30% في العقود الأخيرة نتيجة تلك الزراعة القائمة على النفط. لكن تأثيرات الزراعة باستخدام الأسمدة وتأثيراتها على الحياة في الماء تجعل الصورة أكثر سوءاً فيما يتعلق بتلوث المياه  المسجل في دول عديدة.

لكن أين المشكلة حيث يمكن ان نستمر باستهلاك النفط عبر ادامة تلك الزراعة الحديثة حتى ولو أصبحنا بهذا العدد؟ المشكلة فيما عدا الذي ذكرناه حول تلف التربة والماء، هو نفاذ النفط. إن النفط ليس مصدراً غير منتهي بل هو مادة نادرة الحدوث وقد انتهت في ابار كبيرة عديدة في العالم. لكن انتهاء النفط تدريجي حيث تزداد الطاقة المطلوبة لاستخراج البرميل. يوماً ما كان استخراج 100 برميل من النفط يتم من الطاقة المستمدة من برميل واحد، اما اليوم فالمعدل في العالم هو 5:1. توجه العالم أكثر الى الغاز وهو متأخر قليلاً عن النفط في موعد نفاذه، لكن نفاذ الغاز في حقل ما هو أمر يتم بشكل مفاجئ وليس بشكل تدريجياً مثل النفط. أي تهديد للنفط في العالم سيقود الى انهيار يبدأ قبل كل شيء من الأسمدة وينتهي بطاقة الطهي والتجميد ونقل الغذاء مروراً بأزمة المياه والسقي والمكننة الزراعية التي لن تعمل كلها دون النفط.

إن ما حدث لكوريا الشمالية فجأة في التسعينات يمكن أن يحدث لأي بلد آخر حيث ينضب النفط أو يصبح أغلى ثمناً. ما واجهته كوريا الشمالية من غياب الأسمدة ورداءة الأرض كنتيجة للزراعة الطويلة المعتمدة على الأسمدة، وغياب المعدات الزراعية كل ذلك يحدث ويمكن أن يحدث على نطاق أوسع لكنه قد يؤدي الى مجاعات وكوارث. يقول المثل في القصة العربية التي يزرع فيها الرجل العجوز: “زرعوا فأكلنا، نزرع فيأكلون” وهو يشير الى أنه لن يأكل من ثمار النخلة التي يزرعها لكن في الوقت نفسه قد أكل من نخيل لم يزرعه هو. وعلينا أن نكون حذرين، ربما ليس فقط حول الأمن الغذائي للأجيال القادمة، بل أمننا الغذائي في هذا العقد أو في أزمة النفط الحالية.