فيما يلي نقاش مكوّن من ثلاثة أجزاء بين ستيفن بينكر (Steven Pinker) وبريان دي جوزيفسون (Brian D. Josephson)، بدأ النقاش بتبادل رسائل عبر البريد الإلكتروني الخاص الذي شكّك فيه جوزيفسون بادعاءات بينكر في برنامج إذاعي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC بأنه لا يوجد سبب منطقي للاعتقاد بوجود الحاسة السادسة أو الإدراك الفائق للحواس. يعرض بينكر قضيته أولاً، ثم يليه نقد جوزيفسون، ثم رد بينكر على هذا النقد. كما هو معتاد لدينا، نحن نفضل أن ندعم موقف شخص ما، خاصة عندما يتعلق بموضوع مثير للجدل مثل الحاسة السادسة، ولكن من الأفضل وجود مؤيد ليضع أسباباً للإيمان بها.

عندما قمت بتدريس كورس يتناول موضوع العقلانية في جامعة هارفرد، كتبت كتابي العقلانية: ما هي، لماذا هي نادرة، لماذا هي ضرورية، وإستضاف راديو بي بي سي BBC سلسلة البودكاست الخاصة بي (Think With Pinker) فكر مع بينكر، شعرت بفضول الناس حيال العقلانية البشرية. إنهم لا يهتمون كثيرًا بالمغالطات المنطقية مثل نفي المقدمات أو التحيزات الإحصائية مثل مغالطة المقامر أو إهمال المعدل الأساسي. يريدون أن يعرفوا لماذا، كما يقول عنوان كتاب مايكل شيرمر (Michael Shermer)، “يؤمن الناس بأشياء غريبة”. لذلك، بدأت إحدى حلقات مسلسل BBC بهذه العبارة:

إن جنسنا البشري ذكي بما يكفي ليسبر ويفحص بعمق طبيعة الكون، والحياة، والعقل. ولكن لماذا يؤمن الكثير منا بهذا القدر من الدجل والهراء؟

هناك نظريات مؤامرة، مثل فكرة أن COVID-19 كان حيلة من قبل بيل جيتس لزرع رقائق دقيقة قابلة للتتبع في أجساد الناس، أو أن دونالد ترامب حارب عصابة عبدة الشيطان البيدوفيليين الذين يشتهون الأطفال في “الدولة العميقة”، أو أن الطائرات النفاثة هي مخدرات مخربة للعقل تُوزّع ضمن برنامج حكومي سري.

هناك أخبار مزيفة، مثل أن جو بايدن (Joe Biden) يدعو أنصار ترامب “حثالة المجتمع” ويوكو أونو (Yoko Ono) كانت لها علاقة مع هيلاري كلينتون.

وهناك ظواهر خارقة للطبيعة، مثل معتقدات سيطرة الشيطان علينا، والحاسة السادسة، وعلم التنجيم، والطاقة الروحية في الجبال والأشجار والبلورات.

كيف نفسر جائحة الهراء هذه؟

بعد بث الحلقة، أثار هذا الكلام المنمق المسلّم به حفيظة كل من عالم الأحياء روبرت شيلدريك (Rupert Sheldrake) والفيزيائي الحائز على جائزة نوبل براين جوزيفسون (Brian Josephson). يقولان أن ظاهرة الحاسة السادسة لا تنتمي إلى القائمة التي قدمتها حيث أن هناك أدلة من التجارب اليومية والتجارب المضبوطة على أن الكلاب يمكن أن تشعر بموعد عودة أصحابها ، ويمكن للناس أن يشعروا عندما يحدّق بهم أحد من الخلف، وفي الدراسات الشهيرة التي أجراها أو ألهمها عالم النفس الاجتماعي داريل بيم (Daryl Bem)، يمكن للناس أن ” يشعروا بالمستقبل “، من خلال التنبؤ بالمكان الذي ستعرض فيه خوارزمية عشوائية صورة إباحية مثيرة للشهوة على شاشة الكمبيوتر أو من خلال تحسين أدائهم في اختبار الذاكرة عن طريق التمرين على تكرار الكلمات بعد إجراء الاختبار. أشار إليّ جوزيفسون إلى خطاب عام 2022 في هيرتيكون Hereticon (مؤتمر لجريمة الفكر) للكاتب ميتش هورويتز (Mitch Horowitz)  بعنوان “حُسمت القضية: الحاسة السادسة حقيقة”. حيث أكدوا أن استبعاد الحاسة السادسة بالاعتماد على الدليل الذي قدمته، يُعتبر لا عقلاني. والقيام بذلك يعد انتهاكًا لإرشاداتي الخاصة بفحص الأدلة بعقل متفتح والاعتراف عندما يكون المرء مخطئًا – وهو ما يجب أن أفعله، كما قالوا، في تراجع علني على البي بي سي.

