في كتاب “الدماغ في حالة راحة” (The Brain At Rest)، يشرح عالم الأعصاب جوزيف جبلي (Joseph Jebelli) كيف أن هوس المجتمع بالإنتاجية المستمرة يسبب جائحة احتراق نفسي عالمية تلحق أضرارًا جسيمة بصحتنا البدنية والعقلية. ومن خلال قصص شخصية عن صراعات عائلته مع الإفراط في العمل، يشرح جبلي (Jebelli) كيف يؤدي العمل الدؤوب إلى ترقيق القشرة الجبهية وتقليل قدراتنا المعرفية. ويقدم شبكة الوضع الافتراضي، وهي دائرة دماغية حيوية لا تنشط إلا عندما ننفصل عن المهام لأحلام اليقظة أو التأمل. وتظهر الأبحاث أن هذا “الضجيج الخلفي” للعقل يعزز في الواقع الإبداع، وحل المشكلات، والذكاء العاطفي. ومن خلال تبني فن عدم القيام بأي شيء، يمكننا إعادة شحن أدمغتنا وتحقيق حياة أكثر فعالية وازدهارًا. ويعد النص بمثابة مناشدة علمية لإعطاء الأولوية للراحة كضرورة وليس كرفاهية مفرطة.

يوسف جبلي
تكلفة الإفراط في العمل
يسلط البحث الذي أجرته منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة العمل الدولية (ILO) الضوء على أن العمل لمدة 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع هو “أكبر عامل خطر مهني قاتل بمفرده”، حيث يتسبب في 745,000 حالة وفاة سنويًا، وينتج ذلك بشكل رئيسي عن السكتات الدماغية وأمراض القلب.
تظهر الدراسات تراجعًا كبيرًا في رفاهية مكان العمل، حيث يعمل 59% من جيل الألفية (Millennials)، و58% من الجيل زد (Gen Z)، و54% من الجيل إكس (Gen X) لساعات طويلة. ومنذ عام 2019، ارتفعت التقارير عن الفقر المعرفي، والإنهاك العاطفي، والتعب الجسدي بنسبة 38%.
تبلغ التكلفة التقديرية للاقتصاد العالمي بسبب مشكلات الصحة العقلية مثل الاكتئاب والقلق حاليًا تريليون دولار سنويًا، ومن المتوقع أن تصل إلى 16 تريليون دولار بحلول عام 2030. وفي المملكة المتحدة (UK) وحدها، كلف الإجهاد والمرض والإصابات المرتبطة بالعمل الاقتصاد 20.7 مليار جنيه إسترليني في عام 2022.
تظهر الأبحاث حول “الكاروشي” (Karoshi) (وهو المصطلح الياباني للموت من الإفراط في العمل) أنه يستهدف أولئك الذين يعملون لأكثر من 60 ساعة أسبوعيًا. وفي حين تشير الأرقام الرسمية إلى 400 حالة وفاة سنويًا، يقدر الخبراء أن الحصيلة الحقيقية الناجمة عن السكتات الدماغية والنوبات القلبية وحالات الانتحار الناجمة عن الإفراط في العمل قد تصل إلى 20,000 حالة سنويًا.
تكشف الدراسات التي تراقب السلوك في مكان العمل أن المدراء لا يمكنهم في الواقع التمييز بين الموظفين الذين يعملون حقًا لمدة 80 ساعة في الأسبوع وأولئك الذين يتظاهرون بذلك فقط. وبعيدًا عن زيادة الأرباح، فإن الإفراط المزمن في العمل يضر بالنتائج النهائية للشركة من خلال تدمير المهارات المعرفية مثل الحكم والتخطيط وحل المشكلات.
