قبل فترة صادفتني فتاة في أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي وهي تسرد معلومات مشوقة عن بعض الأساطير القديمة من الشرق الأوسط وتشرح بعض المفاهيم الميتافيزيقية. وقد لاحظت كثرة اشارتها لكارل يونغ. حتى الآن لا ضير من شخص يتكلم في الأساطير ويستشهد بكارل يونغ. غير أن الوجه التجاري لتلك العملية كان يتمثل بجلسات باهظة الثمن لقراءة أوراق التاروت أو لتفسير الأحلام أو للتحليل النفسي-الروحاني. يعكس هذا الصنف من “العلاج” النفسي في الحقيقة فقط وجهاً واحداً من وجوه التضليل الذي قدمه كارل يونغ للعالم والذي يمكن أن يسوقه البعض بصفته معرفة مقبولة من شخص يتراءى لمن يسمع به أول مرة أنه عالم أو شخصية فذة في تاريخ العلم. مهما بلغ النقد لطروحات أستاذ كارل يونغ، سيغموند فرويد، فإن يونغ لا يقتصر على العلم الزائف أو التجارب الخاطئة أو سرقة الأفكار بل يتعدى ذلك ليوجد مساحة ضبابية بين التحليل النفسي والخرافة. حتى أنه قد لا يبدو بعيداً عن أي دجال يبيع الطلاسم والرقى والاحجار، ما لم يكن أكبر اثراً (وضرراً) على المستوى التاريخي والعالمي على الرغم من المفاهيم التي قدمها لأول مرة في علم النفس.

ولد كارل يونغ في إحدى القرى الناطقة بالألمانية في سويسرا عام 1875 لأسرة تعاني من الفقر. كان والد يونغ قسيسا في إحدى الكنائس أما أمه فلم تكن تعمل وكانت تعاني من اضطرابات نفسية عديدة وقد أثرت على يونغ بشكل مباشر حتى أنه رأى ما يعد اليوم هلوسة مرعبة، إذ يتذكر رؤيته لجسد بلا رأس يخرج من غرفة والدته. لاحقاً أودعت والدة يونغ في مستشفى للأمراض العقلية. وكنتيجة لواقعه فقد مر يونغ بالعديد من التحديات النفسية في طفولته منها ما نجم عن تنمر تعرض له اذ ضرب بقوة من أحد التلاميذ وفقد الوعي ثم انقطع عن المدرسة إثر ذلك وصار يغمى عليه في كل مرة يقترب من المدرسة لأشهر. وقد ظهرت علائم الأفكار الروحانية على يونغ منذ طفولته ايضاً اذ كان يعتقد أن بعض ما يقوم به من طقوس له صلة روحانية بما يفعله السكان الأصليون في أمريكا رغم عدم معرفته بهم أو بما يفعلونه في ذلك الحين في طفولته.

استطاع يونغ أن يلتحق بالدراسة بصعوبة وذلك لعدم وجود القدرة المادية لعائلته على دعمه في ذلك، ولكن بعد دعم عائلة من أقاربهم درس يونغ الطب والطب النفسي وتخرج عام 1903. وشرع بتواصله مع فرويد في السنوات اللاحقة بعد تخرجه. ومنذ تلك المرحلة دخل يونغ باب التحليل النفسي وصار يعد من رموز التحليل النفسي دون أن تكون لما تركه صلة منهجية بالطب. ثم في عام 1912 انفصل يونغ عن فرويد تقريباً في آراءه حول اللاوعي واللاوعي الجمعي وعدم اتفاقه مع أفكار فرويد عن النمو الجنسي.

