أشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية: 

 

الفقه العلاجي: عندما يصبح القانون جزءاً من العلاج النفسي

بواسطة | يونيو 25, 2026 | علاج نفسي | 0 تعليقات

⏱ 6 دقائق قراءة

المحامية نور جواد الدليمي

اعتاد الناس النظر إلى القانون بوصفه مجموعة من القواعد التي تحدد الممنوع والمسموح، وتفرض العقوبات على من يخالفها، وتحسم المنازعات بين الأفراد والمؤسسات. وعندما يُذكر القضاء أو المحاكم أو العقوبات، يتبادر إلى الذهن فوراً مفهوم الجزاء والردع. إلا أن العقود الأخيرة شهدت ظهور إتجاه فكري وقانوني مختلف حاول أن يطرح سؤالاً جديداً: هل يمكن أن يكون القانون نفسه وسيلة للعلاج والإصلاح، وليس مجرد وسيلة للعقاب؟

هذا السؤال يمثل نقطة الانطلاق لما يُعرف بالفقه العلاجي أو علم القانون العلاجي، وهو اتجاه ظهر أواخر ثمانينيات القرن الماضي في مجال قانون الصحة النفسية قبل أن يمتد تدريجياً إلى معظم فروع القانون. ويُعرّف الفقه العلاجي بأنه دراسة دور القانون بوصفه عاملاً علاجياً، أي دراسة تأثير القواعد القانونية والإجراءات القضائية والقضاة والمحامين والمؤسسات القانونية على الصحة النفسية والحياة العاطفية والسلوك الإنساني. فالفقه العلاجي لا ينظر إلى القانون باعتباره نصوصاً مجردة فقط، وإنما باعتباره قوة اجتماعية قادرة على إنتاج نتائج إيجابية أو سلبية في حياة الناس.

ولا يعني ذلك أن الفقه العلاجي يدعو إلى إلغاء العقوبات أو التخلي عن العدالة أو استبدال المحاكم بالمصحات النفسية. فهو لا يسعى إلى إحلال العلاج محل القانون، بل يحاول جعل القانون أكثر قدرة على تحقيق نتائج إنسانية وإصلاحية دون التضحية بمبادئ العدالة والإجراءات القانونية الواجبة. فالعقوبة تبقى موجودة، لكن السؤال يصبح: هل يمكن تطبيقها بطريقة تزيد من احتمالات الإصلاح وتقلل من احتمالات العودة إلى الجريمة؟

يقوم الفقه العلاجي على الاستفادة من العلوم السلوكية والنفسية والاجتماعية لفهم الطريقة التي يستجيب بها الناس للقانون. تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنسان يكون أكثر التزاماً بالقرارات والخطط عندما يشعر بأنه شارك في صنعها، وأنه اختارها بإرادته، وليس عندما تُفرض عليه بصورة قسرية. كما تشير هذه الدراسات إلى أن إشراك الأسرة والمحيط الاجتماعي في عملية الإصلاح يزيد من احتمالات النجاح، وأن الالتزام العلني أمام الآخرين يكون أكثر تأثيراً من الالتزام الخاص.

ومن الأمثلة التي يطرحها الفقه العلاجي الاستفادة من مفهوم “العقد السلوكي”. ففي المجال الطبي ثبت أن المرضى يكونون أكثر التزاماً بالعلاج عندما يشاركون في تصميم الخطة العلاجية ويوقعون عليها أو يعلنون التزامهم بها أمام الآخرين. وقد حاول الفقه العلاجي نقل هذه الفكرة إلى المجال القانوني. فإذا كان القاضي بصدد النظر في طلب الإفراج الشرطي أو إيقاف تنفيذ العقوبة أو فرض تدبير علاجي على شخص مدمن للمخدرات، يمكن أن تتحول الجلسة إلى مساحة للمشاركة والحوار بدلاً من الاقتصار على إصدار الأوامر. فقد يطلب القاضي من الشخص أن يوضح بنفسه المخاطر التي قد تدفعه إلى العودة للسلوك الإجرامي، وأن يقترح خطة عملية لتجنبها. وبهذه الطريقة يصبح القرار نابعاً من اقتناع الشخص نفسه، لا مجرد شرط مفروض عليه من الخارج.

وقد اكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في الجرائم المرتبطة بالإدمان. ففي العديد من الأنظمة الحديثة ظهرت محاكم متخصصة بعلاج الإدمان، تمنح المتهم فرصة الدخول في برنامج علاجي تحت إشراف المحكمة بدلاً من الاكتفاء بالعقوبات التقليدية. ويؤكد الفقه العلاجي أن نجاح هذه البرامج لا يعتمد فقط على العلاج نفسه، بل على الطريقة التي يُعامل بها المتهم داخل النظام القضائي. فكلما شعر بأنه يُعامل بكرامة واحترام، وأن القاضي يستمع إليه ويهتم بمصلحته، زادت احتمالات نجاحه في العلاج والالتزام بشروطه.

