قد يجادل أحدهم بأن هذا الكلام خطأ لأن هناك ملامح في الوجه كالضحك والبكاء والابتسام وملامح أدق للغضب والراحة. لكن هذه النظرة تأتي من النظرة القديمة للعواطف. الدراسات التي أجريت على عضلات الوجه وعلاقتها بالعواطف باستخدام تخطيط كهربائية العضلات (electromyography) تُظهر أن هناك تنوعاً كبيراً في عضلات الوجه مع العواطف المختلفة. ليس كما يشاع على الإطلاق بالوجوه التي نراها في الإيموجي!
ردود فعل الجسد أيضاً لا تظهر بصمة واضحة لبضعة عواطف بل تظهر تنوعاً كبيراً جداً. الدراسات التي أجريت على نبض القلب والتنفس وضغط الدم تظهر أن ردود الأفعال هذه لا تنسجم مع العواطف التي يشاع وجودها كالغضب والخوف والفرح …إلخ. هل تعتقد أن كل شخص سيمر بارتفاع للنبض عند الخوف أو جفاف للحلق؟ هذا خطأ ولا دليل عليه. حتى أنه لا توجد تجربة واحدة للخوف في الدماغ أو موقع واحد وشبكة واحدة للخلايا للخوف.
أكثر قصة إثارة للاهتمام في الكتاب هي قصة المرأة التي تعرضت لديها اللوزة الدماغية للضرر نتيجة إصابتها بحالة جينية تعرف بمرض أورباخ ويثه (Urbach-Wiethe disease). ونظراً لارتباط اللوزة الدماغية بالخوف في البحث العلمي، فقد ظن العلماء أن هذه المرأة لن تتعرض للخوف. وبالفعل فلم تكن المرأة تشعر بالخوف من الأفاعي أو العقارب أو حين تشاهد أفلام الرعب. لكن مع تعرض المرأة لارتفاع ثنائي أوكسيد الكربون وجد أنها تختبر الخوف أيضاً وأن المنطقة التي تتفعل في الدماغ هي منطقة مختلفة تماماً. أي أن هذه المرأة لديها أكثر من نوع من الخوف، أو أكثر من نسخة من الخوف. تخاف هذه المرأة أيضاً من سماع أصوات معينة أو حين النظر للغة جسد معينة.
ليست هذه المرأة فقط، بل جميعنا نمتلك نسخاً مختلفة تحدث في مناطق مختلفة من الدماغ للخوف والقلق والحزن والتوتر. تجربة حدوث نفس العاطفة بأكثر من منطقة في الدماغ تعرف في العلم باسم التحلل (degeneracy) وقد تخصصت ليزا فيلدمان باريت بتعريف ودراسة هذه الظاهرة. يعرف التحلل في الدماغ بأنه: قدرة المسارات العصبية المتباينة بنيوياً على إنتاج نفس النتيجة الوظيفية.
لكن ليس فقط أن مناطق مختلفة من الدماغ تنتج ظواهر مختلفة نسميها بذات الاسم، بل إن المناطق في الدماغ المعروفة تاريخياً بأنها مسؤولة عن عواطف معينة لا تقتصر على تلك العواطف. عرفنا أن اللوزة الدماغية لا تمثل كل تجربة الخوف التي يمر بها البشر، بل تتقاطع إلى حد كبير مع تجارب الخوف. لكنها أيضاً مسؤولة عن وظائف أخرى مثل الشعور بالألم وتعلم الأشياء الجديدة. هذا التباين في مناطق الدماغ وأدوارها المختلفة والإحساس بعواطف معينة في مناطق مختلفة هو القاعدة وليس الاستثناء.
نحن نبني عواطفنا في كل مرة
تسمى نظرية العواطف المبنية بهذا الاسم لأننا حرفياً نقوم ببناء شيء ما في أدمغتنا في كل مرة نتعرض فيها إلى تجربة جديدة. حين ترى النحلة بشكل غير واضح ثم يبدأ وضوح الصورة بالازدياد، يبني الدماغ نموذجاً للنحلة.
صنعت ليزا فيلدمان باريت، مؤسسة نظرية العواطف المبنية، كعكة عيد ميلاد تشبه القمامة والبراز وأجساماً قذرة. وعلى الرغم من إبلاغ الحضور بأنها كعكة فإن الضيوف لم يستطيعوا تقبلها حيث إن أدمغتهم استخدمت المعلومات المتوفرة لصناعة شيء آخر غير الكعكة.