إرث يونغ في الثقافة وفي علم النفس

من أهم ما تركه يونغ ليصبح صلة مع العلم الزائف والخرافات بأوسع أبوابها هو فكرة التزامن أو التزامنية. التزامنية باختصار هي تبرير علمي-زائف للكثير من التصادفات التي كانت تفسر كمعجزات في الماضي. إنه صدفة ذات معنى، أو كما لخصناه في مقالنا عن التزامنية[1]: ” يعرف التزامن (synchronicity)  لمنشئه كارل يونج “Carl Jung” بأنه مبدأ تفسيري، أو “صدفة ذات مغزى”. مثلًا أن تحلق خنفساء بداخل غرفة شخص ما في مستشفى في لحظة وصفه لحلم عن الخنفساء السوداء (الخنفساء السوداء تعتبر رمز للانبعاث من الموت عند المصريين القدماء)، وبذلك أن طيران الخنفساء في تلك اللحظة مع الحلم بالخنفساء السوداء يعني أن على المريض أن يتحرر من العقلانية المفرطة. وفكرت التزامن قائمة على أن هنالك مبدأ سببي يربط الإحداث التي لها معاني قريبة أو متشابه عن طريق الصدفة وإلى حد ما بشكل متسلسل. ويدعي كارل أن هنالك ترابط بين العقل وإدراك ظواهر العالم الذي حولنا.”

قد يرى البعض أن ليونغ إرث حي في علم النفس يجعل مسيرته مثمرة إلى حدٍ ما. غير أن ما تركه يونغ لم يكن علماً رصيناً بالضرورة. أحد أبرز ما تركه يونغ هو تصنيف الصفات المنطوية والمنفتحة للشخصية. ولمن يتصور أن هذه القضية هي من أركان علم النفس فهذا غير صحيح بل هو الجزء الشائع من علم النفس حيث يجري الناس اختبارات للشخصية لمعرفة نوع شخصيتهم مثل مؤشر مايرز بريغز. أحد أشهر الاختبارات التي قد تقرر هل أن الشخص انطوائي أم لا تدور حوله شكوك كثيرة[2]. فضلاً عن هذا فإن الصورة الشائعة بأن هناك نوعين من الشخصية هي بذاتها وحتى وفقاً ليونغ ليست صحيحة بل أن الأغلبية يفترض وفقاً ليونغ أن يكونوا ضمن صنف آخر للشخصية غير منفتحين ولا انطوائيين[3] أو بشكل آخر أن يكونوا ميالين لأحد الطرفين لكن دون أن يكونوا على أحدهم. كما أن تصنيف الشخصية هذا ليس ثابتاً وتقترح اختبارات الشخصية أنه يتغير مع الزمن.

المبدأ الثاني الأكثر شيوعاً سواء في التحليل النفسي أم في الأدب والمعرفة العامة مما أوجده يونغ هو العقدة النفسية. لكن على الرغم من شهرتها فإن العقد النفسية مثل عقدة أوديب أو عقدة سندريلا أو عقدة دون جوان أو غيرها لم تخرج من النطاق الأدبي إلى العلم إلا نادراً. أما التعامل النفسي مع مفهوم العقدة فهو منحصر في الجانب الزائف من علم النفس ولاسيما علم النفس التحليلي. ترتبط العقد العديدة التي عرفت حتى الآن بمفهوم قصصي سردي وهو النمط البدائي أو النمط الأولي (archetype) لكنها لا تمتلك أسساً عصبية أو تفسيراً علمياً بل يمكن فقط أن تمثل وصفاً من زاوية معينة لحالة شخص ما دون أن يكون ذلك وصفاً دقيقاً شاملاً لحالته بالضرورة.

على الرغم من الضبابية لمصطلح اللاوعي الذي يعد من مرتكزات التحليل النفسي، فإن هناك بعض الاتفاق العلمي على وجود ما نسجله من معلومات دون أن نعيه. هذا الوجه المقبول علمياً من مفهوم اللاوعي لا يتفق مع كل ما يتم تداوله في مدرسة التحليل النفسي عن اللاوعي. يعد ما قدمه يونغ أكثر بعداً حتى عن مفهوم اللاوعي التحليلي حيث قدم يونغ مفهوم اللاوعي الجمعي (Collective unconscious). وقد لا يعتبر هذا المفهوم صالحاً للتطبيق أو حتى للمقارنة إلا على صعيد اساطير الشعوب وقصصها ويبقى مفهوماً غير علمي ومن الصعب جداً اختباره علمياً وهو يحمل الكثير من الغموض[4]. اللاوعي الجمعي يكاد يكون طبقة تسبق طبقات أخرى من “اللاوعي” لدينا وهي تحمل الأنماط الأولية لنا – الأمر الآخر الذي تركه يونغ. كبشر نحن نخضع للثقافة بشكل أو بآخر ولقصصها وأنماطها الأولية، غير أن ذلك شيء يمكن أن يثبت بطريقة مختلفة عن الهيئة الغامضة التي يصف فيها يونغ اللاوعي الجمعي والذي لم يقدم شيئاً لعلم النفس الاجتماعي أو علم الاجتماع في الحقيقة.