ويستفيد الفقه العلاجي أيضاً من برامج العلاج المعرفي السلوكي التي أثبتت نتائج واعدة في إعادة تأهيل الجناة. فهذه البرامج لا تكتفي بمعاقبة الشخص على فعله، بل تساعده على فهم سلسلة الأفكار والظروف التي قادته إلى ارتكاب الجريمة. ويُطلب منه أن يحدد المواقف عالية الخطورة التي قد تدفعه مستقبلاً إلى تكرار السلوك الإجرامي، وأن يضع خطة للتعامل معها أو تجنبها. وقد يطلب القاضي من الشخص الذي يسعى للحصول على الإفراج الشرطي أن يقدم بنفسه هذه الخطة، وأن يشرح للمحكمة كيف سيتجنب الانتكاس مستقبلاً.

ولا تقتصر تطبيقات الفقه العلاجي على القانون الجنائي وحده. فالفكرة الأساسية التي يقوم عليها يمكن أن تمتد إلى مختلف فروع القانون. ففي قضاء الأحوال الشخصية (الأسري) مثلاً يمكن تصميم الإجراءات بطريقة تقلل من التوتر والصراع وتحافظ على العلاقات الأسرية قدر الإمكان. وفي المنازعات المدنية يمكن تشجيع التسويات والوسائل البديلة لحل النزاعات بما يخفف الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع القضائي. كما يمكن أن يستفيد المحامون من مبادئ الفقه العلاجي في طريقة التواصل مع موكليهم، من خلال الإصغاء الفعّال، وتوضيح الإجراءات بلغة مفهومة، وإشراك الموكل في اتخاذ القرارات المتعلقة بقضيته.

ومن الأفكار المهمة التي يطرحها الفقه العلاجي أن القانون لا يعمل في فراغ. فالمتهم أو المدعي أو الشاهد ليس مجرد مستندات واوراق أو رقم دعوى، بل إنسان يحمل ظروفاً اجتماعية ونفسية وشخصية مختلفة عن غيره. ولهذا يرفض الفقه العلاجي الحلول النمطية الجاهزة، ويدعو إلى تصميم التدخلات والخطط بصورة فردية تراعي خصوصية كل حالة. فليس هناك متهمان متماثلان تماماً، وبالتالي لا ينبغي افتراض أن الحل نفسه يصلح للجميع.

ومع ذلك فإن الفقه العلاجي لا يخلو من التحديات. فهناك تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المحاكم على تخصيص الوقت والموارد اللازمة لتطبيق هذه الأساليب، ومدى إمكانية تحقيق التوازن بين الاعتبارات العلاجية ومتطلبات العدالة. كما أن الفقه العلاجي نفسه يؤكد أن الأهداف العلاجية ليست القيمة الوحيدة التي يجب مراعاتها، بل يجب أن تبقى إلى جانبها قيم أخرى مثل الاستقلالية والعدالة ونزاهة الإجراءات وسلامة المجتمع.

ورغم هذه التحديات، فإن الفقه العلاجي يمثل محاولة جادة لإعادة البعد الإنساني إلى القانون. فهو لا ينظر إلى العقوبة باعتبارها نهاية الطريق، بل يسأل عما يمكن أن يحدث بعد العقوبة. ولا يكتفي بتحديد المسؤولية القانونية، بل يهتم أيضاً بكيفية مساعدة الإنسان على تغيير سلوكه وتجنب العودة إلى الخطأ. ومن هنا تبرز أهميته في عالم يشهد تزايد الاهتمام بإعادة التأهيل والعدالة التصالحية ومحاكم حل المشكلات والبرامج العلاجية المتخصصة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الفقه العلاجي لا يقدم وصفة سحرية لحل جميع مشكلات العدالة، لكنه يفتح باباً مهماً للتفكير في دور القانون بصورة أوسع. فهو يدعونا إلى النظر إلى القاضي والمحامي والإجراءات القانونية والنصوص التشريعية باعتبارها أدوات يمكن أن تؤدي دوراً علاجياً وإصلاحياً إلى جانب دورها التقليدي في الحكم والعقاب. وربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه هذا الاتجاه هو: إذا كان القانون قادراً على التأثير في سلوك الإنسان، فلماذا لا نحاول أن نجعل هذا التأثير أكثر فائدة وإنسانية ما دام ذلك ممكناً دون المساس بالعدالة؟

 

المصادر:

1 – David B. Wexler – Therapeutic Jurisprudence: An Overview, Thomas M. Cooley Law Review, Vol. (17), 2000.

-Therapeutic Jurisprudence and the Criminal Courts, William & Mary Law Review, Volume (35), 1993 – 1994.

-Therapeutic Jurisprudence and its Application to Criminal Justice Research and Development, Irish Probation Journal, Vol. (7), 2010.

3 – David B. Wexler and Bruce J. Winick – Therapeutic Jurisprudence, Therapeutic Jurisprudence, in Principles of Addiction Medicine, 4th Edition.

4 – Kennefick, Louise K. M., Can Therapeutic Jurisprudence Provide a Normative Link between Recent Trends in Criminal Law Theory and Criminal Justice Practices?, 2014.

تم نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغويا ريام عيسى

شارك المقال