تحدث الكثير من المظالم والأحكام غير العادلة في القوانين التي تتبنى النظرة التقليدية للعواطف. تفترض تلك النظرة أننا نمتلك انفعالات حيوانية فطرية تحكمها الأفكار العقلانية. تتجلى تلك المظالم في الأحكام القضائية في حالات تتم فيها معاقبة المتهمين بما لا يستحقون وفق النظرة التقليدية للعواطف.
ما نشترك به في الدول العربية مع القانون الأمريكي هو الانحياز للقاتل حين يتعلق الأمر بالخيانة الزوجية كما يتضح حين تصف ليزا فيلدمان-باريت ما يوصف بجرائم العاطفة. يفترض القانون أن العقل البشري هو ساحة معركة بين العقل والعاطفة. وهذا يسمح للمدعى عليهم بالمطالبة بتخفيف المسؤولية الجنائية (مثل تخفيف تهمة القتل العمد) إذا تعرضوا للاستفزاز، مدعين أن “غضبًا” خارجًا عن السيطرة قد اختطف عقولهم العقلانية. وفقاً لنظرية العواطف المبنية لليزا فيلدمان-باريت فإن العواطف ليست ردود أفعال بدائية تختطف السلوك، وأن الغضب ليس له بصمة بيولوجية واحدة لا يمكن السيطرة عليها. فأنت تبني عواطفك تمامًا كما تبني أفكارك، مما يعني أنك تمتلك قدرًا من السيطرة والمسؤولية أكبر مما يفترضه القانون.
في حالات أخرى يتوقع النظام القانوني من القضاة كبح ميولهم الشخصية وإصدار أحكام خالية من العواطف باستخدام العقل الخالص. ومع ذلك، فإن بنية الدماغ تجعل هذا الأمر مستحيلاً من الناحية البيولوجية. وبما أن مناطق تنظيم ميزانية الجسم تقود التنبؤات في جميع أنحاء الدماغ، فلا يمكن لأي قرار أن يكون خاليًا تمامًا من التأثر العاطفي. وعندما يحاول القضاة تجاهل ذلك، يقعون ضحية لـ “الواقعية العاطفية”، حيث تؤثر حالاتهم الجسدية (مثل الجوع) دون وعي على أحكامهم القانونية.
يعتمد المعيار الذهبي للمحاكمة أمام هيئة محلفين بشكل كبير على اكتشاف المحلفين لعواطف مثل الندم لدى المتهم. تفترض النظرة الكلاسيكية أن للندم تعبيرًا عالميًا يمكن التعرف عليه في الوجه والجسد. وفي الواقع، فإن المحلفين يقومون بمجرد “استنتاجات ذهنية” (تخمينات) من خلال عدسة مفاهيمهم الثقافية الخاصة. ويمكن أن يؤدي هذا إلى سوء فهم مأساوي، خاصة عندما ينتمي المتهم إلى ثقافة ذات معايير عاطفية مختلفة، مثل الرزانة والهدوء في مواجهة الشدائد. رأينا في الدراسات التي أجريت على محاولة تخمين الأشخاص لعواطف الآخرين أن دقة ذلك التخمين متدنية للغاية، ومع ذلك ففي أنظمة قضائية كثيرة يتم تقدير “الندم” كعاطفة سواء من القاضي أو من المحلفين.
يحكم القانون على المدعى عليهم وفقًا لمعيار “الشخص العقلاني“، وهو معيار يعتمد بشدة على الصور النمطية الكلاسيكية للعواطف وكأن هناك صورة للشخص الطبيعي أو العقلاني. وبسبب هذه الصور النمطية، يتعامل القانون مع المتهمين الذكور والإناث بشكل غير متكافئ. على سبيل المثال، يُنظر إلى الزوج القاتل على أنه يتصرف مدفوعًا بالعدوانية الذكورية النمطية، لكن الضحايا من النساء في حالات العنف المنزلي اللواتي يدافعن عن أنفسهن بغضب (بدلاً من الخوف السلبي) ينتهكن الصور النمطية للإناث، ويُعاقبن بشكل روتيني بقسوة أكبر بكثير. هناك حالات كثيرة تمت فيها معاقبة النساء بقسوة إثر دفاعهن عن أنفسهن من العنف الصادر من الزوج.
يستخدم المحامون علم الأعصاب بشكل متزايد للحجة بأن “كتلة دماغية منحرفة” معينة (مثل الفص الجزيري المتضخم) تسببت في السلوك العنيف للمدعى عليه، وبالتالي تخفيف مسؤوليته. غير أن هذا يعتمد على علم زائف لا أساس له من الصحة يسمى “علم الكتل الدماغية” (blob-ology). فالتصنيفات النفسية المعقدة مثل العدوانية لا يمكن حصرها في مجموعة واحدة من الخلايا العصبية، كما أن الاختلافات في بنية الدماغ لا تعفي الشخص تلقائيًا من المسؤولية عن الجريمة.
إساءة فهم الضرر العاطفي هو خلل آخر حيث يتعامل القانون مع الضرر العاطفي باعتباره أقل خطورة وأقل ملموسية من تلف الأنسجة الجسدية، فرضًا لحدود زائفة بين العقل والجسد. ومع ذلك، تُظهر الأدلة العلمية أن الضرر العاطفي المطول، مثل التوتر المزمن أو التنمر الشديد، يمكن أن يغير الدماغ ماديًا، ويسبب الأمراض، بل ويقصر عمر الإنسان عن طريق تقليص التيلوميرات (القطع الطرفية للكروموسومات).
يتنقل النظام القانوني ببطء نحو قبول أن الذاكرة البشرية ليست مثل تسجيل الفيديو، بل هي محاكاة تُبنى في اللحظة نفسها ومعرضة بشدة للتشويه. علاوة على ذلك، يخلط القانون بين القدرة الفعلية على اختيار فعل ما والتجربة الذاتية للشعور بالسيطرة. وفي الدماغ التنبؤي، تمتد المسؤولية إلى ما هو أبعد من لحظة ارتكاب الجريمة؛ فأنت مسؤول أيضًا عن المفاهيم الثقافية والصور النمطية التي تسمح ببرمجتها في دماغك، لأن تلك المفاهيم هي التي تقود تنبؤاتك وأفعالك في نهاية المطاف.
هذا المقال هو جزء من سلسلة مقالات حول نظرية العواطف المبنية
تم نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغويا ريام عيسى

