ما هو أصل العواطف إذن إن لم يكن أجزاء معينة في الدماغ تستجيب للعالم المحيط بنا؟ إن أصل العواطف هو ما يعرف بالحس الداخلي (introspection) والذي تعرفه الموسوعة الحرة بأنه: ” الحاسة المتعلقة بالحالة الداخلية للجسم”. الحس الداخلي يشبه عملية مسح يجريها الدماغ من الأعضاء والأنسجة المختلفة وأحاسيسها فضلاً عن الجهاز المناعي. هذه العملية هي عملية مستمرة وهي ما تسبب إحساسنا العام الإيجابي أو السلبي، الشعور السار أو غير السار. هذا الشعور السار وغير السار، الإيجابي والسلبي، هو الأمر الوحيد المتفق عليه بين البشر، فضلاً عن الهدوء أو التهيج (agitation). ومن هنا يأتي العامل الأساسي في نظرية العواطف المبنية.
يعرف الوجدان (affect) في علم النفس بأنه الدرجة التي يشعر بها الشخص بالهدوء أو التهيج بالتزامن مع الدرجة التي يشعر فيها الشخص بالعواطف الجيدة أو غير الجيدة. يعني ذلك أن الوجدان هو بمثابة الدرجة للشعور الداخلي الذي عرفناه سابقاً. إنه شيء مستمر كالتيار. وهو أيضاً يمثل حصيلة بسيطة لميزانية الجسم للطاقة. ميزانية الطاقة تلك تحدث من خلال التحكم بمعدل التنفس، الكورتيزول وعلاقته بالإنسولين، نبض القلب، وإفراز الإنسولين في الدم. إن كل العواطف التي نختبرها في النهاية تحدد تلك الميزانية فهل نحتاج إلى التحرك بسرعة للهرب أو القتال؟ أم هل نكتفي بالهدوء مفترضين أن ما نختبره هو أمر إيجابي جيد؟ وكذلك الحال إذا ما اختبرنا شعور الجوع والذي قد يجعلنا نترجم العالم بطريقة معينة وفقاً لذلك.
الوجدان يحدد الواقع بالنسبة لأجسامنا وهو ما تصفه ليزا فيلدمان-باريت بالواقعية العاطفية أي الواقع الذي تجسده عواطفنا بالنظر إلى ذلك الجزء منها. كيف نرى العالم؟ كيف ننظم ميزانية الطاقة بالنسبة للعالم؟ الوجدان بذاته ليس عاطفة، إنه إحساس الدماغ بميزانية الجسم للطاقة لكنه لا يمتلك تلك الدقة من المعاني التي تماثل ما لدينا من عواطف. أما العواطف فيحتاج الدماغ إلى إنشاء مفاهيم عاطفية (قلنا إن العواطف هي مفاهيم) لكي يعطي وصفاً معيناً لحصيلة المدخلات، أو مكونات الوصفة. العواطف هي مفاهيم يتم تركيبها على مكونات الوصفة أو المدخلات المختلفة لإعطائها معنى. لهذا السبب فإن العواطف متباينة بشدة عبر الثقافات وبين الأشخاص فهي تقريباً أمر ثقافي لا يختلف عن أي صنف آخر من المفاهيم. المشترك هو الوجدان والحس الداخلي.
يعمل الدماغ مثل آلة للتنبؤ طيلة الوقت للتفاعل مع العالم. هناك مليارات العصبونات التي تتفاعل فطرياً مع المدخلات التي تتلقاها من العالم وتتنبأ بما سيحدث. التنبؤ بالأمر التالي الذي سيحدث هو أمر أساسي في وظائف العصبونات ووظيفة الدماغ عبر استخدام الخبرات السابقة في التنبؤ بما سيحدث. من خلال تلك الآلية البسيطة يقوم الدماغ بإعادة تشكيل الحقيقة بشكل مستمر بناءً على ما تعرض له في السابق. ما نفهمه حالياً حول عمل نماذج الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بناءً على البيانات التدريبية هو شبيه بعمل الدماغ. الذكاء الاصطناعي بأحدث أشكاله، متمثلاً بالنماذج اللغوية الكبيرة مثل جات جي بي تي وكلود، أعطانا نماذج توليدية تبني نصوصاً جديدة بناءً على المدخلات التي تحصل عليها بالإضافة إلى دور البيانات التدريبية سابقاً. الدماغ يفعل أمراً مشابهاً.
