ربما طرق إلى مسمعك اسم تيد بندي (Ted Bundy)، شاب بمنتهى الوسامة والجاذبية، لا توحي تفاصيل وجهه الحسنة بأنها تخفي وحشاً يستمتع بقتل البشر بأساليب قد لا تصدقها أو ربما تظن أنها من نسج الخيال فحسب. كان تيد بندي من أبرز القتلة المتسلسلين. سفاحاً وخاطفاً ومغتصباً، وأُدين بمجامعة الموتى وقتل العديد من النساء والفتيات خلال 1970. قبل إعدامه بفترة وجيزة، وبعد أكثر من عقد من النفي، اعترف ب 30 من جرائم القتل التي ارتكبت في سبع ولايات بين عامي 1974 و1978. لكن الأمر استغرق سنوات حتى ألقت السلطات القبض عليه.

ليس فقط تيد من كان يقتل بدم بارد، بل هناك الكثير من الأسماء التي ارتبطت بالقتل المتسلسل مثل تشارلز مانسن (Charles Manson) الذي ارتكب جرائم لا تحصى وكان مسؤولاً عن اندلاع الحرب العرقية بين السود والبيض في أمريكا عام 1969. إيد جين (Ed Gein) المعروف أيضًا باسم جزار بلينفيلد أو غول بلينفيلد، الذي كان يستخرج جثث من المقابر ويصمم تذكارات من عظامهم وجلودهم.

أُعزي ذلك السلوك إلى الاعتلال النفسي الذي يدعى السيكوباثية. فما هي؟

تيد بندي

تيد بندي

تُعرّف السيكوباثية على أنها اضطراب عصبي نفسي يتميز بضعف الاستجابات العاطفية، ونقص التعاطف، وضعف الضوابط السلوكية، مما يؤدي عادةً إلى الانحراف والسلوك الإجرامي. 

هل تعني السيكوباثية انعدام التعاطف بشكل كامل؟

في دراسة نُشرت عام 2013 في صحيفة Brain   المختصة في علم الأعصاب السريري. قارن علماء الأعصاب أثناء عملية مسح الدماغ لـ 18 مجرمًا سيكوباثيًا مع 26 مشارك لا يعانون من السيكوباثية، وذلك أثناء مشاهدة مقاطع فيديو تُظهر تفاعلات اليد العاطفية (حركات اليدين تبين إما الحب أو النفور أو الحميمية أو العنف أو الألم). تَبيّن أن مناطق الدماغ عند السيكوباثيين لم تنشط تلقائيًا بنفس القوة في المجموعة الأخرى أثناء مشاهدة مقاطع الفيديو (منطقة الفص الصدغي والفص الجزيري والفص الجداري والجبهي).

 ومع ذلك، قلّ هذا الاختلاف بين المجموعتين بشكل ملحوظ عندما تم توجيههم ولفت انتباههم لما يظهر في مقاطع الفيديو. أشارت النتائج إلى أن السيكوباثية ليست عجزًا كاملاً في عمليات التنشيط غير المباشرة ولكنها تقلل من الردود التلقائية العفوية الموجودة عند الطبيعيين نسبيًا. بالنسبة لمعظمنا، رؤية شخص ما يتأذى يؤدي إلى نشاط غير مباشر في مناطق الألم. يمنحنا هذا الألم غير المباشر سببًا “أنانيًا” للامتناع عن السلوك المعادي للمجتمع؛ لا تؤذي الآخرين لأنه يؤذيك (بشكل غير مباشر). في السيكوباثية، يكون الأمر مختلفاً بسبب قلة النشاط في تلك المراكز.

يعلق البروفيسور سبينسر كيلي (Spencer Kelly) على هذا الأمر في سلسلة محاضراته اللغة والدماغ مشيراً إلى دور اللغة في توجيه هؤلاء السيكوباثيين، كما يشير إلى مسألة خطيرة جداً لوحظت في تلك التجربة، وهي أن السيكوباثيين ليسوا مجردين من التعاطف وفقاً لذلك، بل لديهم القدرة على تفعيل أو إطفاء التعاطف مما يزيد من خطورة الأمر بحيث يستطيع السيكوباثي أن يفعل التعاطف حالما يريد استقطاب الضحايا ثم يوقفه حالما يريد الفتك بهم.

اُستمدت هذه التجربة من تجربة سابقة، وهي تحفيز فص الجزيرة في الدماغ عند القردة الذي يمكنه أن يمنع العدوان (Caruana et al.، 2011)، فإذا أُثيرت هذه المنطقة عند السيكوباثيين، يمكن أن يكون لها تأثيرات سلوكية تمنع العنف. يجب أن تقوم التجارب المستقبلية بالتحقيق بشكل مباشر في الارتباط بين الدماغ والسلوك.

 “السيكوباثيين هم المسؤولون عن نسبة كبيرة من الجرائم المرتكبة” (Kiehl & Hoffman، 2011)، وعادة ما يكون لأسلوبهم الخادع في العلاقات الشخصية تأثير واسع ومدمّر على حياة الأفراد وعملهم وعلاقاتهم. تعد العلاجات التقليدية التي تُتبع بشكل شائع في السجون ومؤسسات الطب الشرعي غير فعالة، لكن تلك الدراسة تقترح استراتيجيات بديلة واعدة أكثر تحاول فهم العوائق النفسية العصبية المحددة التي تحول دون النمو الصحي، والتي تستهدف الأفراد الأصغر سنًا الذين يعانون من أعراض السيكوباثية. حيث تساعد المعرفة بالارتباطات العصبية الحيوية للسيكوباثية في تطوير استراتيجيات جديدة وأفضل لإدارة أوجه القصور المحددة المسؤولة عنه.

 

المصادر

Caruana F,  Jezzini A,  Sbriscia-Fioretti B,  Rizzolatti G,  Gallese V. Emotional and social behaviors elicited by electrical stimulation of the insula in the macaque monkey, Curr Biol, 2011, vol. 21 (pg. 195-9) Kiehl KA, Hoffman MB. The criminal psychopath: History, neuroscience, treatment, and economics. Jurimetrics. 2011;51(4):355–397. [PMC free article] [PubMed] [Google Scholar 

Meffert, H., Gazzola, V., den Boer, J. A., Bartels, A. A. J., & Keysers, C. (2013). Reduced spontaneous but relatively normal deliberate vicarious representations in psychopathy. Brain, 136(8), 2550–2562. https://doi.org/10.1093/brain/awt190

عدد القراءات (1500)

التعليقات

التعليقات

error: النسخ غير مسموح في الإقتباس العلمي بل نقل الفكرة بنص آخر، ولا تنسى الاشارة للمصدر.