أما حول فكرة الأنماط البدائية أو الأولية (archetype) ذاتها فتبدو للوهلة الأولى أنها الوحيدة الصالحة من بنات أفكار يونغ. تشبه الأنماط الأولية خرائط أو قوالب لقصص معينة أو لأفكار تمثل في أذهاننا وحتى الآن يبدو الأمر مقبولاً لكن بالنسبة ليونغ فهي تشتق أساساً من اللاوعي الجمعي. من الأمثلة عليها هو بعض الملامح والصفات المشتركة في الأساطير مثلاً الطوفان أو البطل المنقذ في القصة. خصص يونغ الكثير من التفصيلات والتصنيفات لهذا المبدأ وتبعه كثيرون، غير أنه في النهاية نظرة خارجية وسطحية لقصص الشعوب وافتراض غير مثبت لأثر معين لها على الأفراد من خلال فكرته الأخرى وهي اللاوعي الجمعي. إن النمط البدائي كمفهوم لم يعد حكراً على التحليل النفسي أو جانب يونغ من التحليل النفسي بل صار مصطلح عام في اللغة والمصطلح في الأساس ليس من ابتكار يونغ.

طائفة كارل يونغ

بعد رحلة يونغ في التحليل النفسي وعمله ولقاءه بأوساط ثقافية عديدة، انسحب يونغ في العام 1914 نحو حياة بسيطة قضى جانب منها في الطبيعة (في كهف حتى!). وكتب عن أحلامه وأفكاره هناك في كتاب اسماه ذكريات، أحلام، وانعكاسات وكانت تلك الرحلة ليونغ رحلة دينية بحتة لا علاقة لها بالعلم أو حتى بالتحليل النفسي رغم أنها كذلك بالنسبة ليونغ. بدأ يونغ بتأسيس ما يشبه الطائفة وكان لطائفته تلك بعداً قومياً حيث عاد يونغ لتاريخ المسيحية وما وراءها للبحث عن رموز وتفاصيل الديانة الميثرائية التي كانت ديانة باطنية شائعة في عهد الدولة الرومانية وكانت تمتد من مناطق في الهند وإيران حتى أوروبا. يتمثل البعد القومي هنا في محاولة يونغ البحث عن الطقوس والديانة للآريين القدماء. في ذات الوقت كان يونغ محاطاً بالاتباع وكأنه نبي. نقرأ هذه المعلومات من لقاء مع الأستاذ ريتشارد نول (Richard Noll) كاتب كتاب طائفة يونغ.[5]