جوزيفسون وشيلدريك بالتأكيد محقان بالاعتقاد بأن الأفكار غير الشائعة أو المثيرة للجدل أو حتى الخاطئة ليس بحد ذاته غير عقلاني. وحتى يكون الاعتقاد غير عقلاني، يجب أن يتعارض مع القاعدة المعيارية للتفكير، مثل قانون المنطق أو مبدأ الاحتمالية. ولكن بموجب هذه المعايير، أقول إن الاعتقاد بوجود الحاسة السادسة بالفعل هو غير عقلاني، بالنظر إلى كل ما نعرفه عن العالم وكيفية التفكير فيه.

….

في حالة الحاسة السادسة، يجب أن تكون الحالة عجيبة بما يكفي لتفوق الاحتمالات السابقة الساحقة التي تنفي وجود الحاسة السادسة. كل تجاربنا وفهمنا للكون الفيزيائي تعارض إمكانية أن يؤثر المستقبل على الماضي، وأيضًا يعارضان القدرة على استشعار حالة العالم دون إرسال المعلومات من خلال طاقة مادية محسوسة. إذا كانت الحاسة السادسة موجودة حقًا، فليس فقط يجب أن تتغير قوانين الفيزياء، بل يجب أن تكون الحياة مجهولة بالنسبة لنا. يمكن استغلال تلك المعرفة الناتجة عن القدرة على التخاطر أو التكهن لتفريغ المصارف، وتقويض بطولات البوكر، وصنع ثروات في الأسواق المالية، الأمر الذي يجعلها باطلة. ستقوم المجتمعات الاستخباراتية وتنبؤات الطقس ونظام العدالة الجنائية باستقطاب الخبراء الذين طوروا قدرات الحاسة السادسة. لكن ببساطة، ليس هذا هو العالم الذي نعيش فيه.

بالطبع، لا يمكننا إعطاء تقديرات عددية دقيقة لإعتقادنا السابق في وجود الإدراك المسبق أو التخاطر، ولكن كما أشار عالم النفس إريك جان واجنماكرز (Eric-Jan Wagenmakers) وزملاؤه، حتى تقديرات كل المزاعم تُظهر اشكالية فرضية الحاسة السادسة. ضع في اعتبارك تجربة لا تشوبها شائبة ومصممة جيدًا توفر دليلًا قويًا على وجود الحاسة السادسة – لنفترض أن البيانات تزيد 19 مرة احتمال وجود الحاسة السادسة عن عدم وجودها. إذا كان اعتقادنا السابق بوجودها منخفضًا جدًا، على سبيل المثال، 00000000000000000001، فإن التجربة تتطلب منا تحديثه إلى الاعتقاد التالي وهو 00000000000000000019 – أعلى بكثير. لكن لا يزال يجعلنا واثقين تمامًا من عدم وجودها. لا يزال المزيد من السوابق، وفقًا لأي تقدير معقول، تتطلب أدلة قوية وأقوى بكثير مما يظهر في أي تجربة أو تحليل تلوي (meta-analysis)

لكي نكون منصفين، يمكن للمرء أن يتحدى السوابق. كما أوضح لي جوزيفسون، قد تُظهر حقيقة أن جامعي الأسهم العرافين لم يدمروا وول ستريت فقط أن الحاسة السادسة نادرة، وليس أنها غير موجودة على الإطلاق. اجتياز وادي على حبل مشدود ممكن، لكن ستنتهي حياة معظم الناس في الوادي إذا حاولوا ذلك. قد يكون أداء بعض الأشخاص جيدًا في البورصة من خلال القدرات الإدراكية المسبقة التي لا يمتلكها معظم الأشخاص على سبيل المثال “.