المثال الآخر الذي جلبته الكاتبة لتوضيح بناء العواطف هو مواعدتها لرجل في سنوات دراستها الجامعية حين ظنت أنها منجذبة إليه (ركز على ظنت). احمر خداها وشعرت بشيء ما في معدتها ولم تعلم ما الذي يحدث وكون دماغها طيفاً من العواطف شبيهاً بما تختبره في العادة في الانجذاب العاطفي. حين عادت إلى البيت شعرت بالتعب أكثر وتقيأت ووجدت أنها مريضة! لم يكن الأمر سوى إصابتها بالإنفلونزا. لم يكن وجهها محمراً ومعدتها قلقة بسبب الحب كما ظنت، بل كانت فقط مريضة، لكن توفر طيف مشابه من الأحاسيس الجسدية كون شيئاً آخر في دماغها. إذا كان الحب العاطفي لدى ليزا يتكون من بضعة مؤشرات جسدية، فإن توافر بعض تلك المؤشرات أعطى دماغها إحساساً زائفاً رغم أن تلك المؤشرات قادمة من سبب مشابه وليس بالضبط لأنها وقعت في الغرام. هكذا الحال مع نسخ العواطف التي نصنعها دوماً.
في عام 1960 أجرى العلماء تجربة تتضمن حقن الأشخاص بالأدرينالين. وبناءً على السياق والظروف بنى الأشخاص نسخاً مختلفة من العواطف. بعضهم شعروا بالفرح العارم والبعض الآخر شعروا بالغضب الشديد. وفر العلماء مؤشراً واحداً وهو الأدرينالين في تلك التجربة. يشبه ذلك إضافة مادة من مواد وصفة لوجبة طعام لكن الدماغ كان يكمل إضافة المزيد بحسب التجارب السابقة ليتمم التجربة العاطفية بشكل مختلف لكل شخص.
لا تتضمن أدمغتنا في الأساس مواضع محددة للعواطف تتفعل نفسها لدى الجميع، بل يمر كل شخص منذ لحظات الحياة الأولى بالكثير من التجارب ويتعلم عبر التكرار. يتعلم الأطفال الرضع أمراً مثل ملامح الوجوه في أيام العمر الأولى من خلال إقبال وجه الأم والأب بشكل متكرر عليهم وبالقرب منهم فيبدؤون ببناء نموذج لهذا الشيء، الوجه. لكن التجارب العلمية تثبت أن الأطفال لا يمتلكون تمييزاً فطرياً للوجوه حال ولادتهم.
إن العواطف والأحاسيس المختلفة تجاه العالم هي أمر يتم بناؤه وليس ردود فعل تلقائية تجاه العالم. هناك فرق كبير بين الحالتين. إننا نبني في كل مرة عواطفنا بناءً على تجاربنا السابقة، ولهذا السبب فهي تختلف بشدة بين الأشخاص في كل تفاصيلها وتختلف في أماكن تفعيلها في الدماغ وما تفعله في جسدنا وربما سنشترك بالقليل جداً حول التجربة العاطفية لو لم تكن هناك لغات وثقافات مشتركة بيننا. لكن حتى اللغات والثقافات تظهر كيف أن العواطف تتباين إلى حد كبير بين لغة وأخرى، وبين ثقافة وأخرى. لكن المفاهيم التي نصوغها باللغة تبقى عاملاً مهماً في تجربة العواطف.
العواطف لا تختلف عن المفاهيم في الدماغ. مثلما نتعلم مفهوم السيارة عبر إدراك أن هناك عجلات وجسماً صلباً يمكن للأشخاص ركوبه فإننا نتعلم العواطف كمفاهيم. ومثلما نكون نسخة من نموذج السيارة في أدمغتنا في كل مرة نرى فيها سيارة بناءً على تجربتنا السابقة من خلال رؤية السيارات، فإننا نكون نسخة من الغضب أو الخوف أو الفرح في كل مرة نتعرض لمكونات وصفة إعداد تلك النسخة.
إن تمييز كعك المفن عن كعك الكب كيك هو أمر ثقافي واجتماعي بحت على الرغم من أن مكونات أصناف الكعك هذه متشابهة، ما لم تكن متطابقة. نفس الأمر ينطبق على العواطف حيث يسمى ارتفاع نبض القلب في حالة معينة غضباً أو وفي حالة أخرى خوفاً أو فرحاً.
هذا المقال هو جزء من سلسلة مقالات حول نظرية العواطف المبنية
تم نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغويا ريام عيسى