أجرت هيلين مايبيرغ (Helen S. Mayberg) تجربة على مرضى يعانون من اكتئاب حاد. تتضمن التجربة تحفيز المناطق المتعلقة بالتنبؤ بالدماغ كهربائياً. تحسنت أعراض هؤلاء بدرجة عالية وأبلغوا عن تحسن مفاجئ في أعراضهم. أثبتت مايبيرغ عبر التجربة أثر التحفيز المباشر على شبكات ميزانية الجسم للطاقة لتحسين الأعراض. لا تعكس التجربة بالضرورة حلاً دائماً للاكتئاب الذي يُعد ظاهرة معقدة لكنها تظهر كيف أنه قد يكون حالة مرتبطة بالواقع الذي يدركه الحس الداخلي. إن الوهم حول حاجتنا إلى التحرك بهيئة معينة بسبب شيء ما يهددنا وكل ما يرتبط بميزانية الطاقة للجسم قد تكون هي السبب في الكثير من المعاناة النفسية التي نمر بها.
إذا رأيت أفعى فستحتاج إلى الحركة. من البديهي أن يحتاج جسمك إلى الطاقة لذلك. تحت التهديد يفرز الكورتيزول ليقاوم عمل الإنسولين مستعداً لإبقاء السكر في الدم لفترة أطول ولخزن الدهون إذا ما دام الكورتيزول مرتفعاً نتيجة تهديد طويل الأمد. حتى لو كان ذلك التهديد غير منطقي.
العلاقة مع الطاقة تتجسد في أمر نمر به يومياً مثل الجوع. وجدت دراسة عام 2011 أن القضاة يميلون إلى أحكام أكثر قسوة على المتهمين قبل تناولهم لوجبة الغداء.
العلاقة مع الطاقة هي الرابط الحقيقي بين عواطفنا وبين النزعات الأبسط لدى الحيوانات والتي لا ندري إن كان من الممكن القول إنها عواطف. تفند الكاتبة إحدى المغالطات الكبرى التي اعتقد بها علماء كبار سابقاً وهي أننا ورثنا جزءاً عاطفياً من الحيوانات. في الحقيقة إن تلك التي نسميها “عواطف” هي خاصة بنا نحن البشر.
تكوين المفاهيم العاطفية وتعلمها
لإزاحة سوء الفهم حول كل الأفكار التي تطرحها نظرية العواطف المبنية لنأخذ قوس قزح كمثال. قوس قزح في الواقع ليس له خطوط، إنه عبارة عن طيف مستمر من الضوء. نحن نرى تلك التصنيفات من الضوء لأن أدمغتنا تتضمن مفاهيم مثل “أحمر” و”أصفر” لتصنيف الأطوال الموجية للضوء. وهكذا الحال مع الكلام الذي هو ليس سوى تيار مستمر من الصوت، لكن أدمغتنا تستخدم مفاهيم معينة لتصنيف الموجات الصوتية إلى كلمات منفصلة. دون المفاهيم لا يمكن أن نفهم العالم وقد نراه تياراً مستمراً من الضوضاء، كما قد نكون كالعميان حسياً. هكذا الحال مع العواطف. إنها المفاهيم التي نطلي بها ما نختبره من الوجدان والحس الداخلي والتجارب الحسية القادمة من العالم كالألوان والأصوات.
إن مفاهيمنا، بما فيها العاطفية، هي مفاهيم هادفة أو مفاهيم يتم بناؤها من أجل هدف محدد. بمعنى أن كل شيء لدينا من مفاهيم صاغتها أدمغتنا وجدت لغايات مثل ميزانية الطاقة أو الحذر من المخاطر كالأفاعي والعقارب والأعداء من البشر الآخرين. مفهوم الغضب مثلاً هو مفهوم هادف، فهو في جوهره ليس شيئاً واحداً إذ إن هناك ابتسامة ضمن ما يعرفه البعض بالغضب كالشماتة وإظهار عدم الاهتمام، وهناك أيضاً الصراخ والبكاء وأفعال العنف والاعتداء. كل هذه الأفعال تندرج تحت الغضب. لكن إنشاء مفهوم يسميه البشر الغضب أسس وفق هدف معين والذي قد يكون لتجاوز عقبة معينة متمثلة بشخص أو شيء ما.