ولكن في الواقع، لن يتطلب الأمر سوى بضع نقاط مئوية من الدقة فوق المعدلات الأساسية لتحقيق أرباح في لاس فيغاس أو في أسواق الأسهم أو السلع أو العملات. (تخيل، على سبيل المثال، أنه بدلاً من أن يتوقع أحد ما خارق للطبيعة يتمتع بقدرات ادراكية مسبقة ظهور بعض الصور الإباحية المثيرة على يسار أو يمين شاشة الكمبيوتر، يتوقع ما إذا كان سعر السهم سيرتفع أم ينخفض، ويبيع أو يشتري وفقًا لذلك). هل يوجد شخص واحد أصبح ثريًا أو كسب رزقه من الأسواق من خلال قدراته التنبؤية؟

من الصحيح أيضًا أن العديد من الظواهر في الفيزياء تتحدى الإدراك السليم، لذلك لا يمكن التسليم بحدسنا حول ما هو ممكن فيزيائيًا كدليل على إمكانية تطبيق الاستدلال البايزي على الحاسة السادسة. لكن هذا لا يعني أنه يمكننا الإشارة إلى ظاهرة فيزيائية معارضة للحدس من ميكانيكا الكم أو النسبية، والقول أن أي شيء غريب هو أمر ممكن. هذا ما فعله هورويتز في نهاية حديثه عندما ادّعى الإبطاء الزمني بالقرب من سرعة الضوء في النسبية الخاصة لشرح كيف يمكن للطالب أن يدرس بفاعلية للامتحان بعد انتهائه. إن تسمية هذا “بفيزياء الشعراء” سيكون ضارًا بالشعراء.

ولكن ألا يتوجب علينا أن نذهب أبعد من ذلك وأن نضبط المقدمات والسوابق للاعتراف بإمكانية أن يكون فهمنا للفيزياء غير مكتمل وأن القوانين التي لم تُكتشف بعد، قد تفسر كيف يمكن للقوى الخارقة للطبيعة أن تكون ممكنة؟ على الرغم من أن العديد من الظواهر في المقاييس القصوى للفضاء والطاقة – بالقرب من الانفجار العظيم أو الثقب الأسود، بحجم فوتون أو مجرة – غير مفهومة تمامًا، لكن لا يمكن قول ذلك عن فيزياء الحياة اليومية. كما يوضح شون كارول (Sean Carroll) في الصورة الكبيرة The Big Picture، على هذه المقاييس، من تقنية النانو إلى صواريخ القمر، فإن قوانين الفيزياء مفهومة تمامًا. لسنا بحاجة إلى قوى أو حقول جديدة غريبة لشرح كيفية عمل الدراجة، أو سبب حدوث الكسوف. يأخذ كارول الحجة إلى أبعد من ذلك: فهمنا كامل لدرجة أنه إذا كانت هناك حقول غير محددة بعد بالإضافة إلى الجاذبية الكامنة والكهرومغناطيسية وما إلى ذلك، فسنكون قادرين على اكتشافها، ونحن لا نفعل ذلك.

بالطبع، يمكن للمرء دائمًا أن يذهب إلى ما هو أبعد وأبعد، ويقر بأنه ربما يكون فهمنا الكامل للفيزياء، بما في ذلك نتائجها على ما نفعله وما لا نفهمه وقد نكتشفه أو لا نكتشفه، عُرضة للخطأ، وأنه لا يمكننا أبدًا استبعاد أي ثورة علمية أخرى. لكن هل يعتقد أي شخص حقًا أن الثورة الأكثر جذرية في الفهم البشري خلال أربعة قرون يزعزعها ادعاء أصحاب الكلاب أن حيواناتهم الأليفة يمكن أن تشعر عندما يعودون إلى المنزل؟ أم أنه من المرجح أن يكون الادعاء مريبًا ومشكوكاً فيه؟

وهو ما يقودنا من السوابق إلى الأدلة. هناك العديد من الأسباب للشك في أن الأدلة المقدمة بشأن الحاسة السادسة يمكن تفسيرها من خلال أسباب أكثر بساطة، تضخيم مقام كسر بايز وانتزاع احتمال بايز الخلفي.

