أشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية: 

 

دليل السايكلوثايميا: المزاج الدوري والاضطراب ثنائي القطب

بواسطة | أغسطس 22, 2026 | علم النفس | 0 تعليقات

⏱ 6 دقائق قراءة

ما أقوم به فورا حين أستمع إلى مريض يشكو من أعراض اكتئابية هو البحث بدقة وصبر عن أي ملامح هوسية في الماضي. المرضى كما قلت لا يحضرون إلى العيادة في حالات الهوس، سواء كان هوسا خفيفا أو شديدا، ما لم يترتب على هوسهم عواقب مهنية أو اجتماعية. المثير للاهتمام أن الهوس المصاحب للمزاج الدوري هو الهوس الخفيف، وقد يكون خفيفا جدا في بعض المرضى ويظهر في شكل حماس زائد أو ارتفاع بسيط في المزاج والطاقة والقدرات المعرفية. يُنظر إلى هذا الارتفاع كتحسن في الحالة النفسية لا كعرض لمرض خفي.

لقراءة المقال السابق في هذه السلسلة: دليل السايكلوثايميا: نظرة ميدانية إلى تشخيص اضطرابات المزاج بسياق عربي

المثير للاهتمام بدرجة أكبر هو أن حالات الهوس الخفيف في المزاج الدوري ليست خالصة دائما (أعراض سرور وحماس) بل مختلطة تتمثل في نشاط ذهني مفرط (أفكار متزاحمة لا تتوقف) يتخذ طابع الخوف والتوجس. هذا يجعل صورة المرض تبدو كقلق مزمن أو اكتئاب مصحوب بأعراض قلقية، ولكنه لا إلى هذا ولا إلى ذاك؛ إذ تتناوب حالات القلق هذه مع حالات حزن متقطع تستمر لساعات أو أيام أو أسابيع يتلوها بعض التحسن أو في بعض الحالات لا تتحسن بالمرة، بل سرعان ما يتذبذب المزاج بين القلق والحزن والسكينة والبهجة وفرط التفكير وشلل التفكير حتى تبدأ الحالة في إعاقة المصاب عن ممارسة عمله أو دوره في البيت والمجتمع.

قد يبدأ المزاج الدوري في مرحلة مبكرة جدا من حياة الشخص إلا أنه قد لا يظهر بشكل جلي حتى مطلع العشرينات (وهو معدل العمر المبدئي الذي تظهر فيه أعراض ثنائي القطب) خاصة مع تزايد تكاليف ومسؤوليات الحياة من دراسة وزواج وضغوط شخصية مختلفة. في هذه الأوقات يظهر المرض كحالات قلق شديدة قد تبدو في صورة نوبات هلع، قلق عام، خوف اجتماعي، وساوس وسلوكيات قهرية، صعوبة بالغة في النوم خاصة في بدء النوم أو فرط النوم بلا راحة، وتقلبات اجتماعية مختلفة. لا يسعى المصابون بالمزاج الدوري إلى طلب العلاج مبكرا، معتقدين أن هذه الأعراض مؤقتة وناتجة عن عوامل خارجية كما أسلفت، إلا أن استمرارها أو تزايد شدتها خاصة فيما يتعلق بالنوم هو ما يدفع بهم إلى طلب المساعدة.

يصف أثاناسيوس كوكوبولوس (وهو طبيب نفسي إيطالي مؤثر في طب نفس المزاج) شخصا مكتئبا بأنه “كآلة جف زيتها فصارت تروسها تطحن بعضها بعضًا بعناءٍ مؤلم، حتى تتوقف متصلبةً من شدة الألم” كما يصف شخصا مهووسا بأنه “بدلًا من الهبوط المزاجي الذي كان يشعر به سابقًا، تصبح وتيرة الأفكار الآن أسرع، ويغدو إدراك الانطباعات الخارجية أسهل وأكثر مباشرة؛ فيبدو المريض أكثر ذكاءً، وأغزر فكاهةً، وأكثر إمتاعًا مما كان عليه في أيام صحته.

أما القدرة المتزايدة على النقد، التي قد تظهر أيضًا. في الحالة الاكتئابية، فقد تشتد هنا إلى حدّ يجعل المريض نفسه يجدها مُزعجة. وغالبًا ما تتجلى في ابتسامة متعالية ساخرة. تؤدي القدرة الذهنية المرتفعة في معظم الحالات إلى نشاط وحيوية مضطربين لا ينقطعان، يتجهان إلى مجالات شتى. ولا تبدو قدرة المريض على التحمّل أكبر مما كانت عليه في أيام صحته فحسب، بل تزداد كذلك مهارته وكفاءته بطرائق متعددة. فكثيرون ممن كانت أصواتهم عادية نسبيًا، ولم تكن لديهم موهبة موسيقية كبيرة خلال فترات الاكتئاب، يغنون الآن لا بحماس شديد فحسب، بل بصوت أجمل وتعبير أكثر حيوية. ويُظهر آخرون في الأعمال اليدوية وفي أسلوب لباسهم مهارةً وذوقًا لم يكونا لديهم من قبل. ويكشف آخرون عن ميلٍ أدبي كان غريبًا عنهم سابقًا. جميع هذه الخصائص… ناشئة عن تعبير المزاج الانبساطي، الذي يجتاح المريض عادةً بصورة مفاجئة ففجأة يرى الجانب الوردي من الحياة، ويشعر في الوقت نفسه برغبة في أن يشارك الآخرين فرحه، وأن يساعد الناس من حوله، وأن ينجز أعمالًا كثيرًا ما تُثمر في مجالات الإحسان والاهتمامات الإنسانية.” (كوكوبولوس 2003, p. 202)

