هل تؤثر الجينات على التعليم الذكاء والتعليم؟

مع ظهور مفهوم الدرجات متعددة الجينات على نطاق الجينوم (Genome-wide polygenic scores)[1] والمختصر بـ (GPS) في العام 2009 صار من الممكن دراسة صفات معقدة متعددة النطاق جينياً. كما نعلم فإن كثيراً من الصفات التي نفهمها حول البشر اليوم لا ترتبط بجين واحد او بضعة جينات بل بالعديد من الجينات. عبر هذا المفهوم ينظر العلماء بشكل سطحي للاقتران بين الإصابة بأحد الأمراض أو امتلاك احدى الصفات مع مجموعة من جينات الشخص، وذلك عبر النظر الى جينومه بأكمله بعد اجراء عملية التسلسل للحمض النووي.

اثبت هذا المفهوم فعاليته الكبيرة في التشخيص الاستباقي للاضطراب ثنائي القطب، مرض القلب التاجي، والسكري من النوع الثاني. لكن ليس هذا فحسب، فبعض الصفات المعقدة مثل الذكاء والمستوى التعليمي والتي يصعب تخيل دور الجينات فيها صار من الممكن أن يتم فهمها جينياً بشكل أفضل اليوم.

مبدئياً فإن دراسة أمور أكثر بساطة من التعليم والمستوى التعليمي وعلاقة ذلك بالجينات كانت قد حدثت ووضعت بعض الأسس لما هو أعقد. في العام 2013 نشرت دراسة شارك فيها عدد كبير جداً من الباحثين[2]، وقد أقيمت على عدد كبير من العينات ايضاً. حجم العينة كان 109 الف شخصاً. وجدت الدراسة ترابطاً بين ثلاثة تعددات شكلية جينية (SNPs) (راجع مقال آلية عمل فحوص الحمض النووي) وبين كل من التحصيل العلمي والمهارات الادراكية.  عرف الباحثون في الدراسة متغيراً أسموه سنوات-الدراسة (EduYears) وصار معروفاً في دراسات لاحقة أيضاً.

كما عرفوا متغيراً آخر للكلية أسموه (College) حيث يعد أكثر دقة من الأول نظراً لاختلاف عدد سنوات الدراسة بين البلدان. ولحسن الحظ، فقد كان هناك معلومات كافية بخصوص هذين المتغيرين للأغلبية الساحقة من العينات. النتائج كانت حاسمة جداً حول الصلة بين التعددات الشكلية الثلاث وكلا المتغيرين.

الدراسة هذه أحدثت طفرة وهزة في مجالات عديدة على رأسها “العلوم” الاجتماعية. لم تتضمن الكثير من التفاصيل بعد ذلك بل اكتفى الباحثون بالتحذير من الحكم الخاطئ على نتائج الدراسة والدعوة للتريث في الوقوف على انعكاساتها. وما لم تحدده الدراسة هو ما يتواجد ضمن ذلك الصندوق الأسود. لماذا تؤثر هذه التعددات الشكلية على النجاح الدراسي؟ الدراسة فقط شخصت موضعاً ما في الكروموسومات. غير أن دراسات لاحقة كثيرة أكدت ذات النتائج.

الجينات المعنية بهذه التعددات الشكلية كلها لها أدوار في الخلايا العصبية، لكن ليس هناك أي شيء سهل الفهم أو الشرح وقابل لانشاء نظرية حول الأمر.

بعد سنة من ذلك، وتحديداً في أغسطس [3]2014، نشرت دراسة أخرى لا تقل وقعاً عن الدراسة الأولى وفي نفس المجال. شخصت الدراسة ذات العينة المتكونة من 106 ألف شخص ثلاثة تعددات شكلية أخرى وحددت أربعة جينات ذات أدوار في النواقل العصبية، تكوين الروابط بين العصبونات، والآليات الخلوية للتعلم والذاكرة. الدلالة الإحصائية لهذه الروابط كانت كبيرة جداً ولكن بخلاف الدراسة الأولى فإن هذه الدراسة اعتمدت على الارتباط مع المهارات الادراكية فصار الأمر أكثر دقة هذه المرة. استند الباحثون على مؤشر سبيرمان للمهارات الادراكية (Spearman’s measure of general cognitive ability) والمعروف اختصاراً بالمعامل جيم (g Factor) وهو يمثل ما عرفه عالم النفس البريطاني تشارلز سبيرمان بالذكاء العام.

في بحث آخر وجد العلماء ترابطاً جينياً بين التفوق الدراسي واضطراب فرط الحركة لدى الأطفال (ADHD).[4]

لكن ما يبقى مهماً أن نعرفه عن جميع هذه الدراسات هو أنها رغم الدقة الإحصائية العالية فهي لا تشرح قضية مثل الذهاب الى الجامعة او التفوق الدراسي عبر الجينات. بل تشرح بدقة عالية نسبة قليلة من المتفوقين دراسياً او الذاهبين للجامعات. أي، ليس كل من ذهب للجامعة يمتلك التعدد الشكلي (أ)، لكن الأغلبية الساحقة ممن يمتلكون التعدد الشكلي (أ) قد درسوا في الجامعة. تتباين النسب في الدراسات ولا تتعدى الـ 4%، وأعلى نسبة وصلت الى 9% في دراسة بعينة أصغر أجريت على بريطانيا وللأشخاص بعمر 16 سنة ولم تكن حول الجامعة بل حول التفوق الدراسي بشكل عام في ذلك السن.[5] وقد شرح ذات البحث التأثير الجيني لجميع الفئات العمرية بـ 3.5% فيما وصلوا الى تأثير 7% للحالة الاجتماعية – المادية.

الجانب الآخر الذي لم تتطرق له هذه الأبحاث هو التفاصيل الدقيقة حول عمل هذه الجينات، فالعمل ما زال حتى الآن لا يعدو عن كونه مشاهدة عامة جداً لا ترقى لتقديم استنتاجات، لكن عندما يتم فهم الوظائف التي تسبب هذه السلوكيات فعندها يمكن النظر للموضوع من زاوية أخرى. فهم الآليات الخلوية تساعد في معرفة الظروف التي يتفعل فيها ذلك الجين مثلاً.

المصدر

[1] Evans, David M., Peter M. Visscher, and Naomi R. Wray. “Harnessing the information contained within genome-wide association studies to improve individual prediction of complex disease risk.” Human molecular genetics 18.18 (2009): 3525-3531.

[2] Rietveld, Cornelius A., et al. “GWAS of 126,559 individuals identifies genetic variants associated with educational attainment.” science 340.6139 (2013): 1467-1471.

[3] Rietveld, Cornelius A., et al. “Common genetic variants associated with cognitive performance identified using the proxy-phenotype method.” Proceedings of the National Academy of Sciences 111.38 (2014): 13790-13794.

[4] de Zeeuw, Eveline L., et al. “Polygenic scores associated with educational attainment in adults predict educational achievement and ADHD symptoms in children.” American Journal of Medical Genetics Part B: Neuropsychiatric Genetics 165.6 (2014): 510-520.

[5] Selzam, Saskia, et al. “Predicting educational achievement from DNA.” Molecular psychiatry 22.2 (2017): 267-272.

عدد القراءات (912)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.