يعود الفضل الأكبر في تشخيص اضطرابات المزاج وتصنيفها طبيا إلى الطبيب النفسي الألماني إيميل كريبلين (1856-1926 م) الذي ألف أحد أشهر الكتب العلمية في تشخيص اضطرابات المزاج وكان أول من وضع الخصائص التشخيصية لاضطراب الفصام (سماه حينها بالخرف المبكر Dementia Praecox). يعد كريبلين مرجعا لا غنى عنه في الطب النفسي ويدعوه بعض الرواد في المجال بأبي الطب النفسي.
لقراءة المقال السابق (المقال الرئيسي)
بالملاحظة الحثيثة لمرضاه، توصل كريبلين إلى أن الاضطرابات النفسية يمكن تصنيفها إلى اضطرابات عُصابية -كما فعل فرويد- واضطرابات ذُهانية. فأما العصابية فناتجة عن عوامل نفسية وبيئية لا يشترط فيها أن تكون أمراضا بالمعنى الطبي كالتهاب الرئة والمفاصل إلخ. أما الاضطرابات الذهانية فهي أمراض (Illness) حقيقة وليست مجرد اضطرابات (Disorder)؛ وتنقسم إلى أمراض مزمنة بطبيعتها تميل إلى التدهور عبر الزمن وهي الأمراض الفصامية، وأخرى متناوبة تظهر في شكل نوبات تفصلها فترة معلومة من التعافي التام أو الجزئي وهي أمراض المزاج. لم يعترف كريبلين بفصل الاكتئاب أحادي القطب عن الاكتئاب ثنائي القطب لأن أساس المرض واحد وهو المرض الاكتئابي الهوسي (Manic depressive illness).
دون الخوض أكثر في الجدليات النظرية، رأى كريبلين أن أمراض المزاج تنتج من نفس العملية البيولوجية وإن ظهرت بسمات متفاوته؛ فالاكتئاب السوداوي الشديد والهوس الشديد هما وجهان لعملة واحدة ونتيجة عملية مرضية واحدة. الأمر أقرب إلى الالتهاب الفيروسي الذي قد يتمثل في سعال وسيلان أنف وسخونة ولكنه يتمثل في آلام في المفاصل والتهاب في الجلد والعين في حالات أخرى.
مشكلة الأدلة التشخيصية الحالية -كما يرى الطبيب النفسي الأميركي ناصر قائمي (Nassir Ghaemi) أنها ترى الأعراض ولا ترى الأمراض وتشخص العرض السطحي بدلا من تشخيص العلة المرضية التي أنتجته، ويشبه الأمر دائما بالسخونة التي إذا عاملناها كمرض وعالجناها بخافضات الحرارة ستهدأ وتتحسن إلا أن العلة التي سببتها لن تتغير، سواء كانت التهابا بكتيريا أو فيروسيا أو مناعيا إلخ؛ فهذه العلل لا بد لها من علاج للتخلص من جذور المرض لا من عوارضه السطحية.
وانطلاقا من تصنيف كريبلين، يظهر أن الاكتئاب ليس مرضا مستقلا من ثنائي القطب، وهذا ما أثبتته الدراسات طيلة مائة عام منذ وفاة كريبلين. لهذا السبب ظهر مفهوم جديد لاضطرابات المزاج، لا كفئات تشخيصية مستقلة (اكتئاب أو هوس) بل كطيف مستمر كطيف الضوء يبدأ بالاكتئاب الميلانخولي الشديد متبوعا بالاكتئاب الخفيف المزمن ثم المزاج المعتدل متبوعا بالمزاج الدوري متبوعا بالهوس الخفيف ثم الهوس الشديد في نهاية الطيف. يتجلى المرض الهوسي الاكتئابي في أي شكل من الأشكال المذكورة على طيفه، ولا عجب أنه من أكثر الأمراض عرضة لخطأ التشخيص الذي يظهر غالبا في تشخيص الاكتئاب الجسيم بسبب غياب ملامح الهوس أو تجنب السؤال عنها أو إهمال ذكرها بواسطة المرضى الذين يرون غالبا أن حالات الهوس الخفيفة جزءا من حياتهم الطبيعية ويزورون الطبيب النفسي في الأساس للتخلص من حالات الكآبة التي تعطل حياتهم اليومية.

طيف مستمر يبدأ بالاكتئاب الشديد وينتهي بالهوس الشديد
وصف كريبلين ذوي المزاج الدوري بأنهم “يتراوحون بين أقطاب المزاج المتطرفة، فأحيانا يطيرون من الفرح وأحيانا يحزنون حتى الموت. فيوما تجدهم مشعين ومشرقين وممتلئين ببهجة الحياة وقوة المبادرة واندفاع النشاط. تجدهم بعد وقت مكتئبين، واهني القوى، سيئي المزاج، محتاجين إلى الراحة. وبعد بضعة أشهر، يظهرون من جديد بما كانوا عليه من نضارة ومرونة.” (كريبلين 1921, p. 131) استمرت ملاحظة كريبلين هذه لعقود لاحقة وأكدتها الدراسات بما لا يدع الشك بالرغم من تجاهل بعض الأطباء والباحثين خاصة في العقود الحديثة وبعد ظهور الإصدار الرابع للدليل الأميركي التشخيصي (DSM-IV) في 1994 إلى هذا اليوم، فقلما يُطلق هذا التشخيص على المرضى ذوي الاكتئاب المتقطع (الدوري) الذي يظهر في نمط حالات اكتئابية متوسطة الشدة أو شديدة لوقت قصير يتبعها هياج نفسي كالقلق أو الشعور المفاجئ بالتحسن أكثر من اللازم.
المقال التالي في هذه السلسلة: دليل السايكلوثايميا: نظرة ميدانية إلى تشخيص اضطرابات المزاج بسياق عربي