اكتشاف شبكة الوضع الافتراضي وتأثيرها
في عام 2001، استخدم عالم الأعصاب ماركوس رايشلي (Marcus Raichle) تكنولوجيا مسح الدماغ لاكتشاف ما أسماه في البداية “المناطق الجدارية الغامضة”. وكشفت تجاربه عن ظاهرة غير متوقعة: هذه المناطق المحددة من الدماغ كانت تخمد عندما ينخرط الشخص في مهمة شاقة، لكنها كانت تضيء بنشاط عصبي مكثف عندما يتوقف الشخص عن التركيز ويرتاح.
وقد حدد رايشلي (Raichle) هذا على أنه “شبكة الوضع الافتراضي” (Default Network)، والتي تتطلب كميات هائلة من الطاقة لتعمل. وعندما لا نفعل شيئًا، تصعد هذه الشبكة إلى أفضل أحوالها، مما يمكن التفكير الإبداعي والتأمل وتوليد الأفكار.
وتحدد الأبحاث مسار شبكة الوضع الافتراضي عبر أربع مناطق رئيسية في الدماغ: القشرة الجبهية الإنسية (Medial Prefrontal Cortex)، والقشرة الحزامية الخلفية (Posterior Cingulate Cortex)، والتلفيف أمام الوتدي (Precuneus)، والتلفيف الزاوي (Angular Gyrus).
عندما نعمل باستمرار، تستخدم “الشبكة التنفيذية” لدماغنا التثبيط المشبكي لقمع شبكة الوضع الافتراضي. إن الإفراط المستمر في العمل “يقتل المايسترو” في الدماغ بشكل فعال، مما يدمر قدرتنا على الإبداع بل ويفصلنا عن شعورنا بذواتنا.
بعض النصائح العملية لتنشيط شبكة الوضع الافتراضي لديك:
- انظر في الفراغ: اقضِ 20 دقيقة على الأقل يوميًا في التحديق بذهن فارغ في الفراغ دون محاولة التفكير في أي شيء محدد، مما يسمح لعقلك بالراحة والشرود.
- خذ فترات راحة صغيرة (Micro-breaks): ابتعد عن روتينك المعتاد لبضع دقائق كل يوم لتنشيط عقلك وتحفيز نشاط شبكة الوضع الافتراضي.
- تنقل بلا هدف: اذهب للمشي لمسافات طويلة أو اجلس في وسائل النقل العام لتحدق خارج النافذة لتصفية ذهنك.
علم الأعصاب والعمل
يدير الدماغ العمل الموجه نحو الأهداف، والتركيز، والمهام التي تتطلب جهدًا معرفيًا من خلال مناطق محددة تشكل “الشبكة التنفيذية” (Executive Network):
تتولى القشرة الحزامية الأمامية أيضًا إدارة التحكم المعرفي، وهو القدرة على تعديل السلوك استجابةً للمعلومات الجديدة. ويتجلى ذلك من خلال مهمة “تأثير ستروب” (Stroop effect)، وهي تجربة يجب على الشخص فيها تسمية لون الحبر الذي طُبعت به الكلمة (على سبيل المثال، قول “أزرق” عندما تكون كلمة “أحمر” مطبوعة بحبر أزرق) بدلاً من قراءة الكلمة نفسها. ويعتمد الدماغ على هذه المنطقة لإلغاء غريزة قراءة النص.
ونظرًا لأن مناطق معينة في الدماغ متخصصة للغاية في مهام معينة، فإن الأبحاث تثبت أن تعدد المهام (Multitasking) سيئ للدماغ. فالانتقال بين المهام يترك جزءًا من الدماغ عالقًا في المهمة السابقة، مما يسبب تأخرًا ضارًا في الأداء المعرفي.
إن تشغيل الشبكة التنفيذية باستمرار دون راحة له تكاليف جسدية جسيمة. فقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة “ذا لانسيت” (The Lancet) أن الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة يواجهون خطرًا أعلى بنسبة 33% للإصابة بسكتة دماغية وزيادة بنسبة 13% في خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية مقارنة بأولئك الذين يعملون لساعات عادية. كما أن إجهاد هذه الشبكة يقلل من الموارد المعرفية، مما يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب والخرف معًا. وفي الولايات المتحدة وحدها، يكلف الإجهاد والاحتراق النفسي المرتبط بهذا الإفراط في الجهد ما يقدر بنحو 190 مليار دولار سنويًا في مجال الرعاية الصحية.