غرس أمر مثل الغضب في سلوك شخص معين وتعيينه تحديداً كعاطفة لها اسم ومحددة بسلوكيات معينة هو تعريف لمفهوم لا يختلف عن قوس قزح أو عن تعريف أصوات معينة بأنها كلمات. نحن نتعلم منذ أيام العمر الأولى بطريقة إحصائية. يأتي الطفل وهو غير قادر على تمييز أي شيء ثم يجد أن شيئاً ما ذا ملامح معينة كالعينين والفم والأنف والشعر تتكرر بكثرة وتتحرك وفق هيئتها تلك فيعرف الطفل مفهوم الوجه. وهكذا الحال مع قوس قزح الذي نقرر ثقافياً أنه يتكون من تلك الألوان وأن نحدد تلك الألوان بصفتها الحدود الفاصلة، لكن ماذا لو حددنا الأحمر الفاتح كلون منفصل عن الأحمر؟ حينها سيكون هناك أكثر من سبعة ألوان، صدق أو لا تصدق فإن ألوان قوس قزح تختلف في الروسية إذ يعرفون كلاً من الأزرق الفاتح والأزرق الداكن. الغضب أيضاً يتم تعريفه بنفس الطريقة، نحن نرى أنماطاً من السلوك لدى الآخرين أو في الأشياء من حولنا مع ردود أفعال معينة في جسمنا ونحدد كل ذلك بتسمية ومفهوم ونقرر أن هذا خوف وهذا غضب. لكننا متباينون جداً بيننا كأفراد وكثقافات وإننا نختلف أكثر مما نتفق في تعريف مفاهيم العواطف، أكثر من الألوان بكثير! (إننا كبشر لا نتفق حول الألوان بين الثقافات، وأحياناً حتى بين الأفراد).
تظهر التجارب التي تجري على أطفال تتراوح أعمارهم بين عشرة إلى أربعة عشر شهراً أنهم يستخدمون التعلم الإحصائي. في واحدة من تلك التجارب تم سحب مصاصات وردية من علبة في أغلب الحالات مع وجود علبة أخرى تحتوي على مصاصات سوداء. زحف الأطفال بشكل موثوق نحو الكوب الذي سُحبت منه المصاصة الوردية ميلاً حيث تعلموا إحصائياً أن المصاصات الوردية هي الأرجح كفة.
إدراك أهداف الآخرين بالإضافة إلى التعلم الإحصائي هو جزء مهم من التعلم. في تجربة أخرى شاهد أطفال في عمر ستة عشر شهراً باحثاً يختار عن عمد مكعبات بيضاء مملة من وعاء مليء بألعاب “السلينكي” (Slinkys) الملونة. وعندما طُلِب من الرضع تزويد الباحث بلعبة، قاموا بإعطائه مكعباً أبيض، وهو ما يظهر “الاستدلال العقلي” المبكر، أي القدرة على استنتاج التفضيلات والأهداف الذاتية لشخص آخر، حتى عندما تختلف عن تفضيلات الطفل نفسه.
معالجة المعلومات لإصدار التنبؤات والأخطاء فيها: كيف يحدث في العواطف؟
نعود إلى فكرة الهدف في المفاهيم. إذا كانت عواطفنا هي تنبؤات ونواتج تلك التنبؤات هي مفاهيم، كالغضب، ألا يفترض أن تكون هناك تنبؤات مستمرة طيلة الوقت؟ ألا يفترض أن نخطأ أيضاً في التنبؤ؟ هذا ما يحدث بالفعل، ونحن لا نصدر فقط تنبؤاً واحداً بل تظهر نسخ متنافسة من تلك التنبؤات ويختار الدماغ واحدة منها لتقرير ما سيصدر (اقرأ عن نظرية المسودات المتعددة لدانييل دينيت).
التنبؤات أيضاً قد لا تكون صحيحة، وما تظن أنه طير أو كيس أو قوس قزح أو ماء قد يكون خاطئاً، وهكذا الحال مع العواطف، التشوق لشيء ما أو الخوف أو الانبهار قد يكون خاطئاً حين نعرف أن ما تم التنبؤ بموجبه من متغيرات كانت خاطئة وأن الشخص يمكن أن يجد أن تلك النسخة التي اختارها من العواطف لم تكن مناسبة للحالة. كل ما لدينا هو تجارب سابقة، ومعلومات قادمة آنية، ونظام للتنبؤ.
ونظراً لأن الرضع يفتقرون إلى المفاهيم، فإنهم يغرقون في أخطاء التنبؤ، ويستوعبون العالم من خلال انتباه مشتت يشبه ضوء “الفانوس”. في المقابل، يمتلك البالغون انتباهاً يشبه الضوء الموجه المدعوم بشبكة تحكم تركز على المعلومات ذات الصلة وتتجاهل المشتتات. تلك القدرة على إقصاء المعلومات غير ذات الصلة تتطور مع الزمن لتصبح الأخطاء أقل في التنبؤ، وينعكس ذلك على العواطف.
