أشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية: 

 

دليل السايكلوثايميا: نظرة ميدانية إلى تشخيص اضطرابات المزاج بسياق عربي

بواسطة | أغسطس 22, 2026 | علم النفس | 0 تعليقات

⏱ 3 دقائق قراءة

من جانب الخبرة الشخصية ولتسليط الضوء على السياق العربي للمزاج الدوري، وبالأحرى السياق الخليجي، سأذكر الخصائص النفسية والجسدية التي ينبغي أن ينظر إليها من منظور أدق من التشخيص الحالي الأكثر شيوعا (اكتئاب جسيم أو اكتئاب مع قلق). هؤلاء المرضى -أصحاب المزاج الدوري- هم في الغالب مطبوعون على تقلب المزاج منذ وقت مبكر في الحياة، غالبا أثناء المراهقة، ولكن لا يندر أن يخبرني بعضهم بأنهم كانو “هكذا” منذ طفولتهم. والمقصود بتقلب المزاج هو التنقل بين مختلف الأمزجة بنمط ملحوظ بسبب أو بلا سبب.

لقراءة المقال السابق في هذه السلسلة: تشخيص اضطرابات المزاج

ثمة عوامل مشتركة بينهم كصعوبة النوم أو النوم المفرط أحيانا، الإفراط في الأكل أثناء الشدائد النفسية، تفاوت مستويات الطاقة بلا سبب واضح، ضعف في التركيز تتخلله فترات من شدة الملاحظة، حساسية شديدة في العلاقات الاجتماعية وخجل اجتماعي في البعض، نزعة للمثالية، سلوكيات تجنبية، فترات من الاندفاع في اتخاذ القرارات كالإسراف في صرف المال دون تخطيط مسبق أو الدخول في علاقات عاطفية مفاجئة والخروج منها لاحقا دون سبب واضح، فترات من الحماس “الزائد” على شكل الانخراط في شؤون إبداعية أو مهنية تتبعها فترات من فقدان الشغف وضعف الهمة والعجز حتى عن أداء الأعمال الأساسية في اليوم، تذبذب في الحياة الاجتماعية بين أوقات من شدة الاندماج مع الآخرين وحب التواصل وكثرة الكلام والضحك وإطلاق النكت وأوقات من الميل إلى العزلة وتجنب الآخرين. إضافة إلى جميع ما سبق، يشكو أغلب أصحاب المزاج الدوري من قلق مزمن يساء تشخيصه كاضطراب قلق عام.

اعراض المزاج الدوري

اعراض المزاج الدوري

يحضر أصحاب المزاج الدوري إلى العيادة وهم في حالة اكتئابية. يكثرون من الشكوى من الحزن الذي لا سبب له وعدم الاهتمام بالأنشطة التي تسعدهم عادة. أخبرني أحدهم بأنه لا يستطيع “حتى الاستيقاظ للعمل والاستحمام بسبب الضيقة المفاجئة في المزاج التي تظهر كثقل شديد في منطقة الصدر وشعور بالغصة…” وآخر بأنه يجد صعوبة بالغة “في التركيز وانخفاض في طاقة الحركة وطاقة التفكير كما لو أنني مصاب باضطراب تشتت الانتباه” وآخر بأنه لا يتوقف عن “التفكير… الكثير من الأفكار المتزاحمة حول كل شيء مهم أو غير مهم، والأسوأ هي تلك الأفكار تجاه الموت والرغبة في الاختفاء والتخلص من كل شيء.” هنا يتوقف الكثير من الأطباء للأسف ويحصون عددا من الأعراض الأخرى كالشعور بالذنب ثم يقدرون وقت الأعراض فإذا تجاوزت أسبوعين كما يقول الكتيب التشخيصي فتشخيص الاكتئاب الجسيم هو أول ما يخطر ببالهم وكذلك وصف دواء من مجموعة (SSRIs). هذه ليست ممارسة خاطئة بالضرورة، لكنها كذلك في كثير من الأحيان إذا ما صوحبت بتاريخ مرضي ناقص.

العامل التشخيصي الأهم بالنسبة لكريبلين لا يتعلق بالأعراض السطحية كما ذكرت، بل بطبيعتها الكامنة، وبالأخص بسيرورتها عبر الوقت؛ فالفصام عنده مستمر يسوء ويتدهور مع الوقت بعكس المرض الهوسي الاكتئابي الذي يظهر في نمط حلقي (Cyclic) أو نوبي (Episodic)؛ ومن هذا المنظور فإن أي اكتئاب متقطع ومتكرر بشدة لا يجب تشخيصه باكتئاب أحادي القطب؛ إذ كونه متقطعا أو متكررا يعني بالضرورة أنه ناشئ عن على في استقرار المزاج، وهنا تبدأ المهمة الأصعب؛ أي مهمة التحول من طبيب نفسي إلى مؤرخ!

يعد التاريخ المرضي أهم أداة تشخيصية وتأكيدية في الطب النفسي، فحين يستطيع طبيب الأعصاب طلب أشعة رنين أو تخطيط نشاط كهربي لتشخيص الأمراض العصبية، لا يجد الطبيب النفسي تحليلا واحدا يمكن طلبه لتأكيد تشخيصه. هذا هو السبب الذي يجعل خطأ التشخيص (Misdiagnosis) واحدا من أكبر معضلات الطب النفسي وسببا لاختلاف الأطباء النفسيين في تشخيص المريض نفسه. لذا فمهمة تقصي التاريخ الطبي النفسي ليست مجرد مطلب لإنهاء ورقة التقييم، بل هي أداة تأكيدية للتشخيص، ومهمة كهذه نادرا ما يمكن إنجازها في موعد لا يتعدى ربع ساعة.

لقراءة المقال التالي في هذه السلسلة: المزاج الدوري والاضطراب ثنائي القطب

لقراءة المقال الرئيسي

شارك المقال