يحدث وأن يقوم أحد بحمية غذائية لكي يفقد الوزن ويحصل على جسم مثالي ويُقدّم له طبقاً شهياً أو قطعة حلوى، لكنه يرفض رغم تأثير وتحفيز هذا المنبه؟ هل تعلم أن المسؤول عن تثبيط تلك الاستجابة التلقائية هو التحكم المعرفي (cognitive control)؟ التحكم المعرفي هو العملية التي تؤثر بها الأهداف أو الخطط على السلوك. تسمى أيضاً التحكم التنفيذي، يمكن لهذه العملية أن تمنع الاستجابات التلقائية وتؤثر على الذاكرة العاملة. يدعم التحكم المعرفي الاستجابات المرنة والتكيفية والتفكير الموجه نحو الهدف. يتطور التحكم المعرفي عند الفرد أثناء حياته بشكل تدريجي ويمكن للفرد أن يحسّنه متى شاء. تضعف هذا التحكم بعض الاضطرابات مثل الفصام واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هذا التحكم. (1) 

لكن ما علاقة التحكم المعرفي هذا بالدراسات المتعلقة باللغة؟ ولا سيما ثنائية اللغة

لنبدأ أولا بتعريف الثنائية اللغوي والتي يختلف تعريفها حسب المتغيرات التي يتم اعتمادها مثل الدافعية (الدافع الذي يقف وراء تعلم لغة ثانية)، عمر اكتساب اللغة، درجة اتقان اللغة، سياق تعلم اللغة واكتسابها (فيما إذا تم اكتساب اللغتين في نفس الوقت و بصورة متزامنة أم لا)، سياق استخدام اللغة (ضمن الاسرة ام في المدرسة أو العمل..الخ). فالثنائية اللغوية هي استخدام الفرد لأكثر من لغة في سياقات معينة لذلك فإن ثنائي اللغة يضطر إلى تثبيط أحد اللغتين عند التحدث في سياق معين بأحد اللغتين، وهنا يلعب التحكم المعرفي أو الادراكي دوراً كبيراً في ذلك لأن مهمته تثبيط أحد اللغتين لتحقيق تعبير مفرداتي أفضل ضمن سياق معين. هناك نوعين من التثبيط حسب تجربة اجراها كل من جوديث إف كرول (  ( Judith F. Krollتاومي جو(Taomi Guo) عام2011 على ثنائي اللغة (الإنجليزية- الصينية) ،التثبيط المحلي(Local inhibition ) والتثبيط الشامل(Global inhibition) وللتفريق بين المناطق في الدماغ التي تنشط أثناء التثبيط المحلي أو الشامل. قاموا بإجراء تجربة على مجموعتين أثناء الخضوع للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI). قامت إحدى المجموعات أولاً بتسمية مجموعة من الصور في اللغة الأم، ثم قامت بتسمية نفس الصور في اللغة الثانية. المجموعة الأخرى قامت بتسمية مجموعة الصور باللغة الثانية ثم باللغة الأم (هذه العملية اعتمدت على تسمية الصور المصنفة ضمن مجموعات). أما العملية الثانية كان يجب على المشاركين أن يقوموا بتسمية الصور بشكل عشوائي من خلال تسمية كل صورة بأحد اللغتين وفق اشارة يتلقونها. أطلق على المقارنة بين عملية تسمية الصور المنظمة ضمن مجموعات وبين عملية تسميتها بشكل عشوائي بالتثبيط المحلي، بينما أطلق على المقارنة بين المجموعتين لتسميتهم الصور المنظمة ضمن مجموعات بالتثبيط الشامل. تشير النتائج إلى أن القشرة الحزامية الأمامية الظهرية ACC ((Dorsal Anterior Cingulate Cortex والمنطقة الحركية الإضافية (the supplementary motor area (SMA)) تلعبان دوراً هاماً بعملية التثبيط المحلي، في حين أن التلفيف الأمامي الأيسر الظهري (dorsal left frontal gyrus) والقشرة الجدارية(parietal cortex)مهمة للتثبيط الشامل. تبين أن قوة التثبيط عند ثنائي اللغة في لغتهم الثانية ستكون ضرورية أثناء التحدث. شدة عملية “التحكم” بإنتاج اللغة الثانية هي مهمة ضرورية على وجه الخصوص في حالة الشخص الذي يملك مهارة ضعيفة في اللغة الثانية. فالشخص الذي لا يتقن كثيراً لغته الثانية تتداخل غالبا لغته الأولى أثناء إنتاج اللغة الثانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ثنائيي اللغة من هذا النوع يواجهون صعوبة في تسمية الصور تسمية جيدة وتحديد كلمة. إذن نخلص إلى أن الروابط العصبية بين شكل الصور وشكل الكلمات هي أضعف. ولهذا فإن استرجاع المفردات يأخذ وقتاً أطول. ومع الوقت إذا ارتفعت مهارة ثنائي اللغة في لغته الثانية فستقل تدريجياً شدة حاجته لتلك العملية من التحكم أثناء الاستخدام العادي للغة. هذا التزاحم في العملية التي تولِّد المفردات ستُحَلُّ بطريقة تلقائية أكثر فأكثر أو يمكن أن تصبح ضمن نظام معجمي دلالي. (3)