إن الضغط المجتمعي للأداء المستمر يثير “قلق المكانة”، والذي يستغل النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) – وهي منطقة الدماغ المرتبطة بالتحفيز، والمكافأة، والاكتئاب. وعندما تشعر مكانتنا بالتهديد بسبب عدم كوننا “مشغولين” بما يكفي، فإن هذه المنطقة من الدماغ تحفز حالة من التأهب الشديد، مما يؤدي إلى إجهاد مطول يعطل في النهاية قدرة الشبكة التنفيذية على اتخاذ القرارات وتنظيم العواطف.
وتظهر الأبحاث أن الشخص العادي يقضي 4.8 ساعة يوميًا على هاتفه. لقد تم جبل أدمغتنا على ذلك الانحياز للعمل، مما يعني أن كل إشعار جديد يمنحنا دفعة من الدوبامين (Dopamine). هذا الترويض البيولوجي العصبي يخدعنا لإبقاء شبكتنا التنفيذية متصلة بالإنترنت باستمرار تحت ستار “الراحة”، لكن هل الدماغ تحت الراحة فعلاً؟
كيف يعمل شرود الذهن لصالح ادمغتنا؟
يستخدم عالم النفس البروفيسور راسل هيرلبورت (Russell Hurlburt) من جامعة نيفادا في لاس فيغاس (University of Nevada, Las Vegas) تقنية تُعرف باسم “أخذ عينات الخبرة الوصفية” (Descriptive Experience Sampling – DES) لمراقبة شرود الذهن لدى الأشخاص في البيئات الواقعية. ويرتدي المشاركون في هذه التجارب جهاز تنبيه يصدر أصواتًا عشوائية، مما يدفعهم إلى تسجيل أفكارهم الداخلية الدقيقة في تلك اللحظة بالذات. وتلتقط هذه التجربة صورة غير متحيزة للتجارب الداخلية العفوية دون التأثير الاصطناعي للمختبرات أو فحوصات الدماغ. وتظهر الأبحاث في سياق علم الأعصاب الخاص بـ “التفكير غير المرتبط بالمهمة” (Task Unrelated Thought – TUT) أن البشر يقضون ما بين 25 إلى 50 بالمئة من حياتهم أثناء اليقظة في شرود الذهن. وتعتمد هذه العملية عصبيًا بشكل كبير على شبكة الوضع الافتراضي، لا سيما الفص الصدغي الإنسي (Medial Temporal Lobe)، وهو نظام فرعي ينظم العاطفة والذاكرة والإدراك البصري والإبداع. وتظهر فحوصات الدماغ لممارسي التأمل، أو تأمل اليقظة الذهنية، نشاطًا قويًا في هذه المنطقة، في حين أن حدوث أي ضرر فيها يقيد أفكار الشخص تمامًا في اللحظة الحالية.
وفي عام 2020، اكتشف العلماء أن هناك إشارات كهربائية صغيرة في الحُصين تُسمى “موجات الحُصين الحادة” (Sharp Wave-Ripples) تنبض مع كل حالة جديدة من شرود الذهن، مما ينشط مليارات الخلايا العصبية عبر شبكة الوضع الافتراضي بأكملها. وتتعدد النظريات حول سبب شرود الذهن؛ حيث يفترض الفيلسوف جوشوا شيبيرد (Joshua Shepherd) في نظرية “البحث عن المكافأة” أن العقل يشرد عندما تُعتبر المهمة الحالية غير مجزية، مما ينشط القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (Dorsal Anterior Cingulate Cortex) (وهي منطقة في الشبكة التنفيذية تحسب الخيارات الاقتصادية)، وإذا كانت قيمة المهمة منخفضة جدًا، فإنها ترسل إشارات إلى شبكة الوضع الافتراضي للمغادرة واستكشاف أفكار أكثر إشباعًا. وتأتي نظرية أخرى تُعرف بنظرية “البداية الجديدة” (Fresh Start) لتبين أن شرود الذهن يعمل كمفتاح إعادة ضبط عصبي لاستعادة الطاقة، مما يسمح للميتوكوندريا (المولدات الخلوية للطاقة) بإعادة التوزع داخل الخلايا العصبية المتعبة إلى المناطق التي تعاني من نقص الطاقة لتمكينها من إعادة الشحن.