يقول نول أن كتابات يونغ خلال الحرب العالمية الأولى لا تعكس واقع “الطائفة” التي يديرها، غير أن ذلك يتضح في مراسلاته مع مرضاه ومع آخرين. كان يونغ يرى بأنه يُحيي ديانة الطائفة الآرية من جديد. غير أن أحداً من المحيطين بيونغ لم ير ذلك التجمع حول يونغ وكأنه طائفة أو كأن يونغ نبي. يرى نول أن خصائص الطائفة الدينية تنطبق على تجمع يونغ وأولها الاعتقاد المشترك حول خصائص الطبيعة البشرية وحول التأثير التحرري أو العلاجي للعلاج النفسي، وحتى الآن لا تعد هذه مشكلة؛ الأمر الثاني هو أن هذا التجمع كان يمثل هوية لتلك المجموعة تعزلهم عن تجمعاتهم الأصلية البرجوازية المسيحية؛ وثالثاً، كان هؤلاء “يعتقدون بسلطة المحلل النفسي بصفته خبيراً وكشخص يمتلك النفوذ والمعرفة” كما يصف نول أي أن المحلل النفسي صار بمثابة رجل الدين في تلك الطائفة؛ وأخيراً مبدأ قوة الكاريزما ليونغ والمحلل النفسي بشكل عام على الجماعة. أما بالنسبة ليونغ فلم يكن الإرشاد البحت لصحة نفسية أفضل هو الهدف بل كان كما ينقل نول عن يونغ “أنا اسحق الناس أو أضخمهم”، فلم يكن هناك نظرة اعتيادية تجاه شخص من قبل يونغ كما كان يونغ يقصي المرضى الذين يعانون من الاكتئاب ومن مشاكل أخرى ويولي اإهتماماً لأولئك الذين يحلمون برؤى غريبة فقط حيث يرى أن هؤلاء سيساعدونه في تعزيز رؤيته حول اللاوعي الجمعي.

كان يونغ يؤمن بالأرواح وبالآلهة وبتواصل الآلهة مع البشر وبالتناسخ رغم محاولة أتباع يونغ عرض ذلك بطريقة علمية-زائفة.

في إحدى رسائل يونغ الى فرويد عام 1912 كما يصف نول فإن يونغ كان يرى أن “حالاته العصبية هي نوع من الابتداء الذي قد يقود إلى ألغاز داخلية في النفس البشرية”. كما نرى فإن يونغ هنا يجعل من نفسه مرآة للبشر ويفترض من الأساس طبيعة غامضة بهيئة معينة للنفس البشرية توافق تجاربه وما مر به في الحياة.

يشرح نول مخاطر طائفة يونغ بالرد على محاوره الذي يتسائل لماذا نعتبر الطائفة خطرة بالضرورة، فقد تعطي الطائفة معنى لمجموعة من البشر: احدى النقاط المهمة التي يرد بها نول هي ارتكاز تلك الطائفة على الأسطورة كقوة عالمية لتحريك البشر ومجاميع البشر لاسيما عبر الآلية الزائفة التي يقترحها يونغ، اللاوعي الجمعي. ومن أخطارها أيضاً الانغماس بالخرافات والأفكار عن الأرواح والابتعاد عن روح العلم.

في النهاية لا يعدو يونغ عن كونه طبيب تخلى عن الطب ليدخل علماً زائفاً ثم ليتمرد عليه بعد 10 سنوات ليوجد مجالاً جديداً يعد مساحة مشتركة مع الكثير من الخرافات والعلوم الزائفة التي اعتقد بها يونغ شخصياً. وفيما قد نسمع بمصطلحات أوجدها فرويد لأول مرة (أو اقتبسها دون أن يذكر أصحابها) في علم النفس اليوم، ففي أغلب الأحوال إن إرث يونغ لن يكون حياً سوى في أوساط بعيدة كلياً عن العلم. وفيما يترك فرويد ارثاً يصعب التخلص منه علم زائف يجثو على علم النفس، فإن يونغ يعطي حيزاً من المصطلحات التي تبدو لأول وهلة وكأنها علمية ليستخدمها اشخاص يتكلمون بشكل مطلق في مجال الخرافة ويطرحون مما يروجونه بديلاً للعلاج النفسي أو حتى للطب.

 

المصادر

[1]  كارل يونغ وخرافة تزامن الأحداث، العلوم الحقيقية، 22 أبريل 2016، ترجمة أحمد الساعدي

[2] مؤشر مايرز بريغز لأنماط الشخصية (MBTI)، العلوم الحقيقية، ترجمة نورس حسن

[3] Caroline Beaton, “The Introvert-Extravert Myth”, Psychology Today, January 28, 2017

[4] Viktoriya Sus, “Jung’s Most Controversial Idea: What is the Collective Unconscious?”, The Collector, Jan 17, 2023

[5] Ivan Tyrrell, “The mysterious Jung: his cult, the lies he told, and the occult”, The Therapist” Volume 4 – No. 2, 1997, viewed online in hgi.org.uk