بداية، نحن نتحدث عن ظاهرة، إذا كانت موجودة، ستكون صغيرة في الأهمية والدرجة، في حدود عُشر على مقياس الانحراف المعياري. علاوة على ذلك، يتم تحديد حالات الظواهر “الخارقة”، بحكم التعريف بعد ذلك، كأي شيء وكل شيء لا يمكننا شرحه بما هو “طبيعي”. إنها مجموعة متنوعة من الحالات الشاذة وغير الطبيعية وليست ظاهرة منهجية ومتسقة يمكن تحديد ظروفها ونتائجها مسبقًا. الآثار الصغيرة التي تحدث لاحقاً تبدو بشكل مثير للريبة مثل الأحداث العشوائية التي لا يملك أحد الصبر أو الموارد لإكتشاف حقيقتها.

أيضًا، حتى الادعاءات الكلاسيكية للحاسة السادسة في التجارب الخاضعة للرقابة التي استشهد بها هورويتز ( Horowitz) ، مثل تلك الخاصة بـ جوزيف بانكس راين (J. B. Rhine)، قد فُضح أمرها وتبين أنها أدوات لإنحياز المحقق وتسريب المعلومات، والإبلاغ الانتقائي، والإفراط في تفسير المصادفة، وممارسات البحث المشكوك فيها (مثل استبعاد البيانات اللاحقة)، والاحتيال المباشر.

إن إغراءات الانخراط في مثل هذه الخدع، سواء كانت واعية أو غير واعية، واضحة. لطالما رغب البشر منذ زمن بعيد بوجود الظواهر الخارقة، كما نرى في المعجزات التي ترويها ديانات العالم. قد يكون الدافع وراء هذه الرغبات هو التوق إلى الخلود، والتواصل مع الأموات، وإلى عالم يمكن فيه تحقيق العدالة الإلهية، وإلى توسيع آفاق الوعي.

أخيرًا، هناك تجارب بيم Bem سيئة السمعة. ثبت أن التجارب الأصلية لعام 2010 مشبوهة بممارسات بحثية مشكوك فيها، وفشلت محاولات تكرار التجربة الأولى المنشورة. وبالتالي فإن “الحالة المغلقة” لهورويتز تعيد التحليل التلوي الخاص بهورويتز للدراسات اللاحقة، ومعظمها غير منشور، فقط نُشرت في تقرير ذاتي. -منصة للنشر بدلاً من مجلة تقليدية يراجعها النظراء. ثم تم فحص هذا التحليل التلوي من قبل عالم النفس دانييل لاكنز (Daniel Lakens) في مقالته “لماذا لا يقدم التحليل التلوي لـ 90 دراسة مسبقة دليلًا مقنعًا على وجود أثر حقيقي”. معارضاً لتلخيص هورويتزHorowitz) ) لـ “90 تكرارًا في 33 مختبرًا” ، يشير لاكنز أنه “لوحظ فقط 18 أثراً مهمًا إحصائيًا للإدراك المسبق في آخر 14 عامًا، في 7 مختبرات فقط … 72 دراسة لم تكشف عن أي أثر.” ويخلص إلى أن: “النتائج واضحة: حجم الأثر المقدر عند تصحيح تحيز النشر هو 0.008 [في الانحرافات المعيارية]، مجال الثقة (confidence intervals ) حول تقدير حجم الأثر هذا لا تستثني 0. وبعبارة أخرى، لا يوجد سبب وجيه لنفترض أن أي شيء أكثر من تحيز النشر يحدث في هذا التحليل التلوي”.

أستنتج: عندما نتبع القاعدة المعياري للاستدلال البايزي، نستخدم الحقائق والفيزياء للحياة اليومية لتقدير الاحتمال السابق للقوى الخارقة الموجودة، والنظر في الطرق التي لا تعد ولا تحصى التي يمكن أن يكون للأدلة المزعومة في دعمها تفسيرات أخرى، فإننا يجب أن نستنتج أنه لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بوجود الحاسة السادسة، وأن الإصرار على وجودها غير منطقي. هذا هو السبب في أنني لم أطلب من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وقتًا للتراجع.