تؤكد التجارب المتعلقة بشرود الذهن والأداء فوائد هذه الآلية، ففي ظاهرة “التشبع الدلالي” (Semantic Satiation)، إذا كرر الشخص كلمة ما حتى تفقد معناها، ثم شرد ذهنه لمدة دقيقة واحدة وعاد لتكرارها، فإن هذا الابتعاد العقلي القصير يسمح للخلايا العصبية بإعادة الضبط واستعادة معنى الكلمة.
تظهر الدراسات المتعلقة بالمهام المتكررة أن الأشخاص الذين يمارسون شرود الذهن أثناء أداء مهام روتينية يكون أداؤهم أفضل، مما يعزز كثافة المادة الرمادية عبر شبكة الوضع الافتراضي ويزيد من الإبداع العام.
في دراسة شملت طلابًا جامعيين من اليابان والمملكة المتحدة، طُلب من المشاركين الجلوس في غرفة لمدة 20 دقيقة دون هواتف والتفكير فقط، ورغم توقع الطلاب أن الأمر سيكون مملاً، إلا أنهم وجدوه في النهاية مرضيًا للغاية، ويعزو الباحثون هذا الحكم الخاطئ الأولي إلى “التركيز البؤري المحفز” (Focalism)، وهو انحياز معرفي يركز فيه الأشخاص بشدة على الجوانب السلبية المتوقعة للحدث مثل الملل، مما يعميهم عن الفوائد الإيجابية. ومن خلال تجارب تقنية أخذ عينات الخبرة الوصفية، وثق الباحثون أيضًا “التفكير غير المرمز” (Unsymbolized Thinking)، وهي ظاهرة محيرة توجد فيها الأفكار كتجربة خاصة بها دون أن تكون مرتبطة بأي حديث داخلي أو صور عقلية أو رموز خارجية.
العزلة: دفعة هائلة لأدمغتنا
لقد خفض المجتمع الحديث من قيمة العزلة بشكل كبير، مما دفع الأدمغة إلى التراجع عن الهدوء وصحبة الذات. وأثبتت دراسة شهيرة من جامعة فرجينيا (University of Virginia) تُعرف بتجربة “الصدمة الكهربائية ونفور الخمول” أن الناس يفضلون تعريض أنفسهم لصدمات كهربائية على قضاء بضع دقائق فقط بمفردهم مع أفكارهم. ويتغذى هذا الهوس الحديث بالتواصل الاجتماعي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تعطّل مراكز التثبيط في القشرة الجبهية، وهي المراكز التي تحكم ضبط النفس واتخاذ القرار والسلوك الاجتماعي، حيث يؤدي التحفيز المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي إلى تقزيم التطور الطبيعي للدماغ لدى المراهقين، مما يؤدي إلى زيادة خطر الإدمان والمشكلات النفسية الدائمة. ورغم أن البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، إلا أن البيانات الوبائية تشير إلى أن التواصل الاجتماعي المستمر قد يكون ضارًا، إذ تظهر الأبحاث أن رؤية الأصدقاء والعائلة يوميًا ترفع من خطر الوفاة بنسبة 8%. كما أن التواصل الاجتماعي السام أو قضاء الوقت مع الأشخاص الخطأ يرفع هرمون التوتر “الكورتيزول” (Cortisol)، مما يضر بالدوائر الاجتماعية في الدماغ.