تشبه الكاتبة المفاهيم بالخلاصات للكثير من الحالات المعقدة التي نمر بها لكن أدمغتنا تميل إلى إقصاء التشابهات الإحصائية والإبقاء على نسخة أصغر حجماً، مثلما تعمل تقنيات ضغط الفيديوهات وبثها في يوتيوب. منذ الطفولة نبدأ بصياغة المفاهيم لهذا الغرض وإلا لما استطعنا أن نعمل بكفاءة إن كنا نتعامل مع كل ما نتعامل معه من الحس الداخلي بكل تفاصيله ودون ضغط أو اختصار.
الشبكة التي تفصل بين نسخ التنبؤات المختلفة في الدماغ تعرف بشبكة التحكم. إنها تستطيع تقرير أن الحرف هو B حين يكون وارداً بين الأحرف، أو 13 حين تكون الخطوط واردة بين الأرقام. يعرف التحكم المعرفي أو التحكم الإدراكي بأنه القدرة على إقصاء المعلومات غير ذات الصلة.
تحتوي مناطق ميزانية الجسم التابعة لشبكة الإدراك الداخلي، إلى جانب شبكة التحكم، على مراكز الاتصال الرئيسية في الدماغ. ونظراً لأن مناطق ميزانية الجسم هذه تبث تنبؤات تغير ما تراه وتسمعه، فلا يمكن لأي قرار أو فعل أن يكون خالياً تماماً من الوجدان (التأثر العاطفي).
إن ما يقسمه علم النفس الشائع إلى فئات متميزة كالإدراك، والذاكرة، والتخيل، والعاطفة هو في الواقع نفس العملية العصبية. ففي جميع الحالات، يستخدم الدماغ التجارب الماضية كمفاهيم للتنبؤ بمعنى المعلومات الحسية الواردة وتفسيرها. وعندما تكون المفاهيم المستخدمة هي مفاهيم عاطفية، يقوم الدماغ ببناء حالة من العاطفة.
هل العواطف حقيقية؟
إن كون العواطف هي خطوط نقرر أن نخطها حول تجاربنا، وأسماء نعطيها لتجارب دماغنا فإن هذا لا يعني أنها غير حقيقية. هناك من يقول إن التفاحة ليست حمراء بل هي حمراء للناظر فقط، وأن الشجرة التي تسقط في غابة نائية لا تصدر صوتاً لأن لا أحد سيسمع. لكن في الحقيقة إن لدى التفاحة خصائص كيميائية تعكس الضوء سواء رآها أحدهم أم لا. وأن الشجرة التي تسقط تحدث اهتزازات وتصدر أصواتاً سواء كان هناك من يسمعها أم لا. هذه هي الحقيقة الفيزيائية، ولكن لدينا أيضاً ما نجسده بمفاهيمنا حين نعطيه مفهوماً معيناً. ليس ما نفعله كأفراد، بل ما نقوم به كعقد اجتماعي وفق اللغة والمفاهيم الثقافية لشعب بأكمله. الكثير من المفاهيم العاطفية هي جزء من حقيقة اجتماعية مثلما أن المال وعقود البيع والشراء ومفاهيم الشركات والمؤسسات هي عقود واتفاقيات اجتماعية.
ما تفعله الكلمات هو أنها تغرز تلك المفاهيم بشكل أعمق بين مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يتكلمون نفس اللغة بحيث إن العواطف تصبح مختلفة بناءً على المجتمع الذي تعيش فيه.
دون الكلمات لا نستطيع اختبار العواطف بذات الشكل في أنفسنا أو الآخرين. ما لم نعرف الحزن بكلمة “حزن” فلن نستطيع التعامل معه بنفس الطريقة.
هناك مثال ذكي تستحضره الكاتبة وهو البيتزا. ماذا لو دخلت محل بيتزا وقلت: أريد قطعة عجين مغطاة بصلصة الطماطم مع الجبن فوقها وهي مخبوزة في فرن حار”؟ ألا تختصر كلمة بيتزا كل ذلك؟ السبب في ذلك هو اللغة والمفاهيم المشتركة التي نحملها والتي توحد تسمية بيتزا لكل هؤلاء الناس. العواطف لا تختلف عن ذلك بكثير، ربما هناك اختلاف وتباين أكثر حولها بين الناس.
هذا المقال هو جزء من سلسلة مقالات حول نظرية العواطف المبنية
تم نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغويا ريام عيسى