دور اللغة السائدة وغير السائدة في بعض السياقات عند ثنائيي اللغة

فيما يخص استخدام سياق اللغة أجريت تجربة في قسم علم النفس في جامعة مكغيل (McGill university) في كندا لتسليط الضوء على الاختلافات الطفيفة فيما يتعلق بالأوساط الاجتماعية التي يناقش ثنائيو اللغة في مونتريال مواضيع معينة وما إذا كانوا يستخدمون الفرنسية أو الإنجليزية أو كلتا اللغتين لمناقشة هذه الموضوعات. ولتقييم استخدامهم للغة السائدة واللغة غير السائدة. تبيّن أن الأشخاص يظهرون بصمة فريدة في استخدامهم لكلا اللغتين. تم تطبيق علم الشبكات (Network science) [وهو مجال اكاديمي لدراسة الشبكات المعقدة عن طريق دراسة الرسوم البيانية كتمثيل إما للعلاقات المتناظرة أو العلاقات غير المتناظرة بين العناصر المنفصلة. أي أنها رسم بياني للعقد والحواف. نظرية الشبكة لها تطبيقات في العديد من التخصصات بما في ذلك الفيزياء الإحصائية، فيزياء الجسيمات، علوم الحاسوب، الهندسة الكهربائية، علم الأحياء، الاقتصاد، علم المناخ، علم البيئة، الصحة العامة، علم الاجتماع وعلم الأعصاب. تشمل تطبيقات نظرية الشبكة الشبكات اللوجستية، وشبكة الويب العالمية والانترنيت وشبكات تنظيم الجينات، والشبكات الأيضية، والشبكات الاجتماعية].

  وتبين وجود أدلة أن مواضيع المحادثة التي يتحدث بها ثنائيو اللغة تختلف بشكل منهجي من سياق إلى آخر. تم تلخيص النتائج في هذه الدراسة كالتالي: أولاً، حجم وقوة الشبكة عند ثنائيي اللغة يختلف على نحو كبير فيما يتعلق بالسياق الاجتماعي وسياق العمل. لكن في المقابل يختلف حجم الشبكة فقط وليس قوتها بين سياقات الاسرة والمدرسة والمنزل. ضمن السياقات الاجتماعية يتحدث ثنائيو اللغة بأكبر عدد من اللغات، هذا يعني ان السياقات الاجتماعية مفتوحة للغاية ويمكن النفاذ من خلالها إلى مواضيع ولغات شتى. في المقابل يناقش ثنائيو اللغة مواضيع أقل وبلغات أقل في سياق العمل لأن بيئة العمل على ما يبدو بيئة مركّزة للغاية.

توصلوا أيضاً إلى أن اللغة السائدة تهيمن على اللغة غير السائدة في معظم السياقات والمواضيع التي يتحدث فيها ثنائيو اللغة بينما تهمين اللغة غير السائدة في المواضيع الخصوصية والحميمية. نصل من هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها أن علوم الشبكة هي أداة فعالة لتقديم معلومات معقدة مثل الاختلاف بين الأفراد في استخدام اللغة الثنائية مما قد تستخدم أيضا تلك الأداة لفهم أوسع عن الدماغ والسلوك (2)

الثنائية اللغوية والارتباطات الدلالية

إذا سألت شخصاً يتحدث لغة الماندرين واللغة الإنجليزية عن الحيوان الذي يقوم بعده لكي ينام، سيقول لك “الماعز” بدلاً من “الأغنام”. في لغة الماندرين، يمكن الإشارة إلى كل من الماعز والأغنام بمصطلح “يانغ” الماعز هي “شان يانغ” (“شان “يعني الجبل) ، والأغنام “ميان يانغ” (“ميان” تعني القطن). بسبب أوجه التشابه في كل من علم الأصوات وعلم الدلالات، يعتقد متحدثو الماندرين أن الماعز والأغنام متشابهة للغاية. بالنسبة إلى المتحدثين بلغة الماندرين الذين يعرفون اللغة الإنجليزية أيضاً، ليس فقط الماعز والأغنام متشابهة إلى حد كبير، لكن الأغنام والنوم مرتبطان أيضاً ارتباطاً وثيقاً (بسبب التشابه الصوتي في اللغة الإنجليزية والممارسة الثقافية لعد الأغنام). لأن “الأغنام” مرتبطة بكل من “النوم” و “الماعز”، يشكل ثنائيو اللغة الماندرين- الإنجليزية ارتباطات جديدة بين الماعز والنوم. وهكذا مع تكرار هذه مثل هذه الحالة، ينتج عن تراكم الارتباطات مثل “النوم – الأغنام – الماعز” شبكة دلالية أكثر مرونة وترابطًا، إلى الحد الذي قد يصنف ثنائيو اللغة أي مفهومين على أنهما أكثر ارتباطًا ببعضهما البعض من أحاديي اللغة.