وفي حين أن العزلة المختارة صحية، فإن العزلة القسرية تلحق ضررًا بالغًا بالدماغ. ففي دراسة نشرت عام 2020 في مجلة “طبيعة علم الأعصاب” (Nature Neuroscience)، قضى 40 شخصًا 10 ساعات في عزلة اجتماعية كاملة دون أجهزة إلكترونية، وكشفت فحوصات الدماغ أن الدماغ الأوسط – حيث تشفر 600,000 خلية عصبية منتجة للدوبامين حالة الرغبة الشديدة – اندلع بنشاط مماثل تمامًا لما يحدث عندما يُعرض الطعام على أشخاص جائعين، مما يثبت جوعهم حرفيًا إلى الرفقة، ويؤدي الاستمرار في هذه العزلة المطولة إلى ضمور هذه الخلايا العصبية وتسريع الشيخوخة العصبية. وفي المقابل، تفعّل العزلة المختارة مناطق رئيسية في شبكة الوضع الافتراضي مثل القشرة الجبهية الإنسية، والقشرة الحزامية الخلفية، والتلفيف الزاوي، مما يسهل “لحظات الوجود الحية” (Existential Moments) حيث ينخرط الدماغ في التفكير الذاتي العميق، والاستدلال الأخلاقي، وحل المشكلات، وتصور المستقبل.
تطلق العزلة أيضًا عملية “التخطيط المتعلق بالسيرة الذاتية” (Autobiographical Planning)، وهي عملية التأمل في التجارب الماضية ودمجها في الشعور بالذات، مما يعزز المرونة العصبية للدماغ. وأثبتت دراسة من جامعة ميشيغان (University of Michigan) هذه الدفعة المعرفية من خلال إظهار أن المشاركين الذين ساروا بمفردهم في الطبيعة سجلوا أداءً أفضل بكثير في اختبارات الذاكرة مقارنة بالذين ساروا في مجموعات أو في بيئات حضرية. ووفقًا لنظرية “التوسيع والبناء” (Broaden-and-Build Theory) التي اقترحتها بروفيسورة علم النفس باربرا فريدريكسون (Barbara Fredrickson)، فإن المشاعر الإيجابية مثل الفرح توسع الأفكار والأفعال، وتُحررنا العزلة من “تأثير تسليط الضوء” (Spotlight Effect) المتمثل في القلق من حكم الآخرين، مما يسمح باختبار الفرح الخالص الذي يحفز “المناطق اللذذية” (Hedonic Hotspots) في شبكة الوضع الافتراضي ويزيد من إفراز الدوبامين، مما يحسن الإبداع وحل المشكلات بشكل كبير.
يعزز هذا الفرح في العزلة الاتصال بين شبكة الوضع الافتراضي والشبكة التنفيذية، مما يمنح الدماغ “مسافة نفسية” (Psychological Distance)، وهي وظيفة عصبية فسيولوجية مذهلة تتيح الانفصال عن التفاصيل المباشرة والنظر إلى الصورة الكبيرة عند اتخاذ القرارات الصعبة. كما أن التفكير الانفرادي غير الموجه، مثل الصلاة أو التأمل، ينمي الانسجام الداخلي من خلال تنشيط أجزاء واسعة من شبكة الوضع الافتراضي مع تهدئة الشبكة التنفيذية الموجهة نحو الأهداف. وتوفر العزلة لشبكة الوضع الافتراضي الوقت الذي تحتاجه لفرز المشاعر المعقدة والتعافي من الصدمات العاطفية، وخلال هذا الوقت، تعمل القشرة الحزامية الأمامية كمدرب عاطفي داخلي يحلل أهمية الحدث لمعالجة الحزن أو الغضب بموضوعية. وفي دراسة أجرتها جامعة ريدينغ (University of Reading) حول العزلة، طُلب من 178 شخصًا تسجيل أوقاتهم بمفردهم على مدار ثلاثة أسابيع دون أجهزة رقمية أو اتصال مباشر، ووجدت الدراسة أنه في الأيام التي قضى فيها المشاركون أكبر عدد من الساعات بمفردهم، أبلغوا عن أدنى مستويات التوتر وأعلى مشاعر الحرية والأصالة، ولم يشعروا بالوحدة إلا عندما لا تكون العزلة خيارًا نابعًا من إرادتهم.