بينكر والظواهر الخارقة

بعض التعليقات الناقدة: جوزيفسون يرد على ستيفن بينكر

في حديث في سلسلة راديو بي بي سي 4 الخاصة به فكر مع بينكر Think with Pinker، تساءل ستيفن بينكر “لماذا يؤمن معظمنا بالكثير من الدجل والهراء؟”، واصفًا الحاسة السادسة بأنها “خارقة للطبيعة”. يمكنني تخيل الحديث في سياق محادثة غير رسمية، ولكن على البي بي سي، وفي برنامج حيث يجب أن يكون قد وُضع النص مسبقاً بعناية بعد تفكير وتمحيص؟

لا بد من وجود سبب أدى إلى قول ذلك بطريقة غير نقدية. لذلك، فكرت بإرسال بريد إلكتروني إلى بينكر لمعرفة ما دفعه للتحدث بهذه الطريقة فيما يتعلق بالظواهر الخارقة. رداً على ذلك جاء مع حجتين.

الأولى، للوهلة الأولى، درجة من المعقولية، وهو كالتالي: إذا كان هناك بالفعل أشخاص لديهم قدرات خارقة مزعومة، فيمكنهم استخدامها للفوز باستمرار في المراهنات، وسنعرف ذلك. ومع ذلك، كما هو موضح في مقال حديث لصحيفة الغارديان، يبدو أن هذا لا يحدث، لأنه عندما يبدأ هؤلاء الأشخاص في ربح مبالغ كبيرة من المال، يقوم وكلاء المراهنات بالمراقبة، والرد على التهديد الذي يشكله أولئك الناس الخارقون من خلال فرض قيود على المبلغ المسموح به لهم. نتيجة لذلك، لا يمكننا أن نستنتج بأمان أنه لا يوجد أشخاص يمكنهم استخدام قدراتهم الخارقة للفوز بمبالغ كبيرة في المراهنة.

ماذا عن الحجة الثانية؟ في رسالة بريد إلكتروني كتب بينكر:

“عندما أذكر في كتابي العقلانية حجج شون كارول في الصورة الكبيرة لدعم الادعاء بأن الحاسة السادسة لا تتوافق مع قوانين الفيزياء، فهذه ليست مغالطة التوسل بالمرجعية (التي يُستخدم فيها دعم مرجعية ما كدليل على استنتاج الحجة. التوسل بالمرجعية هو أحد صور المغالطات المنطقية).”

قد يكون الأمر كذلك، لكن الحقيقة هي أن موقف بينكر يفترض صحة تحليل كارول. هل كان هذا التحليل صحيحًا في الواقع؟ رداً على سؤالي عن مزيد من التفاصيل، كان هذا رده:

“يبدأ من الملاحظة الشائعة أنه في الظواهر اليومية على المستويات البشرية ذات الصلة، من التكنولوجيا النانوية إلى صواريخ القمر وكل شيء بينهما، فإن قوانين الفيزياء كافية تمامًا. لسنا بحاجة إلى قوى أو حقول جديدة غريبة لشرح كيفية عمل دراجتي، أو سبب حدوث الكسوف. حجة كارول، الموضحة في الكتاب، هي أن الفهم مكتمل للغاية بحيث يمكننا المضي خطوة إلى الأمام، وأن القوانين الحالية تتنبأ إذا كان هناك حقول مجهولة الهوية بالإضافة إلى تلك الكامنة في الجاذبية والكهرومغناطيسية وما إلى ذلك، نحن قد نكون قادرين على اكتشاف ذلك، ونحن لا نفعل ذلك.”

هل هذه حجة جيدة؟ لا، إنه يحدث طوال الوقت في العلم أن الناس يعتبرون، على أساس الأدلة المتاحة في ذلك الوقت، أن لديهم فهمًا جيدًا لبعض الحالات المعينة. ولكن بعد ذلك يظهر شيء جديد لا يتناسب مع المخطط الحالي، ونتيجة لذلك يجب تعديل النماذج لأخذها في الاعتبار. لا يمكن التنبؤ بفيزياء المستقبل على أساس الماضي بهذه الطريقة. علاوة على ذلك، يشتق الفيزيائيون قوانينهم من خلال دراسة المواقف التي يسهل فيها اختبار بعض نماذج العلاقات، وهذا لا يخبرنا كثيرًا عن الوضع العام. وبالتالي فإن فكرة أنه يمكننا الحصول على “فهم كامل” للطبيعة في مجال معين هي فكرة خاطئة.