في تجربة في جامعة نورث ويسترن (Northwestern University) عام 2020 قدموا أدلة سلوكية وعصبية أن الثنائية اللغوية يمكنها أن تغير الارتباطات الدلالية. قاموا بثلاث تجارب: التجربة الأولى هدفت إلى اختبار أن ثنائيو اللغة يدركون وجود علاقة أوثق بين المفاهيم مقارنةً بأحاديي اللغة. أعطي المشاركون البالغون 27 مشارك احادي اللغة و19 ثنائي اللغة كتيباً مطبوعاً يحتوي على أزواج من الصور. طُلب منهم الحكم على مدى الارتباط في معنى كل زوج من الصور من خلال وضع دائرة حول رقم في مقياس ليكرت (Likert scale) [طوره عالم النفس رنسيس ليكرت (Rensis Likert) لقياس ردود المشاركين بالموافقة أو الاعتراض عند الخضوع لاختبار نفسي ما].  المقياس مرقم من 1 إلى 9 أسفل الصور، بحيث يعني 1 “غير مرتبط على الإطلاق” و9 يعني مرتبط بشكل مطلق. أكدت تلك التجربة أن ثنائيي اللغة قد قيموا أزواج الصور على أنها أكثر تشابهاً في المعنى من أحاديي اللغة، مما يدعم الفرضية القائلة بأن المفاهيم أكثر ارتباطًا في عقل ثنائي اللغة منه في أحادي اللغة. كما تم اكتشاف مدى قوة التأثير الأساسي لثنائيي اللغة على الارتباطات الدلالية في ظروف مختلفة وذلك في التجربتين التاليتين.

التجربة الثانية: الغرض من التجربة الثانية هو معرفة فيما إذا كان الاختلاف بين ثنائيي اللغة وأحادي اللغة في الارتباطات الدلالية سببه تأصل /تجذر العلاقة الدلالية للمفاهيم نفسها. فتبين أن الفرق بين أحاديي اللغة وثنائيي اللغة لا علاقة له بالارتباط الدلالي المتأصل في أزواج الكلمات المحفّزة المعروضة على المشاركين. بدلاً من ذلك، لوحظت زيادة في التصنيفات بين ثنائيي اللغة ذوي الكفاءة العالية حيث أن ثنائيي اللغة البارعين للغاية في اللغتين الإسبانية والإنجليزية قيّموا الأزواج التي لها ارتباط لغوي، على سبيل المثال (نافذة، الباب) كما قيموا أزواج الصور غير ذات الصلة (حلزون، اللباس) على أنها أكثر ارتباطًا من أحاديي اللغة وثنائيي اللغة ذوي الكفاءة المنخفضة.

في التجربة الثالثة تم استبدال الصور بكلمات انجليزية. على عكس التجربة الثانية، التي وجدت معدلات ارتباط دلالي أعلى بكثير بين ثنائيي اللغة من أحاديي اللغة بشكل عام، كان تأثير ثنائية اللغة أكثر تواضعاً إلى حد كبير في التجربة الثالثة. هذه النتيجة على الأرجح ترجع جزئيًا إلى الأنواع المختلفة من المحفزات المستخدمة في التجربتين. حيث استخدمت الصور في التجارب الاولى والثانية، بينما استخدمت الكلمات في التجربة الثالثة التي أضعفت تأثير ثنائية اللغة على الارتباطات الدلالية. (4)

المصادر

Cognitive control – Latest research and news | Nature. (2019, April 8). Retrieved from Nature.com website: https://www.nature.com/subjects/cognitive-control

Tiv, M., Gullifer, J. W., Feng, R. Y., & Titone, D. (2020). Using network science to map what Montréal bilinguals talk about across languages and communicative contexts. Journal of Neurolinguistics, 56(56), 100913. https://doi.org/10.1016/j.jneuroling.2020.100913

Guo, T., Liu, H., Misra, M., & Kroll, J. F. (2011). Local and global inhibition in bilingual word production: fMRI evidence from Chinese–English bilinguals. NeuroImage, 56(4), 2300–2309. https://doi.org/10.1016/j.neuroimage.2011.03.049

Ning, S., Hayakawa, S., Bartolotti, J., & Marian, V. (2020). On language and thought: Bilingual experience influences semantic associations. Journal of Neurolinguistics, 56, 100932. https://doi.org/10.1016/j.jneuroling.2020.100932