لا أحد يضاهي هاغوب اكيسكال (Hagop Akiskal) في دراسة أخلاط المزاج (Mood Temperaments). أنتج هذا الطبيب النفسي والباحث الأميركي لبناني المنشأ عشرات المقالات العلمية حول العلاقة بين التركيبة المزاجية واضطرابات المزاج المتلازمية. للتنويه: الاضطراب المتلازمي (Syndromal) هو قمة ظهور المرض وشدته كمرض ثنائي القطب النوع الأول؛ أم الاضطراب دون المتلازمي (Subsyndromal) فهو ظهور أعراض المرض بشكل أخف دون إعاقة كبيرة كالمزاج الدوري. حدد أكيسكال الخصائص عرضية للمزاج الدوري بعد التحقيق العلمي، وهي كالتالي:

تقلبات مزاجية ثنائية الطور ودون متلازمية مع تغيرات مفاجئة وغير متنبأ بها مع اختلاف مددها بين ساعات إلى أيام قليلة حيث لا يخلو المزاج الأساسي لصاحب المزاج الدوري من أربعة أعراض على الأقل من التالي (Akiskal et al.,1998b):

  • التعب أو الوهن المتبدل مع مستويات طاقة طبيعية؛
  • تذبذب الثقة في النفس مع التبدل بين الضعف وفرط الثقة؛
  • تقلص المحتوى الكلامي بالتبادل مع الثرثرة؛
  • البطء الذهني بالتبادل مع حدة الذهن والتفكير الإبداعي؛
  • البكاء دون سبب بالتبادل مع المزاج الرائق وكثرة المزاح؛
  • الانطواء والميل إلى العزلة بالتبادل مع السعي الاندفاعي للتواصل مع الآخرين.

هذا التوصيف للمزاج الدوري أدق علميا وطبيا من التوصيف الإحصائي للدليل الأميركي (DSM-V) الذي يشخص الاضطراب وفقا للمعايير التالية:

  • وجود فترات عديدة من أعراض هوس خفيف، لكنها لا تبلغ معايير نوبة هوس خفيف كاملة، وفترات عديدة من أعراض اكتئابية لا تبلغ معايير نوبة اكتئاب جسيم كاملة.
  • استمرار الأعراض لمدة سنتين على الأقل لدى البالغين، وسنة واحدة على الأقل لدى الأطفال والمراهقين.
  • خلال هذه المدة، تكون الأعراض موجودة لأكثر من نصف الوقت، ولا تختفي تماما لأكثر من شهرين متصلين.

وهو توصيف يلامس جوهر المزاج الدوري دون أن يشرحه بدقة كما فعل أكيسكال وكريبلين من قبله. هذا على الأقل أحد عوامل محدودية الدليل التشخيصي الأميركي في تشخيص المزاج الدوري ويجعل تشخيصه صعبا ينتج عن فئات متفاوتة من المرضى الذين قد لا يتم تشخيصهم بدقة كما ينبغي لو طبقت معايير أكيسكال.

أما فيما يتعلق بالظواهر المرصودة في دراسات أكيسكال لمرضى المزاج الدوري فهي كالتالي (دراسة 1977):

  • 75% عانوا من اختلاف في أنماط النوم؛
  • 75% وصفوا بالتذبذب في إنتاجيتهم في العمل والأداء الأكاديمي والقدرة على التحكم المالي؛
  • 40% أشاروا إلى دخول علاقات محرمة خارج الزواج بشكل متذبذب (أثناء الهوس الخفيف غالبا).

تكررت هذه النتائج في الدراسات اللاحقة، وهي واقع يعيشه أصحاب المزاج الدوري. المزاج الدوري هو أحد أكثر التشخيصات شيوعا في عيادتي، أميل إليه لقناعة راسخة مبنية على الدليل العلمي بأن الاكتئاب الخالص (الميلانخولي) نادر جدا ويتبع نمطا معروفا طبيا؛ حالات اكتئابية شديدة تتمثل في الحزن وفقدان الشغف وبطء التفكير والحركة تؤثر بصورة واضحة في حياة الشخص واهتماماته ورغبته في العمل والتواصل وحتى الاستحمام والأكل وتبديل الملابس والجنس والمهمات اليومية البسيطة). لا تحدث هذه الحالات في شكل نوبات متقلبة تتراوح بين ساعات إلى أيام قليلة بل تستمر لأسابيع أو أشهر إذا لم تعالج ولا يتخللها هياج نفسي أو طاقة ووضوح ذهني في معظم الوقت. تحدث هذه الحالات مرات معدودة في حياة الشخص، ويعود إلى طبيعته المزاجية الأصيلة فيما بينها.

هذا هو ما لا أسمعه في العيادة، أو إذا سمعته فهو نادر جدا لأسباب معروفة؛ أهمها أن الشخص الميلانخولي يجد صعوبة بالغة في الاهتمام في طلب المساعدة أو حتى الإيمان بوجود حل لمرضه. يستجيب هذا النوع من الاكتئاب للعلاج بالصدمات الكهربائية (ECT) والعلاج بمضادات الاكتئاب خاصة القديمة منها مثل (TCA) أو (MAOIs)، والأهم فيه أنه لا يحدث بنمط متكرر بل تفصل نوباته فترة طويلة تصل إلى سنين من العودة إلى طبيعة المزاج.

لقراءة المقال التالي في هذه السلسلة: دليل السايكلوثايميا: أنواع الاكتئاب الأخرى

لقراءة المقال الرئيسي

شارك المقال