بينكر بعيد كل البعد عن كونه الشخص الوحيد الذي رفض الخوارق على أساس الحجة غير الكافية بهذه الطريقة. هذا هو جزء من نتيجة هذا النوع من التفكير الذي تنشره منظمات مثل جمعية المشككين وهذه المجلة، التي يفترض نهجها البايزي مع عدم كفاية الدعم أن هناك أسبابًا حقيقية لاعتبار الخوارق مستحيلة في الأساس. عندما لا يمكن تقديم مثل هذه الحجج، فإن تطبيق طريقة بايز لا يزيد قليلاً عن تأكيد “لا أؤمن بذلك، وبالتالي فهو غير صحيح”.

تنشر منظمة QAnon، التي انتقدها غابرييل غيت هاوس (Gabriel Gatehouse) في مسلسله على قناة بي بي سي (The Coming Storm)، حقائقها بطريقة مشابهة إلى حد ما، وهو موقف سلط الضوء عليه قول مأثور لبول ساسمون (Paul Simon) “رجل يسمع ما يريد أن يسمعه، ويتجاهل الباقي “(أغنية الملاكم)، أو العاصفة القادمة” هو الذي يقود السرد وهو الذي يقود النتيجة “، أو ما قاله مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan)” الوسيلة هي الرسالة “. نحن نستحق الأفضل.

ستيفن بينكر يرد على بريان د. جوزيفسون

أشكر الأستاذ جوزيفسون على رده. لكن حقيقة أن صناعة المقامرة وتضييق الخناق على الرياضيين الناجحين لا يمكن أن يفسر لنا لماذا لا نرى أي شخص يستخدم قوى نفسية لتحقيق أرباح من المقامرة أو الاستثمار. النتائج في الرياضة ليست عشوائية. لا تعتمد المراهنة الناجحة على لعبة الكريكت أو الخيول على “الشعور بالمستقبل” ولكن على نشر المعلومات غير المتوفرة أو التي أُخذت في الاعتبار بشكل غير كامل من قبل صانعي الاحتمالات. أوضحت مقالة الجارديان أن الفائزين الذين تمت معاقبتهم من قبل وكلاء المراهنات يتمتعون بتفوقهم من خلال وسائل ذكية ولكنها عادية بالتأكيد: مشاهدة النتائج على التلفزيون أو في المكان قبل ثوانٍ من وصولها إلى وكلاء المراهنات؛ رشوة المدربين للحصول على معلومات داخلية. إذا احتاجت الكازينوهات إلى إعاقة الفائزين الخارقين في المقامرة العشوائية حقًا مثل ماكينات القمار أو اليانصيب، فسيكون ذلك مختلفًا. وبالطبع، الأسواق المالية، حيث تجني الحاسة السادسة المليارات، لا تعيق الفائزين على الإطلاق.

يرحب جوزيفسون بخلافه مع زميله الفيزيائي شون كارول حول ما إذا كان فهمنا الحالي للفيزياء يستبعد المجالات غير المكتشفة التي تنطبق على مقاييس الحياة اليومية. ما يجعل حجة بايز أفضل، هي أنها تتطلب فقط أن القوى النفسية غير متوافقة مع قوانين الفيزياء كما نفهمها الآن. كارول، مدركًا لمخاطر الانتصار السابق لأوانه، ينتهي بحجة منطقية حول سبب عدم استبدال هذه القوانين بشيء مختلف تمامًا. ولكن حتى لو كانت حجته الماورائية خاطئة، فلا يوجد سبب للشك في هذه القوانين في الوقت الحالي. الأسباب تسبق آثارها؛ تنتقل المعلومات من خلال اشكال في المادة والطاقة.

المصدر

STEVEN PINKER VS. BRIAN D. JOSEPHSON, ESP Debate: Is Belief in ESP Irrational? Skeptic.com, July 26, 2022

تم نشر هذا المقال ضمن العدد 55 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغوياً ريام عيسى