لا تفعل شيئاً: الفن الهولندي للـ “نيكسين”
تُعرف الممارسة الهولندية “نيكسين” (Niksen) بأنها فن عدم القيام بأي شيء أو فعل شيء دون فائدة محددة، مثل الجلوس على مقعد أو مراقبة الناس. ولا تندرج مشاهدة التلفاز المتواصلة تحت هذا المفهوم؛ لأنها تغمر الدماغ بالدوبامين، مما يغير الكيمياء الطبيعية ويؤدي إلى الإجهاد والاكتئاب على المدى الطويل، حيث تتطلب مشاهدة التلفاز “انبهارًا شديدًا” وتشغل الشبكة التنفيذية (الإنتباه والمعالجة الحسية) بدلاً من تنشيط شبكة الوضع الافتراضي. وفي المقابل، فإن مراقبة الناس تشغل مناطق متعددة في الدماغ معنية بالمعالجة العاطفية والتنبؤ بالأفعال، مما ينشط الذكاء الاجتماعي الفطري والتعاطف، وهي مهارات تم صقلها من أجل البقاء. ويدعم الاسترخاء في المقاهي شبكة الوضع الافتراضي لأن المستويات المعتدلة من الضوضاء المحيطة الخلفية تعزز الإبداع والإنتاجية دون المطالبة بتفاعل مركز.
تظهر الدراسات المتعلقة بمراقبة الطيور أن رؤية الطيور تعزز الرفاهية النفسية لمدة تصل إلى ثماني ساعات، وأن المدن التي تحتوي على المزيد من الطيور تسجل معدلات أقل من الاكتئاب والقلق، ووجدت إحدى الدراسات أن وجود 14 نوعًا مختلفًا من الطيور في البيئة يوفر نفس مستوى الرضا الذي يوفره كسب 124 يورو إضافي شهريًا؛ إذ تشغل مراقبة الطيور مناطق شبكة الوضع الافتراضي المعنية بالخيال والمعالجة العاطفية والذاكرة واتخاذ المنظور والتأمل الذاتي.
أما في سياق “الشعور بالذنب تجاه الإنتاجية”، فإن الشعور بالذنب يشغل شبكة من مناطق الدماغ تشمل اللوزة الدماغية، والقشرة الجزيرية الأمامية، والفص الجبهي والصدغي، وعندما يكون هذا الشعور قويًا، ترسل هذه المناطق إشارات إلى القشرة الجبهية والقشرة الحزامية الأمامية لـ “إصلاح” الخطأ المتصور. ويسبب الإفراط في العمل “شعورًا عامًا بالذنب”، حيث يشعر الناس بالكسل حتى أثناء الراحة، ومع ذلك، ووفقًا لمبدأ دونالد هيب (Donald Hebb) لعام 1949 “استخدمه أو افقده”، إذا تجاهلنا بنشاط هذا الشعور بالذنب المصنوع مجتمعيًا، فإن المسارات العصبية المرتبطة به ستضعف بمرور الوقت.
أخيرًا، وجدت دراسة أجرتها جامعة كامبريدج (University of Cambridge) عام 2021 حول العمل المثالي ووقت الفراغ أن الناس يكونون في أسعد حالاتهم عندما يعملون يومًا أو يومين فقط في الأسبوع، مما يخالف توقعات الباحثين بأن ثلاثة إلى أربعة أيام ستكون هي الأمثل. ووجدت دراسة أخرى أن الناس لا يبدأون في الشعور بالخمول غير المنتج إلا إذا كان لديهم أكثر من خمس ساعات من وقت الفراغ يوميًا.

