Podcast: Play in new window | Download
تتناول المقابلة كيف أدى تفشي إنفلونزا الخيل عام 1872، والمعروف باسم “الوباء الحيواني العظيم”، إلى شلل تام في مدن أمريكا الشمالية، وكيف أطلق شرارة تغييرات دائمة في مجالات الطب، ورفاهية الحيوان، والنقل الحضري. في أواخر القرن التاسع عشر، تولت المحركات البخارية مهام السفر لمسافات طويلة بالسكك الحديدية، غير أن تفاصيل الحياة اليومية داخل المراكز الحضرية الكبرى مثل نيويورك، وبوسطن، وشيكاغو كانت تعتمد كلياً على قوة الخيول الفعلية. فكانت الخيول تنقل الركاب عبر عربات الترام، وتنقل البضائع، وتجر معدات إطفاء الحرائق، وتزيل النفايات. وفي مدينة نيويورك وحدها، كان نحو 40 ألف حصان عمل يستهلكون عشرات الملايين من أرطال الشوفان والقش سنوياً، ويخلفون قرابة 1.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم.
اجتاح الوباء البلاد قادماً من كندا متجهاً نحو الجنوب بفترة حضانة تراوحت بين ثلاثة إلى أربعة أيام، وهو ما يعني أن الحيوانات المصابة استمرت في العمل وهي تبدو سليمة معافاة، لتنقل الفيروس دون قصد إلى آلاف الخيول الأخرى المتكدسة في الإسطبلات البلدية. ورغم أن المرض حمل معدل وفيات منخفضاً نسبياً بلغ نحو 3% إلى 4%، إلا أنه كان شديد العدوى على نحو استثنائي، مما أدى إلى تعطيل عدد كافٍ من الحيوانات تسبب في إيقاف التجارة وحركة الحياة المعتادة لأسابيع متتالية في كل مدينة.
يمكن مشاهدة اللقاء وقراءة السبتايتل بالعربية
شكلت حالة الشلل تلك نقطة تحول كبرى في الفهم العلمي؛ إذ كانت المعتقدات الطبية السائدة تنسب المرض إلى “نظرية المياسما”، التي كانت تفترض أن الهواء الفاسد والسام المنبعث من المواد المتحللة هو المتسبب الوحيد في العدوى. ولأن فكرة انتقال المرض بين الأفراد كانت مستبعدة، لم يبذل مسؤولو الإسطبلات أي جهد لعزل الخيول المصابة. لكن في أعقاب تفشي الوباء، جمع الطبيب البيطري جيمس لو وزملاؤه سجلات وبائية شاملة، أثبتت أن انتشار المرض لا يمكن تفسيره إلا بوجود مسببات أمراض حية، وهو ما قدم دعماً تجريبياً حاسماً وواقعياً لنظرية الجراثيم المسببة للأمراض.
وفي الوقت ذاته، دفعت الأزمة بحملات الرفق بالحيوان المبكرة إلى دائرة الضوء والاهتمام العام. ونزل هنري بيرغ وأعضاء الجمعية الأمريكية لمنع القسوة ضد الحيوانات إلى الشوارع لإيقاف عربات الترام، ومنع تشغيل الخيول التي تعاني من السعال وظهور الأعراض، محتجين بأن هذه المخلوقات كائنات حية تستحق الرعاية والحماية القانونية. ورفع هذا الموقف العلني مكانة الجمعية لتصبح مؤسسة وطنية بارزة، وحفز إنشاء جمعيات مماثلة في مدن أخرى، ثم تقاطع لاحقاً مع الجهود الرامية لإنهاء الاستغلال في عمالة الأطفال.
كما كشفت التداعيات الاقتصادية خطورة الاعتماد على كائن حي كمصدر أساسي للطاقة في المدن، مما شجع على ضخ استثمارات مكثفة في البدائل الميكانيكية، مثل خطوط السكك الحديدية البخارية المرتفعة وشبكات مترو الأنفاق في بوسطن ونيويورك. وإلى جانب هذا التقدم المؤسسي، أظهر الوباء جانباً من الانتهازية البشرية، حيث استغل أصحاب الخيول السليمة الوضع وفرضوا أسعاراً باهظة وصلت إلى عشرة أضعاف الأجرة المعتادة لنقل المسافرين العالقين ونقل البضائع المكدسة في الموانئ البحرية.
الكتاب متوفر عبر Amazon UK.

